Post: #1
Title: وثيقة: صورة عن قرب ليوسف أرسطو ومشرُوع مسرح السودان الواحد وإضاءات كتب: ياسر فايز
Author: يوسف ارسطو
Date: 10-09-2026, 06:51 PM
06:51 PM October, 09 2026 سودانيز اون لاين يوسف ارسطو-السودان مكتبتى رابط مختصر
وثيقة: صورة عن قرب ليوسف أرسطو ومشرُوع مسرح السودان الواحد وإضاءات كتب: ياسر فايز (نُشرت هذه المادة بصحيفة "الوطن" عام 2008م و"السوداني" عام 2010م) أربعةٌ وعشرون عرضًا مسرحيًا وسبعٌ وستون ورقةً علميةً متخصصةً في المسرح هي نتاج جماعة "مسرح السودان الواحد" خلال خمسة أعوام منذ تأسيسها في سبتمبر 2004م عبر ورشة في المركز الثقافي الفرنسي لاستكشاف مزايا وإمكانات توظيف الرقص والتمثيل الصامت في الأداء المسرحي؛ وذلك بهدف إثراء عناصر العرض المسرحي، إذ عُضّدت بورقة حول (أثر الموسيقى على الأداء التمثيلي والمتلقي) في إطار مشروع الجماعة المسمى بـ (ورش إعادة تأسيس الدراما السودانية)، والذي يهدف إلى معالجة قضايا الدراما السودانية في جانبيها النظري والتطبيقي. لذا، فإن الجماعة توقفت عن العروض منذ تسعة أشهر وبدأت بتقييم تجربتها السابقة، وذلك بتقديم رئيس الجماعة يوسف أحمد عبد الباقي (أرسطو) ورقةً حول بناء العضوية والجماعة، تلتها ورقة حول "ضرورة الوجود وإعادة التموضع: الجماعة نموذجًا" قدمها الهادي الشوّاف، وأخرى حول "غياب المؤسسة وحضور الفرد" قدمها الأستاذ المخرج عثمان مضوي. وتوصلت الجماعة إلى خلاصات من هذه الأوراق مفادها أن إحدى إشكاليات الحركة المسرحية في السودان هي غياب الفرق والجماعات المسرحية؛ فمنذ البواكير كان عددها بسيطًا وهي أقرب للشللية من كونها جماعة مسرحية تلتف حول فكرة، وهذه الظاهرة ما زالت مستمرة حتى الآن؛ فلا توجد فرقة أو جماعة مسرحية سودانية بمعناها وشكلها العلمي (بما فيها جماعتنا) كما يقر رئيس الجماعة. والسبب الرئيسي في ذلك هو "القصور في بناء العضوية فكريًا" وإلى حد ما فنياً، فالجماعات المسرحية تعاني الأبوية إذ إنها فكرة شخص أكثر من كونها فكرة جماعة حتى في الجانب الإداري؛ فهناك غياب للمشاركة أي غياب لمفهوم العضوية، وبالتالي غياب للجماعة ذاتها، حتى التمويل يتم من قبل أشخاص ومؤسسات بعينها ولا توجد خطط لاستجلاب أو بناء مصادر دعم. وفي محاولتها للخروج من هذا المأزق، تُطوّر الجماعة تمارين المسرح وتدرس مختلف التيارات الفكرية في العالم العربي والإسلامي مثل المعتزلة، وكتابات ابن رشد وابن عربي والحلاج، وأمهات الكتب مثل (البيان والتبيين) و(الأغاني) و(مقدمة ابن خلدون)، وكتابات المفكرين مثل إدوارد سعيد ومحمد عابد الجابري، ومنهم المفكرون السودانيون مثل الدكتور حيدر إبراهيم، والدكتور بكري محمد خليل، والسيد الصادق المهدي، وعبد الخالق محجوب، ومحمود محمد طه، والدكتور حسن الترابي، وفرانسيس دينق وغيرهم. وهذه القراءات تنطلق من رؤية جوهرها أن ما يُدرّس في كليات الفنون والدراما -رغم ثرائه الأكاديمي- منسوبٌ للغرب ومعزولٌ عن الوجدان السوداني، وهذا سر عدم نجاح الدرامي السوداني في الاستمرار. لذا تتفق الجماعة مع رأي الأستاذ يحيى فضل الله بأن المنهج الذي لا يُدرّس الفاضل سعيد وعثمان حميدة (تور الجر) باعتبارهما