ثقافة الاختلاف.. من أين نبدأ إصلاح الشخصية السودانية؟ كتبه كمال الهِد

ثقافة الاختلاف.. من أين نبدأ إصلاح الشخصية السودانية؟ كتبه كمال الهِد


10-10-2026, 03:05 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791641142&rn=0


Post: #1
Title: ثقافة الاختلاف.. من أين نبدأ إصلاح الشخصية السودانية؟ كتبه كمال الهِد
Author: كمال الهدي
Date: 10-10-2026, 03:05 PM

تأمُلات

ثقافة الاختلاف.. من أين نبدأ إصلاح الشخصية السودانية؟

كمال الهِدَي

السياسيون ليسوا وحدهم من يكثرون من الاختلاف، وتنعدم لديهم القدرة على التوافق حول حدٍّ أدنى تجاه القضايا الوطنية الكبرى.

فنحن، كشعب سوداني، يبدو واضحاً أننا جُبلنا على الاختلاف، وعلى التعامل مع شؤون حياتنا المختلفة وفقاً لفقه التضاد، وكأننا في منافسة دائمة مع بعضنا بعضاً.

وحتى لا نهرب من مواجهة مشكلتنا، كما نفعل عادة، تحت ذريعة أن "أكثر من ثلاثين عاماً من حكم الكيزان كانت كفيلة بإفساد الناس، وتغييب الوعي، ونشر الكراهية، إلخ"، دعوني أتناول نماذج لا علاقة لها بالسياسة، لا من قريب ولا من بعيد، حتى لا نختزل كل أزماتنا وننسبها لفترة حكم الكيزان وحدها، رغم اقتناعي بأنهم أسوأ من حكموا السودان.

فكثيراً ما تجد شخصاً ينشر أغنية لمطرب على حسابه في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، وغالباً ما تقرأ في الكابشن المرفق عبارات من قبيل: "محمد خضر بشير لما يدخل في حالة السلطنة المزاجية.. ما بنقدر"، أو "من يقترب من الحوت.. بحترق" ، أو "أخطأوا عندما غنوا مع حسين الصادق، فقد قضى عليهم". والأمثلة من هذا النوع لا تُحصى ولا تُعد.
وسؤالي هنا: أنت طربت لأغنية بصوت محمد خضر بشير، أو الحوت، أو حسين الصادق، فلماذا تحاول تصوير الأمر وكأن الاستمتاع بها لا يكتمل إلا بالنيل من مطرب آخر يؤدي الأغنية نفسها؟ لماذا لا تمنح غيرك مساحته الخاصة ليستمتع بها بصوت ذلك المطرب؟ ومن قال لك، بصفتك مستمعاً، إن هؤلاء المطربين أنفسهم يخوضون منافسة حول من يؤدي الأغنية على نحو أفضل من الآخر؟ ما المشكلة في أن تكون لكل واحد منهم طريقته الخاصة وجمهوره، من دون أن يتحول ذلك إلى صراع لا مبرر له بين معجبي المطربين المختلفين؟

وفي كرة القدم، مثلاً، تجد مشجعاً هلالياً أو مريخياً يسعد بتعاقد ناديه مع لاعبين جيدين، وبالتقدم في البطولات. لكن، للأسف، لا تكتمل سعادته إلا برؤية نده يتراجع ويعاني من مشكلات مالية وإدارية. وكلما حدثت مثل هذه المشكلات، وجدت بعض مناصري النادي الآخر يسعون بكل قوة إلى تأجيجها، ونسج القصص حولها، حتى تتفاقم أكثر. وفي كثير من الأحيان، يصبح اهتمام المشجع بمشكلات منافسه أكبر من اهتمامه بانتصارات ناديه نفسه!

ومن فرط نزوعنا إلى الاختلاف، وسعادتنا بمبدأ التضاد في كل شيء، تجد أن كثيراً من الرياضيين السودانيين المعجبين برونالدو يكرهون ميسي كراهية مفرطة، ولا يكادون يصدقون أن يروا منه ما لا يعجبهم حتى يضخموه وينسجوا حوله القصص، والعكس صحيح.

فما علاقة كل ما تقدم، بالله عليكم، بالكيزان أو الاتحاديين أو الشيوعيين أو غيرهم؟
إنها مشكلات تتعلق بسلوكنا الجمعي، وربما بما يمكن أن نسميه الشخصية السودانية. ولا أدري إن كانت أسبابها تعود إلى تربيتنا، أم إلى عوامل أخرى. المهم أن مثل هذه السلوكيات تستوجب منا وقفة جادة، ومجاهدة حقيقية للنفس من أجل التخلص منها، إذا كنا نرغب فعلاً في الخروج من أزماتنا المتلاحقة وإنقاذ ما تبقى من هذا الوطن.

والشيء المؤكد أن هذه النزعة تبدأ من داخل كل واحد منا، ثم تتسع وتتعمق عندما ننتقل إلى التعامل مع القبيلة، والمنطقة الجغرافية، والحزب السياسي، وغيرها من مكونات المجتمع. فلكي تكون قبيلتك عالية الشأن، تشعر بأن عليك أن تحط من قدر القبائل الأخرى. ولكي تستمتع بالعيش في منطقتك الجغرافية وتقتنع بها، تجد نفسك مضطراً إلى إقحامها في منافسة لا وجود لها أصلاً مع مناطق أخرى. وهكذا تتوالى مظاهر هذا السلوك في مختلف جوانب حياتنا.

