الحسم شرط للسلام في السودان من دروس التاريخ إلى مسؤولية بناء دولة واحدة عادلة كتبه احمد التيجاني سي

الحسم شرط للسلام في السودان من دروس التاريخ إلى مسؤولية بناء دولة واحدة عادلة كتبه احمد التيجاني سي


10-09-2026, 11:16 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791541014&rn=0


Post: #1
Title: الحسم شرط للسلام في السودان من دروس التاريخ إلى مسؤولية بناء دولة واحدة عادلة كتبه احمد التيجاني سي
Author: احمد التيجاني سيد احمد
Date: 10-09-2026, 11:16 AM

11:16 AM October, 09 2026

سودانيز اون لاين
احمد التيجاني سيد احمد-ايطاليا
مكتبتى
رابط مختصر




A9DA358E-54EB-458E-A828-FF21A7870D3D.png

د. أحمد التيجاني سيد أحمد
عضو قيادي مؤسس في تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»
روما، إيطاليا — ٩ أكتوبر ٢٠٢٦

مدخل
كثيرًا ما يُقال إن الحرب لا تصنع السلام. وهذا صحيح إذا كان المقصود أن القتال وحده يكفي لإقامة دولة عادلة ومستقرة. لكن التاريخ يقدم صورة أكثر تعقيدًا: حروب أنهت صراعًا على شكل الدولة، أو أسقطت نظامًا قائمًا على الظلم، وفتحت الطريق أمام تسويات جديدة. لم يكن النصر العسكري سلامًا بحد ذاته، لكنه حسم أحيانًا سؤالًا ظل يؤجج الصراع، وخلق شروطًا لم تكن متاحة قبله.
منذ نشوء الدول والإمبراطوريات، ارتبطت الحروب بتغيير موازين القوة ورسم حدود جديدة. لكن نتائجها لم تكن واحدة؛ فمنها ما أوقف دورة من الصراع، ومنها ما زرع أسباب حرب أخرى. والفرق غالبًا ما كان فيما يأتي بعد توقف القتال: هل تُبنى قواعد عادلة تعترف بحقوق الناس وتضمن مشاركتهم، أم يُفرض انتصار مؤقت يعيد إنتاج الإقصاء؟
من الثورة الفرنسية إلى تسوية أوروبا
أعقبت الثورة الفرنسية والحروب النابليونية سنوات طويلة من الاضطراب. ثم جاءت تسوية مؤتمر فيينا عام ١٨١٥ لإعادة ترتيب العلاقات بين القوى الأوروبية. لم يكن ذلك سلامًا كاملًا، ولم يقم على المساواة بين الشعوب، لكنه وضع توازنًا سياسيًا استمر أثره عقودًا طويلة. انتهت مرحلة من الصراع بفعل الحسم العسكري، ثم ساعد التفاوض على تثبيت نظام جديد. [١]
والدرس هنا أن الحرب لم تصنع السلام وحدها؛ فقد أنهت صراعًا على شكل النظام، ثم جاءت التسوية لترسم قواعد المرحلة التالية.
الحرب الأهلية الأمريكية حسم الانفصال وإلغاء العبودية
اندلعت الحرب الأهلية الأمريكية حول انفصال الولايات الجنوبية، لكنها تحولت خلال مسارها إلى مواجهة مع مؤسسة العبودية. وبعد انتصار الاتحاد، أُقر التعديل الثالث عشر للدستور فألغى العبودية، ثم أقر التعديل الرابع عشر مبدأ المواطنة المتساوية، وأكد التعديل الخامس عشر حقوق التصويت بصرف النظر عن العرق. [٢]
حسمت الحرب مسألة انفصال البلاد، وفتحت الباب أمام تغيير دستوري واجتماعي كبير. لكنها لم تُنهِ التمييز العنصري، ولم تحقق المساواة كاملة؛ فقد ظلت مرحلة إعادة البناء مضطربة، وتراجعت حقوق السود بعد سنوات من الحرب. وهذا يذكّرنا بأن إسقاط نظام جائر لا يكفي: فالعدالة تحتاج إلى قوانين نافذة ومؤسسات تحمي الحقوق وإرادة سياسية لا تتراجع أمام المقاومة.
تجارب أفريقية نضال أعاد تأسيس الدولة ومصالحة لم تكتمل
وتقدم أفريقيا تجارب قريبة من أسئلتنا. ففي جنوب أفريقيا، لم يكن المسار حربًا أهلية بالمعنى التقليدي، بل نضالًا طويلًا ضد نظام الفصل العنصري، شمل المقاومة السياسية والمسلحة، وانتهى بتسوية تفاوضية وانتخابات ديمقراطية عام ١٩٩٤. ثم أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة لتوثيق الانتهاكات وفتح طريق للمواجهة مع الماضي. وقد أرست التجربة قواعد دستورية جديدة، مع أن آثار التمييز والفوارق الاقتصادية والاجتماعية لم تختفِ، وظلت المصالحة مهمة غير مكتملة. [٣]
وفي أوغندا، قادت حرب الأعوام ١٩٨١–١٩٨٦ إلى وصول الحركة الوطنية للمقاومة إلى الحكم، حاملة برنامجًا وعد بمعالجة المظالم وإعادة البلاد إلى مسار الدولة. وأسهم ذلك في إنهاء مرحلة من الاضطراب وإعادة بناء مؤسسات الدولة. لكن التجربة تذكّرنا أيضًا بأن الانتصار الذي يؤسس سلطة جديدة لا يعفيها من واجب توسيع المشاركة السياسية وصيانة الحريات؛ فاستقرار الدولة لا يكتمل بمجرد توقف الحرب. [٤]