تجارب ناجحة ويكتفي بتدريس شكسبير وبريخت اللذين لا إمكانية لملامستهما الحية، فهو منهج متغرب عن واقعه. وفي دراساتنا تبلورت ملامح واضحة لفكرة السودان الواحد الذي هو "سودان ثقافي"، ونقصد بذلك تجاوز نموذج الثقافة السودانية حدود السودان الجغرافية المعروفة إلى شرق وغرب إفريقيا عبر تأثير الثقافة السودانية وتأثرها بها؛ مما يعني تلاقح وتمازج الثقافة العربية والإسلامية مع الثقافات والأديان والتقاليد الموجودة في هذه المنطقة. فأغنية (المرسال) للفنان والمبدع محمد وردي غناها النيجيريون، وموسيقى النيل الأزرق هي ذاتها موسيقى غرب إفريقيا، والمعروف أن الأغاني السودانية -بما فيها أغاني أقصى الشمال الجغرافي- مُغنّاة ومسموعة في إثيوبيا والصومال وإريتريا وتشاد، فهم يشعرون بأنها من وجدانهم. لذلك، إن طال الزمن أم قصر سَيُوحِّدُ السودانُ الثقافي الشعوبَ وسيكون له مركز واحد، ولا يشكل فرقًا إن كان ذلك المركز داخل حدود السودان الجغرافي أو خارجه، حيث إننا نفهم الثقافة العربية بأنها كل ما استوعبته الثقافة العربية بعد فتح مكة وأعادت إنتاجه، وهذا لا يلغي انتماء المسيحي إلى الثقافة العربية؛ فهي لا تقصي ولا تهمش لأنها لا تقوم على أساس عرقي بل على أساس وحدة المصير والتاريخ والمصالح المشتركة، فالانتفاضة الفلسطينية التي اشتعلت في المسجد الأقصى كانت إحدى تداعياتها محاصرة كنيسة المهد. وإلى جانب هذه الرؤية الفكرية، تبحث الجماعة فنياً في غاية التمثيل ووسائل هذه الغاية؛ فأي ممثل إذا لم يسأل نفسه سؤالاً أساسياً هو: (لماذا يريد أن يمثل؟) سيتوه في تجربته المسرحية التي ستكون فطيرة لأنها عشوائية في محدداتها. وجماعة مسرح السودان تشتغل على المضمون وتبحث عن أشكال تلائم ذلك المضمون؛ فهي على المستوى الفكري تيار واحد، أما على مستوى الشكل فمن المتوقع أن تتعدد، بمعنى أن أي مبدع يعبر أنّى شاء كما ذكر الأستاذ يوسف عيدابي في كتابه (مسرح لعموم أهل السودان)، ويحدث الأمر شريطة أن ينهل الشكل المتوقع من الماضي ويقف على الحاضر ويستشرف المستقبل. ( انتهي مقال يأسر فايز ) شروحات:- يُعد ما كتبه الأستاذ ياسر فايز وثيقةً توثيقيةً ونقديةً مهمةً لمرحلة مفصلية من تجربة (جماعة مسرح السودان الواحد). فيما يلي إضاءات وشروحات تفكك المضامين الفكرية والفنية الواردة في هذا النص: أولاً: الإنتاج (حصاد 5 سنوات) المراكمة والإنتاج: المادة تشير إلى حجم جاد من العمل خلال الفترة (سبتمبر 2004 - 2009/2010) بإنتاج 24 عرضًا مسرحيًا و67 ورقةً علمية، والمقصود 67 تجربة وليس عرضا مما يوضح أن الجماعة لم تكن مجرد فرقة لتقديم العروض، بل كانت مشروعًا بحثيًا ومختبرًا مسرحيًا يزاوج بين النظري والتطبيقي. البداية والمنطلق: الانطلاقة من ورشة بالمركز الثقافي الفرنسي بالتركيز على «الرقص والتمثيل الصامت (البانتومايم)» وموسيقى العرض، تعكس محاولة لتجاوز "المسرح المعتمد على النص الملفوظ/الكلامي" نحو "مسرح الجسد والصورة"، وهو ما يتناسب مع التنوع الثقافي السوداني الذي يتجاوز حاجز اللغة واللسان. ثانيًا: النقد الذاتي وتشخيص أزمة "الجماعات المسرحية" قدمت الجماعة -عبر أوراق تقييمية (بمشاركة الهادي الشواف