أما في السياسة، فيصبح الوضع فظيعاً ومؤلماً إلى حد بعيد.

فالسودانيون، رغم نزوح معظمهم هرباً من الحرب الدائرة في البلاد، حملوا خلافاتهم ومشكلاتهم معهم إلى بلدان اللجوء. ولا يكاد يمر يوم إلا ونشاهد أو نسمع عن مشادات وعراك بالأيدي وتبادل للكمات بين سودانيين مختلفين سياسياً في البلدان التي نزحوا إليها.

كنت أجلس ذات مرة في مقهى سوداني بالعاصمة الأوغندية كمبالا، وفجأة سمعنا أصواتاً مرتفعة وجلبة شديدة في الطابق العلوي من المقهى. ورأيت صاحب المقهى يركض نحو الباب الخارجي لإغلاقه، بينما كان ينادي أحد عماله طالباً منه إغلاق الباب الخلفي.

سألت من كانوا حولي عما يجري، فقالوا لي إن مشاجرة نشبت في الطابق العلوي بين شبان ينتمي بعضهم إلى الحركات المسلحة، وآخرين يناصرون الدعم السريع. وقد أدت المشاجرة إلى تكسير بعض الكراسي والطاولات، فاتصل صاحب المقهى بالشرطة، ولهذا كانوا يغلقون الأبواب في انتظار وصول أفرادها.

وأضاف من كانوا يحدثونني أن هذا المشهد أصبح مألوفاً، وأنه يتكرر في مختلف المطاعم والمقاهي السودانية كل يومين أو ثلاثة أيام. وبالفعل، حضرت الشرطة خلال نحو ربع ساعة، واقتادت معها قرابة ثمانية من الشبان المتعاركين.

ولك أن تتخيل، عزيزي المواطن، غرابة هذا السلوك! فهؤلاء الشباب، الذين ينتمون إلى معسكرين يتحاربان داخل بلادهم، نزحوا خوفاً من الحرب، لكنهم، بدلاً من أن يعيشوا بسلام في البلدان التي لجأوا إليها، اختاروا أن ينقلوا صراعاتهم إليها، من دون أن يتوقف أحدهم لحظة ليسأل نفسه: ما دمت مقتنعاً بأن الخلافات لا تُحل إلا بالحرب، فلماذا نزحت أصلاً؟ لماذا لم أبقَ في بلادي، وأحمل سلاحي، وأقاتل إلى جانب الطرف الذي أناصره؟

وبالأمس القريب، شاهدنا الحشود التي كانت تهتف وتعنف وتسيء لأعضاء تحالف صمود في كندا رغم أن بعضهم كانوا حتى وقت قريب ضمن معسكر الثورة، وقبل ذلك شاهدنا مشادات مماثلة في الولايات المتحدة، وقبلها في لندن.

ولا أدري ما الذي نريد أن نعكسه للآخرين عن أنفسنا. هل نريد أن نقول لهم إننا شعب لا يشعر أفراده بوطنيتهم ورجولتهم إلا إذا خوّن بعضهم بعضاً، وهتفوا في وجوه بعضهم، وتعاركوا بالأيدي؟

إن الآخرين لن يحلوا لنا مشكلاتنا إذا تعاركنا أمامهم، أو حتى حطّم بعضنا رؤوس بعض. بل على العكس، ستتفاقم أزماتنا بسبب هذه التصرفات الهوجاء، وهذا التعبير المستمر عن الكراهية المتبادلة. وربما يخسر كثيرون منا على المستوى الشخصي، حين يورط أحدهم نفسه في مشكلات مع شرطة تلك البلدان، من دون أن يكسب شيئاً.

فلماذا نصر على تقديم أنفسنا للآخرين بأقبح الصور، إن لم نكن نعاني أزمة حقيقية في طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع خلافاتنا؟

إذا عجزنا عن حل خلافاتنا داخل بلدنا، فهل نتوقع أن نتمكن من حلها عبر نشر غسيلنا القذر بهذا الشكل القبيح؟

لا والله، لن تُحل خلافاتنا بهذه الطريقة، بل ستزداد تعقيداً. كما أننا سنمنح الآخرين فرصة لمواصلة توسيع الهوة بين مختلف الفصائل والمكونات السودانية، بما يتيح لهم الاستمرار في استغلال انقساماتنا ومقدرات بلادنا، لتظل بلادنا بقرة حلوباً يستفيد من خيراتها الآخرون، بينما نعيش نحن على حد الكفاف.

إن إصلاح واقعنا لا يبدأ بتغيير الآخرين، ولا بإلقاء اللوم كله على السياسيين أو الأنظمة التي حكمتنا، مهما كان حجم مسؤوليتها عما وصلنا إليه. بل يبدأ أولاً من داخلنا: من قدرتنا على تقبّل الاختلاف، واحترام الآخر، والتوقف عن استمداد سعادتنا من إخفاقاته، وإدراك أن نجاح غيرنا لا يعني بالضرورة خسارتنا.

فهل نملك الشجاعة للاعتراف بأن جزءاً من أزمتنا يبدأ منا نحن، وأن إنقاذ الوطن يستلزم، إلى جانب كل شيء آخر، أن نراجع أنفسنا ونغير الطريقة التي نتعامل بها بعضنا مع بعض؟