السودان يُستنزف حتى الرمق الأخير: حربٌ تُسقط الجنيه وتُحاصر المواطن كتبه كمال حامد

السودان يُستنزف حتى الرمق الأخير: حربٌ تُسقط الجنيه وتُحاصر المواطن كتبه كمال حامد


10-12-2026, 02:17 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791767877&rn=0


Post: #1
Title: السودان يُستنزف حتى الرمق الأخير: حربٌ تُسقط الجنيه وتُحاصر المواطن كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 10-12-2026, 02:17 AM

02:17 AM October, 11 2026

سودانيز اون لاين
كمال حامد بكري-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





لم تعد الحرب في السودان أزمة عسكرية وأمنية فحسب، فقد تجاوزت ساحات القتال لتتحول إلى أزمة معيشية خانقة تمسّ تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، من الخبز والوقود والدواء إلى الغذاء والمأوى ومصادر الدخل.

ومع إطالة أمد القتال وتراجع فرص التسوية السياسية، تتعمق الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، بينما تضيق الخيارات أمام الأسر التي لم تتمكن من النزوح، إما لعجزها عن تحمل تكاليفه أو بسبب المخاطر وانعدام الأمان على طرق النزوح.

وهكذا يجد ملايين السودانيين أنفسهم بين حرب تستنزف موارد البلاد واقتصاد يتآكل وأسواق مضطربة وأسعار تتجاوز قدرة الأسر على الاحتمال.

الجنيه السوداني يدفع ثمن الحرب

يشكل تراجع قيمة العملة السودانية أحد أبرز مظاهر الأزمة. فانخفاض قيمة الجنيه لا يبقى مجرد رقم في سوق الصرف، بل ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والنقل والسكن والخدمات، ويؤدي إلى تآكل الدخول والمدخرات وانخفاض القدرة الشرائية.

ولا يمكن فصل هذا التدهور عن آثار الحرب؛ فتراجع الإنتاج والصادرات، واضطراب التجارة، وتضرر البنية التحتية، وخروج قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، كلها عوامل تزيد الضغط على العملة والأسواق.

وهكذا يتحول التضخم من مؤشر اقتصادي إلى أزمة معيشية: دخل لا يواكب الأسعار، واحتياجات أساسية تصبح خارج قدرة قطاعات متزايدة من المجتمع.

المواطن بين الحرب والفقر

الأزمة لم تعد أرقامًا في تقارير الاقتصاد، بل أصبحت واقعًا يوميًا. فالمواطن الذي يعجز عن توفير الغذاء أو شراء الدواء لا تعنيه المؤشرات بقدر ما يعنيه ما يستطيع أن يشتريه بدخله المحدود.

والنزوح نفسه ليس خيارًا متاحًا للجميع؛ إذ يحتاج إلى المال وإلى طرق آمنة، وهو ما تفتقده أسر كثيرة. لذلك يبقى البعض عالقًا بين مخاطر الحرب وقسوة الفقر، لا يملك القدرة على المغادرة ولا القدرة على تحمل استمرار الوضع القائم.

وفي الوقت نفسه، يفقد الاقتصاد قدرته على خلق فرص العمل والإنتاج، وتتوقف المشروعات وتتضرر الزراعة والصناعة والخدمات، ما يوسع دائرة البطالة والفقر ويجعل تكلفة التعافي وإعادة الإعمار أعلى كلما طال أمد الحرب.

مسؤولية طرفي الحرب

إن استمرار القتال وتغليب الخيار العسكري على التفاوض وتأخير الانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي أسهمت جميعها في تعميق الأزمة.

ومن ثم، يتحمل طرفا الحرب مسؤولية مباشرة عن استمرار الصراع وما ترتب عليه من خسائر اقتصادية وإنسانية، لأن استمرار القتال لا يستهلك الموارد فقط، بل يدمر القدرة الإنتاجية ويقوض فرص الاستقرار ويزيد معاناة المدنيين.

ولا يدفع المواطن ثمن الحرب أمنيًا وإنسانيًا فحسب؛ بل يدفعه أيضًا من دخله ومدخراته ومستقبل أبنائه. فكل يوم إضافي من القتال يعني إنتاجًا مفقودًا، وفرص عمل أقل، وضغطًا أكبر على العملة والأسواق والخدمات.

وقف الحرب ضرورة اقتصادية

إن وقف الحرب ليس مطلبًا سياسيًا وإنسانيًا فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية عاجلة. فاستعادة الاقتصاد تبدأ بوقف النزيف، وتأمين وصول المساعدات، وإعادة تشغيل الإنتاج والخدمات، ثم معالجة الاختلالات النقدية والمالية المتراكمة.

لكن ذلك يتطلب خطوات عملية لا تكتفي بالشعارات: وقف إطلاق النار، فتح وتأمين الممرات الإنسانية، ضمان وصول الغذاء والدواء والوقود إلى المدنيين، والعودة إلى مفاوضات جادة تقود إلى تسوية سياسية.

وبالتوازي، تحتاج البلاد إلى برنامج اقتصادي طارئ يحمي الفئات الأكثر تضررًا، ويدعم الإنتاج، ويعيد تنشيط الأسواق والخدمات، ويهيئ الظروف لإعادة بناء الاقتصاد ومؤسسات الدولة.

الخاتمة: لا لاللحرب قبل أن يصبح إنقاذ الاقتصاد مستحيلًا

السودان يقف أمام مفترق حاسم. فاستمرار الحرب يعني مزيدًا من انهيار العملة وارتفاع الأسعار واتساع الفقر وتدمير القدرة الإنتاجية، بينما يرفع كل يوم إضافي كلفة إعادة البناء والتعافي.

أما وقف الحرب، فيفتح الطريق أمام عودة الإنتاج، واستعادة الخدمات، وعودة النازحين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع أساس لتعافٍ اقتصادي واجتماعي مستدام.

لذلك فإن المسؤولية لا تقع على المواطنين وحدهم لتحمل المزيد من أعباء الحرب، بل تقع على طرفي الصراع والقوى السياسية والمدنية، وعلى المجتمعين الإقليمي والدولي، للضغط من أجل إنهاء القتال وفتح مسار سياسي جاد يقود إلى حكم مدني ديمقراطي.

لقد أصبح وقف الحرب سياسة اقتصادية عاجلة بقدر ما هو ضرورة إنسانية وسياسية. وكل يوم يتأخر فيه السلام هو يوم جديد تُستنزف فيه قيمة الجنيه، وتتآكل فيه دخول الأسر، وتضيع فيه فرص إنقاذ الاقتصاد السوداني.

فالسؤال لم يعد: كم سيكلفنا السلام؟ بل: كم سيبقى من السودان إذا استمرت الحرب؟

bakrikamal26@gmail.com