Post: #1
Title: من ذاكرة مكتبتي بقرية الشوال صفحات من تاريخ السودان تستحق أن تُقرأ كتبه علي الكنزي
Author: علي الكنزي
Date: 10-10-2026, 08:07 PM
08:07 PM October, 10 2026 سودانيز اون لاين علي الكنزي-الخرطوم - السودان مكتبتى رابط مختصر
من أبواب متفرقة علي الكنزي alkanzali@gmail.com من ذاكرة مكتبتي بقرية الشوال صفحات من تاريخ السودان تستحق أن تُقرأ في منزلي بقرية الشوال مكتبة جمعتها من حرّ مالي خلال فترة تقارب الأربعين عاماً، منها ثمانية وثلاثونعاماً قضيتها في جنيف. اقتنيت كتبها من أطراف الدنيا، حتى بلغ عددها ما يقارب سبعة آلاف كتاب،بالعربية أولاً، ثم الإنجليزية، ثم الفرنسية، إلى جانب عدد قليل من الكتب باللغة الألمانية التي لا أحسنها. وقد رافقتني هذه المكتبة من جنيف إلى حي الروضة بأم درمان، ثم استقرّت في قريتي الأم، الشوال. عندما عدت إلى السودان، كان في مخيلتي مشروع مركز ثقافي تكون هذه المكتبة عموده الأساسي، لكنتعذّر تحقيقه آنذاك. وحين نقلتها إلى الشوال، ظللت أطمح إلى إنشاء المركز في قريتي، لتكون هذه الكتبمتاحة لأهلها. ثم جاءت الحرب فعطّلت المشروع، وما زلت أرجو أن تتاح لي فرصة تحقيقه. ومن بين كتب هذه المكتبة «تاريخ حياتي» للشيخ بابكر بدري، بأجزائه الثلاثة؛ وهو الكتاب الذي أستعيدهنا بعض ما قرأته فيه، بعدما أبعدتني الظروف عن قريتي ومكتبتي. فليعذرني القارئ إن أخطأت فيبعض التفاصيل التي أرويها من الذاكرة، وأرحّب بكل تصحيح يستند إلى النص ومصدره. عاصر بابكر بدري ثلاثة عهود من تاريخ السودان: التركية، والمهدية، والحكم الثنائي الإنجليزيالمصري. وتوفي في الرابع من يوليو سنة ١٩٥٤، قبل استقلال السودان بنحو عام ونصف العام. ولهذاتحمل مذكراته قيمة تتجاوز سيرته الشخصية؛ فهي شهادة على تحولات سياسية واجتماعية امتدت عبر تلكالعهود. أتذكر أنه تناول الرق في العهد التركي، ووصف سفناً نيلية كانت تتجه من الخرطوم إلى جنوب السودان،ثم تعود بأناس اقتُلعوا من ديارهم ليُباعوا كرقيق. وفي ذاكرتي أنه ذكر قباطنة مصريين كانوا يملؤونسفنهم بالمسترقين من مختلف الأعمار، ويسوقونهم إليها كأنهم خراف. وهذا المقطع تحديداً أرويه منالذاكرة، وأرجو ممن لديه الكتاب أن يساعدنا في العثور عليه ونقل نصه مع رقم الجزء والصفحة وبياناتالطبعة. أما رواياته عما حدث بعد هزيمة جيش الخليفة عبد الله في كرري، فمنها واقعتان تؤيد دراسة المؤرخة إيفتراوت باول ورودهما في مذكراته، إذ تنقل عنه تفاصيلهما. الأولى تخص إبراهيم بك اليعقوبابي؛ فقد جاء إلى باب منزله جندي كان مسترقاً عنده سابقاً، وناداه باسمه. خرج إبراهيم معتقداً أنه جاء لحمايته وأسرته، وهمّ بمصافحته، لكن الجندي أطلق عليه النار وقتله. والثانية تخص إبراهيم تميم، التاجر القادم من أسوان. يروي بدري أنه شاهد قرب السوق جندياً يصطحبامرأة مسترقة، فلحق بهما إبراهيم وحاول استردادها، فأطلق الجندي النار عليه. وعلم بدري لاحقاً أنالجندي أخو المرأة، وأن كليهما وُلدا في منزل إبراهيم. هذه روايات قاسية، تفتح نافذة على ما خلّفه الاسترقاق من جراح وحسابات شخصية. وإثبات ورودها فيالمذكرات لا يعني أن جميع تفاصيلها قد خضعت لتحقق مستقل، لكنه يجعلها شهادات تستحق القراءةوالبحث. وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة تاريخية قد تغيب عن بعض القراء: جيش كتشنر الذي واجه قوات الخليفةعبد الله في كرري ضم قوات بريطانية ومصرية وكتائب سودانية نظامية. ويوثّق المتحف الوطني للجيشفي لندن صورة للكتيبة السودانية الثانية عشرة وهي تنتظر هجوم قوات المهدية يوم الثاني من سبتمبر سنة١٨٩٨. ويذكر أن قوات