Post: #1
Title: صفعة الحقيقة.. لماذا أرعب خطاب مناوي تجار الأزمات وحراس الميليشيات؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 10-11-2026, 02:13 AM
02:13 AM October, 10 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
عندما وقف حاكم إقليم دارفور، القائد مني أركو مناوي، يوم الأربعاء السابع من أكتوبر في العاصمة الخرطوم ليلقي خطابه الجماهيري المجلجل، لم يكن يلقي مجرد كلمات عابرة تذروها رياح السياسة السودانية المتقلبة، بل كان يضع إصبعه بجرأة نادرة ومباشرة قاطعة على الجرح الغائر، ويدق جرس الإنذار الأخير في وجه العبث السياسي والعسكري الذي يكاد يورد البلاد موارد الهلاك النهائي. لقد كان خطابا عقلانيا، شجاعا، ومجردا من مساحيق التجميل الدبلوماسية، حيث لامس عصب الحقيقة العارية التي يخشى الكثيرون من سماسرة الأزمات النظر إليها، ولكن، وكما هو متوقع في مستنقع السياسة السودانية الموبوء بالتشوهات التاريخية والأمراض المزمنة، انتفض جُبناء السودان والعنصريون، وارتفع ضغط دمهم إلى مستويات قياسية، فشرعوا في استنفار أبواقهم الإعلامية لتأويل الكلمات وتحريف المعاني، معتبرين هذا الخطاب التاريخي الصادق بمثابة تمرد وتحدٍ سافر للدولة السودانية. لقد تناسى هؤلاء القوم، في غمرة نفاقهم وتدليسهم وعماهم الأيديولوجي، حقيقة ساطعة كشمس الظهيرة، وهي، لولا القوات المشتركة التي قادت المعارك في أحلك ساعات السودان وأكثرها دموية، لمّا كان لهذه الدولة التي يتباكون عليها اليوم ويدّعون احتكار الحديث باسمها، أي وجود يذكر على الخريطة السياسية أو الجغرافية، ولابتلعتها فوضى ميليشيا الدعم السريع ومرتزقتها بلا رجعة. عزيزي القارئ.. لفهم حالة الهستيريا الجماعية والفزع الاستراتيجي التي أصابت هذه الفئات المتكلسة إثر تصريحات مناوي، يجب علينا أولا وقبل كل شيء تفكيك الخلط المتعمد، والخبيث في آن واحد، الذي تمارسه الأبواق العنصرية وإعلام الظل بين مفهوم الميليشيا ومفهوم حركات النضال والكفاح المسلح. إن الميليشيا، في أبسط وأدق تعريفاتها السياسية والاجتماعية، هي تشكيل عصابي مسلح ينشأ خارج إطار المؤسسات الوطنية الشرعية، لا يحمل أي مشروع وطني شامل أو قضية عادلة تهم جموع الشعب، بل يعتمد في مبرر وجوده واستمراريته على الارتزاق المالي، أو التحشيد القبلي والجهوي الضيق، أو الاستقطاب الأيديولوجي والديني المتطرف. هذه الميليشيات تنمو كالفطريات الطفيلية في أوقات الفوضى وغياب القانون وتفكك الدولة، لتكون أداة طيعة في أيدي مراكز النفوذ لتحقيق مكاسب سريعة، وممارسة النهب الممنهج، والقتل على الهوية، والإقصاء العنيف للآخر. إنها كيانات تفتقر لأي هيكلية سياسية ناضجة أو مرجعية أخلاقية تضعها في مصاف القوى الوطنية الباحثة عن بناء دولة حديثة. في المقابل الأغر، نجد أن الحركات النضالية، وعلى رأسها حركات الكفاح المسلح في دارفور والتي تشكل اليوم النواة الصلبة والعمود الفقري للقوات المشتركة، وكذلك الحركة الشعبية لتحرير السودان بفرعيها ومختلف مساراتها، هي كيانات وُلدت من رحم المعاناة القاسية والتهميش التاريخي الممنهج. لم ترفع قيادات هذه الحركات وجنودها السلاح رغبة في قطع الطرقات، أو طمعا في ثروات الآخرين، أو استعلاءا عرقيا على أي مكون سوداني آخر، بل حملت هذا السلاح الثقيل والمكلف دفاعا عن حقوق وجودية ومشروعة وعادلة. لقد جاءت هذه الحركات لترد على عنف الدولة المركزية وللمطالبة بإنهاء عقود طويلة من الظلم المتراكم، والإقصاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي مارسته نخب الخرطوم المتعاقبة. تمتلك هذه الحركات النضالية أوراقاً تفاوضية، ومشاريع سياسية واضحة المعالم، وأهدافا استراتيجية تسعى لإعادة صياغة هيكل الدولة السودانية على أسس متينة من العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروة والسلطة، والمواطنة المتساوية التي لا تفرق بين سوداني وآخر بناءا على لونه أو قبيلته أو جهته. بناءا على هذا الفهم العميق، فإن أي محاولة بائسة لمساواة هذه الحركات الأصيلة ذات القضايا العادلة والتاريخ النضالي الطويل، بميليشيات صُنعت في غرف المخابرات المظلمة أو بُنيت على أساس النهب والتعصب الأعمى، هي محاولة يائسة تعكس بوضوح عمق الأزمة الأخلاقية والسياسية والخواء الفكري لدى النخب العنصرية ومروجي خطابات الكراهية. إن ما أثار رعب الجبناء، وأطار النوم من أعينهم في خطاب مناوي الأخير، هو تعريته الصريحة والمؤلمة للمشهد العسكري والسياسي الحالي، وكشفه للمخططات الخبيثة التي تُحاك في الخفاء لإعادة إنتاج أزمات السودان من جديد. لقد أعلن مناوي بوضوح قاطع، وبصوت لا يقبل المواربة أو التأويل: لا نريد دولة تدعم الميليشيات، وسنتمرد على أي دولة تدعم ميليشيات الجنجويد أو أي ميليشيات تحت أي مسمى. إن هذه العبارة القوية، التي كرر فيها كلمة تحت أي مسمى لغلق الباب أمام المتلاعبين بالألفاظ، ليست تهديدا لكيان الدولة السودانية كما يروج المرجفون، بل هي في جوهرها الدفاع الأسمى والأنبل عن فكرة الدولة الحقيقية، دولة المؤسسات والقانون والجيش الواحد المهني. لقد أدرك مناوي بحسه السياسي العميق وتجربته المريرة أن الدولة التي تعتمد في استمرار بقائها على تفريخ ميليشيات جديدة، وتصرف عليها بسخاء من أموال دافعي الضرائب المنهكين، وتسقيها من دماء أبناء السودان وأطفالهم، هي دولة تحفر قبرها بيدها، وتمهد الطريق لصوملة المشهد السوداني وتحويله إلى ساحة اقتتال أبدي بين أمراء الحرب. إن نظرة فاحصة وموضوعية للجماعات المسلحة الأخرى التي برزت على السطح مؤخراً والتي تحارب حالياً بجانب الجيش السوداني، تكشف بما لا يدع مجالاً للشك أنها بكليتها، وفي جوهر تكوينها، عبارة عن ميليشيات صريحة المعالم، تفتقر لأي مقوم من مقومات حركات التحرر الوطني. إن كيانات مستحدثة ومشبوهة مثل ميليشيا درع السودان بقيادة المدعو أبو عاقلة كيكل، والتي نشأت على أسس جهوية واضحة ولعبت أدوارا انتهازية ومتقلبة في المشهد العسكري، وميليشيا البراء بن مالك التي تمثل الذراع العسكري والتنظيمي لجماعات أيديولوجية دينية متطرفة تسعى لاختطاف قرار الدولة والجيش معا لصالح مشروعها الشمولي البائد، وتلك التشكيلات والكتائب الدينية الأخرى التي تعبث في مسارح العمليات العسكرية، إلى جانب الميليشيات القبلية المستحدثة مثل ما يُسمى بـ"درع الغرب" أو غيره من المسميات التي تنحدر غالبيتها من مكونات محددة وتسعى لخلق توازن رعب قبلي محلي، كل هذه التشكيلات لم تكن يوما حركات نضالية. متى كان لهؤلاء قضية عادلة يناضلون من أجلها، ومتى تعرضوا للتهميش الذي يبرر لهم حمل السلاح خارج إطار القوات المسلحة القومية؟ لقد ظهرت هذه التشكيلات الطفيلية والانتهازية مع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل المأساوية في عام 2023، حاملة معها أجندات جهوية وعرقية وأيديولوجية في غاية الضيق والخطورة. هي ميليشيات لا تقاتل أبداً من أجل وطن يتسع لجميع أبنائه المتنوعين، بل تقاتل بضراوة لفرض هيمنة أحادية متعصبة، ولإعادة إنتاج نفس النظام السياسي والاجتماعي القديم والمتهالك الذي قسّم السودانيين طوال عقود مضت، وصنفهم درجات ومقامات بناءا على انتماءاتهم الضيقة، وأورد البلاد موارد الانقسام والانفصال والتخلف. إن صمت مؤسسات الدولة عن هذه الكيانات، بل ومباركتها في بعض الأحيان واعتمادها عليها في المعارك، يمثل قصر نظر استراتيجي كارثي، ويؤسس لحرب أهلية مستقبلية لا تبقي ولا تذر، بمجرد أن تنتهي المعركة الحالية ضد ميليشيا الدعم السريع المتمردة. إن الهجوم الشرس والمنظم الذي شنه إعلام الظل والأقلام المأجورة على حاكم