والمخرج عثمان مضوي ويوسف أرسطو)- نقداً شجاعاً وشفافاً لهشاشة العضوية، وأزمة الشللية والتكتلات: الغياب العلمي: غياب المفهوم الحقيقي للفرق المسرحية المنظمة علميًا، والاستعاضة عنها بالتكتلات الاجتماعية أو "الشللية". القصور الفكري والأبوية: التذكير بأن الفرق المسرحية السودانية غالبًا ما تتأسس حول شخص واحد (الأبوية) وليس حول "فكرة جماعية"، مما يؤدي لغياب المشاركة الإدارية والفكرية الحقيقية وتداعي الجماعة بمجرد غياب الفرد. أزمة التمويل والرعاية: الاعتماد على العشوائية والدعم الفردي أو الجهوي لغياب الخطط الاستثمارية والإستراتيجيات للتمويل الذاتي. ثالثًا: المرجعية الفكرية ومنهج "إعادة تأسيس الدراما" لتجاوز هذه الأزمات، اتجهت الجماعة إلى محاولة تأصيل المعرفة الدرامية من خلال: نقد الاكتفاء بتدريس شكسبير وبريخت في كليات الفنون والدراما على حساب التجارب المحلية الناجحة (مثل الفاضل سعيد وعثمان حميدة "تور الجر")؛ لأن المنهج الغربي معزول عن الوجدان الشعبي المحلي (كما أشار الأستاذ يحيى فضل الله). الانفتاح الفلسفي والمعرفي: لجوء الجماعة لقراءة المعتزلة، وابن رشد، وابن عربي، والحلاج، وكتب التراث (مقدمة ابن خلدون، الأغاني، البيان والتبيين)، وصولاً للمفكرين المعاصرين (إدوارد سعيد، الجابري، حيدر إبراهيم، محمود محمد طه، الصادق المهدي، الترابي، فرانسيس دينق.. إلخ) يوضح أن الجماعة ترى أن الممثل والمخرج بحاجة لتأسيس فكري وثقافي عميق قبل الاشتغال على المسرح. رابعًا: المفهوم الفلسفي لـ «السودان الثقافي الواحد» أبرز ما يطرحه النص هو التفريق بين "السودان الجغرافي" و"السودان الثقافي": عابر للحدود السياسية: الثقافة السودانية (موسيقى، غناء، إيقاع) ممتدة وتؤثر وتتأثر بإقليم شرق وغرب إفريقيا (إثيوبيا، إريتريا، الصومال، تشاد، نيجيريا). ضرب النص مثلاً بأغنية «المرسال» لمحمد وردي وترديدها في نيجيريا، وموسيقى النيل الأزرق وتماسها مع الغرب الإفريقي. التعدد والاستيعاب لا الإقصاء: مفهوم "الثقافة العربية والإسلامية" هنا يُفهم بعمق استيعابي وتاريخي مرن يتشابك مع التقاليد والأديان الإفريقية، ولا يستثني المكون المسيحي أو الإثني، بل يقوم على وحدة المصير والتاريخ والمصالح المشتركة. خامسًا: الرؤية سؤال الغاية: التركيز على سؤال الممثل الأساسي: «لماذا أريد أن أمثل؟»؛ إيمانًا بأن الإجابة عن هذا السؤال هي ما يمنح العرض عمقًا ويمنع العشوائية والسطحية. الوحدة في المضمون والتعدد في الشكل: التوافق الفكري داخل الجماعة لا يعني فرض قالب شكلي واحد، بل إتاحة الفرصة لكل مبدع لابتكار شكله الخاص (استنادًا لرؤية د. يوسف عيدابي في "مسرح لعموم أهل السودان")، بشرط أن يكون هذا الشكل متجذراً في الماضي، متماساً مع الحاضر، ومستشرفاً للمستقبل. خلاصة مقال ياسر فايز: نرى أن المقال يوثّق لرؤية جماعة مسرح السودان الواحد التجديدية الجريئة، لأنها حاولت وما زالت تحاول النفاذ إلى عمق أزمة المسرح والدراما السودانية، عبر الانتقال من مجرد "تقديم العروض" إلى "إعادة التأسيس الفكري والمنهجي"، واقتراح مفهوم ثقافي واسع يجمع بين التنوع السوداني والامتداد الإفريقي-العربي. يوسف ارسطو
|
|