سفينة الوعي في زمن الطوفان وعودة الشتات: المثقفون والكفاءات السودانية صناع السلام كتبه يحيى أبنعوف

سفينة الوعي في زمن الطوفان وعودة الشتات: المثقفون والكفاءات السودانية صناع السلام كتبه يحيى أبنعوف


10-10-2026, 08:02 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791658970&rn=0


Post: #1
Title: سفينة الوعي في زمن الطوفان وعودة الشتات: المثقفون والكفاءات السودانية صناع السلام كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 10-10-2026, 08:02 PM

08:02 PM October, 10 2026

سودانيز اون لاين
يحيى ابنعوف-كندا
مكتبتى
رابط مختصر






​إن الحديث عن عودة الكفاءات السودانية في صميم هذا الواقع المعمَّد باللهيب والاستبداد، يضعنا أمام امتحان وجودي قاسٍ. فالمثقف، والعقل الحر، والكفاءة الوطنية، لا يمكنهم العودة هُويّاً وجسدياً إلى بيئة تفتقر لأدنى مقومات الأمان الفكري والجسدي، حيث تسود شريعة الصراع وقبضة الإقصاء التي تغذيها عناصر الميليشيات والأنظمة الأحادية. غير أن التاريخ وتجارب الأمم المضيئة تؤكد مراراً أن الشتات، مهما اشتدت مرارته، ليس سوى محطة عابرة في سياق المواجهة والبناء، شريطة أن نحسن قراءة معادلته، مستندين إلى حقيقة مركزية مفادها: أن المثقفين السودانيين بكافة تجلياتهم — من أساتذة جامعات، وعلماء، وصحفيين، وكُتّاب، وباحثين، وأطباء، ومهندسين، وكافة الكفاءات الوطنية في الشتات والداخل — هم أقدر النخب وأجدرها بصياغة الحلول الحقيقية لوقف الحرب، وصناعة السلام، وهندسة عودة الكفاءات الكلية في مواجهة خراب الميليشيات وعسكرة الحياة.
​أولاً: واقع الشتات تحت نيران الاستبداد وعبث الميليشيات
​استهداف العقل المضيء: لا تكفّ الأنظمة الأحادية وعناصر الميليشيات المسلحة عن توجيه حوافرها نحو العقل السوداني المستنير؛ فالطغيان والهمجية يعلمان بفطريتهما أن بقاءهما مرهون بإسكات صوت النقد الذي يفضح عجز السلطة وسقوط المشروعيات، ولهذا يجد أصحاب الفكر من مفكرين، وأساتذة جامعات، وكُتّاب، وصحفيين أنفسهم مطاردين على تخوم المنافي.
​استحالة العودة التقليدية: إن المناداة بعودة فورية وعمياء في ظل بنادق مشرعة وبنى تحتية دمرتها الميليشيات — من جامعات ومستشفيات ومراكز بحثية — ليست سوى مغامرة غير محسوبة، تعرض الأرواح والذاكرة الوطنية لمخاطر الانهيار الكامل وتكريس واقع الاستعباد.
​ثانياً: استراتيجيات "العودة الذكية" وبدائل الأمل
​حين تغلق الأبواب الجسدية للعودة المباشرة، تتفتق عبقرية النجاة عن مسارات ذكية لا تقل فاعلية:
​الشبكات العابرة للحدود (تدوير المعارف): بدلاً من رهن الأمل بتوقف الحرب، يمكن تفعيل الشراكات الرقمية والعمل عن بعد. فالأكاديمي، والطبيب، والمهندس، والباحث في شتاته، يمدّ جسور خبرته ومعرفته لدعم "مناطق التعافي المؤقتة" في الداخل، ليبقى شريان الوصل نابضاً دون مغادرة مواقع أمانه المؤقت.
​الدبلوماسية المعرفية والشعبية: تحويل أشتات الصحفيين، والكُتّاب، والعلماء المنتشرين في بقاع الأرض إلى جماعات ضغط (لوبي) حقوقي وإنساني، تخاطب الضمير العالمي والبرلمانات لكشف جرائم عناصر الميليشيات وممارسات الاستبداد، وحماية المدنيين، وحراسة وعي الأجيال الناشئة من التشظي.
​صناديق الإسناد المستقلة: تأسيس أوعية مالية ومعرفية نظيفة، تدار بشفافية تامة عبر لجان مستقلة من شخصيات المهجر المشهود لها، لتخصيص الدعم للتعليم العالي المهدد، ورعاية المبدعين والعلماء العالقين في أتون الداخل، تفادياً لانطفاء سراج المعرفة.
​غرف التخطيط الاستراتيجي لمرحلة ما بعد الحرب: تشكيل "مجالس خبراء" تخصصية في المنفى يشارك فيها المهندسون، والأطباء، والاقتصاديون، والباحثون — في الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والإدارة المحلية مستلهمين الإرث الحضاري لحواضن الإنتاج والتجارة — لتصنيع أدبيات وخطط جاهزة ومتكاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتفكيك بنيوية الميليشيات فور انقشاع غمة الظلام، كي لا تبدأ الأمة من صفحة بيضاء.
​ثالثاً: المثقفون والكفاءات صناعاً للسلام الحقيقي وبناة للثقة
​إن العودة المنشودة والسلام المستدام لا يتحققان عبر تسويات فوقية هشّة تُبقي على نفوذ الميليشيات والمنتفعين من الحرب، بل يُبنيان بإرادة عقل الأمة المستنير وقادتها من أساتذة جامعات، وعلماء، وصحفيين، ومبتكرين، باعتبارهم الأقدر بحكم منهجيتهم وعلمهم على تفكيك جذور الأزمة وتقديم البدائل الموضوعية. ولهذا تتولى هذه النخب كافة دورها الجوهري عبر مسارين متكاملين:
​تفكيك الشك وبناء جسور الثقة: تبدأ صناعة السلام الحقيقي من إرساء قواعد الشفافية، والعدالة الانتقالية التي تنصف الضحايا وتحاسب عناصر الميليشيات على انتهاكاتهم، وتطهير الخطاب العام من شحنات الاستقطاب والقبلية بأقلام الصحفيين والكُتّاب، مستلهمة في ذلك قيم التعايش الأصيلة لحواضن الإنتاج والتجارة.
​السلام التنموي والمؤسسي: إنهاء دوامة الحرب يتطلب رؤية علمية وتطبيقية محترفة يشارك فيها الأطباء والمهندسون والباحثون لإعادة بناء مؤسسات الخدمة المدنية والقضاء على أسس مستقلة، وتحويل السلام إلى واقع ملموس يعيد الحياة للمستشفيات، والمدارس، ومداخل الإنتاج، لضمان بيئة آمنة ومستقرة تليق بعودة العقول المهاجرة.
​إن جذوة الأمل في استعادة السودان المدني الديمقراطي لا تشتعل بالسلاح، بل بالفكر الحر والإرادة المستنيرة لأساتذته، وعلماءه، وصحفييه، وكافة كفاءاته؛ فحماية العقل المهاجر وتضافر طاقاته مع صمود الداخل هما الملاذ الأخير لبعث الوطن من رماد المحنة، لتكون هذه النخب الوطنية الشاملة هي القاطرة التي تقود سفينة الوعي نحو بر الأمان والسلام وكنس آثار الميليشيات إلى غير رجعة.