إقليم دارفور وقيادات القوات المشتركة، يعكس في حقيقته حالة من الفزع الاستراتيجي المرضي لدى بعض مراكز القوى القديمة التي أدمنت السيطرة على مفاصل الدولة من خلف ستار. هؤلاء الجبناء لا يريدون في قرارة أنفسهم بناء جيش وطني قومي، مهني وقوي، تُدمج فيه القوات المشتركة وحركات النضال المسلح وفق أسس احترافية شفافة وعقيدة عسكرية وطنية جديدة تحمي الدستور والمواطن، بل يريدون بشدة الإبقاء على جيش ضعيف ومنهك، تحيط به هالة من الميليشيات العقائدية والقبلية الموازية التي يسهل التحكم فيها بالمال والعاطفة الدينية والقبلية، واستخدامها كعصا غليظة لضرب أي مشروع حقيقي للعدالة والتغيير الجذري والتحول الديمقراطي. عندما صرح مناوي بشجاعة بأنه يرفض رفضا باتا أن يُستبدل جنجويد الأمس القريب بجنجويد جُدد يتم تلميعهم اليوم تحت مسميات المقاومة الشعبية أو الكتائب الاستراتيجية، كان الرجل يقرأ كتاب المستقبل السياسي السوداني بدقة متناهية، مدركا تمام الإدراك أن التغاضي المستمر عن تمدد هذه الميليشيات الأيديولوجية والقبلية وتسليحها العشوائي اليوم، سيعني حتما وبلا أدنى شك، خوض حرب طاحنة جديدة غداً لتفكيكها، ليدخل السودان في حلقة مفرغة من العنف الدامي الذي يلتهم الأخضر واليابس. على أرض الواقع، وبينما تقبع تلك الأبواق العنصرية في غرفها المكيفة خارج البلاد أو في الملاذات الآمنة تبث سموم الفرقة والشتات، تقوم القوات المشتركة وحركات الكفاح المسلح بتقديم أرتال متتالية من الشهداء والجرحى. إنهم يقاتلون اليوم بضراوة وبسالة نادرة، جنباً إلى جنب مع الشرفاء والوطنيين الخلص من أبناء القوات المسلحة السودانية، في خنادق القتال الأمامية المشتعلة، على الأرض المشتعلة في دارفور وكردفان وفي سماء المعارك، من أجل هدف واحد سام، وهو تحرير كل شبر من تراب السودان الطاهر من قبضة غزاة ومرتزقة الدعم السريع. هي تفعل ذلك انطلاقا من إحساس عميق بالمسؤولية الوطنية التاريخية التي لا تقبل المزايدة أو التشكيك من أحد، ومن العار الأكبر، بل ومن الخيانة العظمى للوطن، أن تُقابل هذه التضحيات الجسام والدماء الزكية التي تُسكب دفاعاً عن بقاء الدولة ومؤسساتها، بحملات تخوين رخيصة، وحملات تشويه عنصرية بغيضة تقودها غرف مظلمة وكيانات سياسية فاشلة لم تذق يوما في تاريخها مرارة النزوح والتشريد، ولم تعرف يوما ويلات المعارك الحقيقية ودوي المدافع، بل اعتادت دوما على حصد المكاسب والمناصب على حساب دماء الآخرين من أبناء الهامش الذين يُدفع بهم دائما إلى الصفوف الأولى ليكونوا وقودا لحروب المركز المدمرة. في الختام، يجب أن يُقرأ خطاب مناوي الأخير لا كونه صرخة غضب وافلاس، بل كونه وثيقة وطنية شديدة الأهمية، ومانيفستو سياسي وأخلاقي يفضح زيف الادعاءات ويكشف عورات المتاجرين بالوطنية. لم يكن هذا الخطاب المزلزل في جوهره تمردا على فكرة الدولة الوطنية الجامعة كما يحاول أن يصور أعداء النجاح وصناع الفتن، بل كان في صميمه تمردا نبيلا ومشروعا على عقلية اختطاف الدولة وتحويلها إلى مزرعة خاصة لنخب محددة. إنه تمرد واعٍ وشجاع على سماسرة الحروب وصناع الأزمات الذين أدمنوا الفشل، ويريدون اليوم بكل صفاقة استنساخ الميليشيات القديمة بمسميات جديدة لضمان بقائهم في المشهد السياسي، وللحفاظ على كراسيهم المهتزة في السلطة حتى لو كان ذلك فوق جماجم السودانيين وعلى أنقاض ما تبقى من وطن مكلوم. إن إجبار مؤسسات الدولة الانتقالية على الإيقاف الفوري لسياسات رعاية وتفريخ الميليشيات الأيديولوجية والقبلية المستحدثة ليس ترفا سياسيا، بل هو الشرط الموضوعي الأهم والوحيد لضمان عدم انزلاق السودان نحو هاوية التقسيم الشامل، ولتأسيس جيش قومي واحد يحتكر أدوات العنف الشرعي لحماية الأرض والعرض الدستور، لا لحماية كراسي الطغاة ومصالح النخب المتعفنة.
|
|