كتشنر ضمت نحو ثمانية آلاف جندي بريطاني، وسبعة عشر ألفاً من الجنودالمصريين والسودانيين مجتمعين؛ فالرقم الأخير لا يمثل السودانيين وحدهم. وقد خصّص المؤرخ رونالد لاموث كتابه «Slaves of Fortune: Sudanese Soldiers and the River War, 1896–1898»، الصادر سنة ٢٠١١، لدراسة هؤلاء الجنود السودانيين. ويبيّن أنهم أدّوادوراً مهماً في القتال، وعملوا أيضاً مترجمين ومجنّدين ووسطاء مع المجتمعات المحلية. وتاريخ خدمتهم في الجيش المصري سبق حملة كتشنر والمهدية نفسها. ومن الأمثلة التي يعرضها لاموثالضابط علي جيفون، من الشلك، الذي أُسر شاباً وأُدخل الجيش المصري، ثم قضى فيه نحو أربعين عاماًقبل عودته إلى فشودة سنة ١٨٩٨. وهكذا وصل بعض هؤلاء الرجال إلى حملة كتشنر عبر تاريخ طويلمن الاسترقاق والخدمة العسكرية. لذلك لا تكفي روايتا بابكر بدري لتحديد عدد المسترقين السابقين في ذلك الجيش، أو لتعميم دوافعهم علىجميع الجنود السودانيين. والأدق أن نقول إن سودانيين قاتلوا في صفوف الطرفين، وإن خلفياتهم ودوافعهماختلفت. وفهم مشاركتهم يستلزم النظر في تاريخ الرق والتجنيد والحياة العسكرية، إلى جانب مواقفهم منحكم المهدية. ومن صفحات الرق والحرب أنتقل إلى جانب آخر من تاريخنا الاجتماعي: تعليم البنات. فقد أشرت في مقال سابق لي عن «تاريخ حياتي» إلى الصفحة ٨٤ من الجزء الثاني، حيث ذكرت أن بابكربدري استقى فكرة مدرسة البنات التي أنشأها في رفاعة سنة ١٩٠٧ من تجربة السيد محمد عثمانالميرغني الأكبر، الذي أمر بفتح كتّاب لتعليم البنات في سواكن. وكان بدري يعرف سواكن من رحلاتهالتجارية، حين كانت الميناء الرئيسي للسودان. وأرجو مراجعة هذه الإحالة في الأصل لتأكيد عبارتهاوبيانات الطبعة. وأتذكر مما قرأته في كتاب «تطور التعليم في السودان: ١٨٩٨–١٩٥٦» للبروفيسور محمد عمر بشير أنجهود الإرساليات الكاثوليكية في التعليم سبقت تجربة الميرغني الكبير في سواكن وبابكر بدري في رفاعة،وأن للأب دانيال كمبوني إسهاماً مبكراً في تعليم البنات في السودان. وأورد هذه الإحالة أيضاً بوصفها ممابقي في ذاكرتي، إلى حين مراجعة موضعها في الكتاب. أما رسائل كمبوني فتوثّق وجود مدرسة للبنات في الخرطوم وجهوده لتعليمهن في الأبيض سنة ١٨٧٣. وهنا أصحح تاريخاً سبق أن ذكرته من الذاكرة: فقد وصل كمبوني إلى أفريقيا سنة ١٨٥٧، فلا يصح أنننسب إليه نشاطاً في السودان خلال أربعينيات القرن التاسع عشر. وتشير المصادر إلى مدرسة كاثوليكية أقدم أنشأها الأب لويجي مونتوري في الخرطوم سنة ١٨٤٣. لكنتاريخ التعليم عموماً يختلف عن تاريخ تعليم البنات تحديداً، ولذلك لا تكفي الإشارة إلى تلك المدرسة للجزمبأنها كانت أول مدرسة للبنات. إن حفظ مساهمات هؤلاء السابقين لا ينتقص من مكانة بابكر بدري وتجربته في رفاعة؛ بل يضعها فيسياق أوسع، مع مراعاة اختلاف الكتاتيب والمدارس التبشيرية والتعليم النظامي. فتاريخ تعليم المرأة فيالسودان يستحق أن تُحفظ فيه أسماء جميع من أسهموا فيه. أورد هذه الصفحات لأن قراءة تاريخ السودان تحتاج إلى الرجوع للمصادر، ومواجهة ما فيها من مآسٍبصراحة، وحفظ ما فيها من جهود وإنجازات بإنصاف. كما تحتاج إلى التمييز بين شهادة صاحبالمذكرات، وما نتذكره منها، وما يمكن إثباته بوثائق أخرى. وأرجو ممن لديه نسخة من «تاريخ حياتي» أو «تطور التعليم في السودان» أن يساعدنا في مراجعة هذهالإحالات، بنقل النصوص وأرقام الصفحات وبيانات الطبعات. فمكتبتي بعيدة عن يدي اليوم، لكن ما قرأته فيها ما زال حاضراً في ذاكرتي، وما زال حلم المركز الثقافيفي الشوال ينتظر أن تضع الحرب أوزارها، وتعود الكتب إلى خدمة الناس.
|
|