أما رواندا، فقد خرجت من حرب أهلية وإبادة جماعية خلّفت جراحًا لا تقاس بحجم الدمار وحده. وبعد وقف الإبادة عام ١٩٩٤، واجهت الدولة الجديدة مهمة شاقة: إعادة المؤسسات، ومعالجة آثار العنف، وإعادة اللاجئين والنازحين، وإطلاق مسارات للمحاسبة والمصالحة. وقد بدأت جهود إعادة البناء والوحدة الوطنية وسط ظروف بالغة القسوة، لكن الأمن وإعادة بناء الدولة لا يعنيان وحدهما اكتمال المصالحة أو شفاء المجتمع؛ فالعدالة والثقة والمشاركة تظل ضرورية. [٥]
وتلتقي هذه التجارب، على اختلافها، عند درس واحد: قد يضع النضال أو الحسم حدًا لنظام يكرّس الظلم، ويفتح الطريق لبناء الدولة، لكنه لا يضمن نجاحها. فالأسس الراسخة تنشأ حين تُترجم لحظة التغيير إلى دستور ومؤسسات ومصالحة ومشاركة سياسية ومحاسبة.
الحربان العالميتان حين أخفقت التسوية ونجحت إعادة البناء
لم تُرسّخ الحرب العالمية الأولى سلامًا مستقرًا. فالتسوية التي أعقبتها لم تنشئ نظامًا قادرًا على احتواء الأزمات، كما أخفقت عصبة الأمم في منع اندلاع حرب عالمية جديدة. لذلك لم تكن نهاية القتال عام ١٩١٨ نهاية لأسباب الصراع، بل بقيت اختلالات وتسويات غير مستقرة مهدت لمواجهات لاحقة. [٦]
أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد اتسع التفكير في السلام ليشمل إعادة بناء الدول والاقتصادات وإقامة مؤسسات للتعاون والأمن. أُنشئت الأمم المتحدة، وبدأت برامج إعادة إعمار أوروبا، ومن بينها خطة مارشال. وقد ساعدت هذه الجهود على تثبيت الاستقرار في دول أنهكتها الحرب، مع أن العالم دخل لاحقًا مرحلة الحرب الباردة والانقسام. [٧]
وتوضح التجربتان أن وقف إطلاق النار لا يكفي. فالسلام يحتاج إلى تسوية عادلة، وإعادة بناء، ومؤسسات تمنع العودة إلى الحرب، ومعالجة الأسباب التي صنعتها.
السودان ما الذي حسمته الحرب
لا يمكن قراءة الحرب في السودان بمعزل عن تاريخ طويل من احتكار السلطة، وتهميش الأقاليم، وتسخير مؤسسات الدولة لمصلحة جماعات بعينها. لذلك فإن العودة إلى ما قبل الحرب، أو إعادة تدوير القوى التي أشعلت الأزمات، لن تكون سلامًا؛ ستكون هدنة تُبقي أسباب الانفجار قائمة.
وفي تقديري، من أبرز ما غيّرته هذه الحرب أنها أفشلت مشروع عودة الإسلاميين إلى الحكم، وكسرت الاعتقاد بأن منظومة الاستبداد تستطيع العودة إلى مؤسسات الدولة بعد كل انتفاضة، مستندة إلى السلاح والتنظيم والمال. لقد كشفت الحرب أن الصراع ليس على مقاعد السلطة وحدها، بل على طبيعة الدولة السودانية: أهي دولة مواطنة ودستور وتعدد، أم دولة تحتكرها جماعة وتقهر بقية السودانيين؟
وفي هذا السياق، برز الدعم السريع طرفًا مؤثرًا في ميدان الصراع، ودخل في تحالف مع دعاة السلام من المدنيين، ومع حركات مسلحة وقّعت اتفاق جوبا، إلى جانب قوى أخرى ترى أن إنهاء الحرب لا يتحقق بإعادة إنتاج النظام القديم. وقد أتاح ذلك فرصة لجمع قوى مسلحة ومدنية حول مشروع سياسي يتصدى للتهميش ويفتح طريقًا نحو تسوية جديدة.
القيادة والسلام ووحدة السودان
لكن تغيير موازين القوة لا يكفي وحده. فبلوغ السلام يحتاج إلى قادة يؤمنون به وبالعدالة، ويجعلونها أساسًا للتسوية لا شعارًا لها. ويحتاج السودان إلى قيادة تدرك أن وحدة البلاد لا تُفرض بالقوة ولا تُصان بإنكار المظالم، بل تُبنى برفع التهميش، ورد الحقوق، وإقامة دولة مواطنة متساوية، يحتكم فيها الجميع إلى دستور عادل.
ويقاوم القائدان، حميدتي وحمدوك، طموحات الداعين إلى تقسيم السودان، كل من موقعه السياسي، ويؤكدان أهمية بقاء البلاد موحدة. وفي تقديرنا، فإن الوحدة التي تستحق الدفاع عنها هي وحدة سلمية وعادلة، تقوم على الاعتراف بالتنوع، وإنهاء المظالم، وإشراك جميع الأقاليم والقوى في إدارة الدولة.
ومن عناصر القوة في مشروع التغيير تكامل الأدوار بين قيادات تمتلك رصيدًا مختلفًا لدى السودانيين. فقد أظهر حميدتي قدرة على قيادة قوة عسكرية مؤثرة، ومخاطبة قضايا التهميش، واستقطاب قوى من الأطراف والحركات المسلحة. وفي المقابل، مثّل حمدوك صوتًا مدنيًا ذا قبول لدى قطاعات واسعة، لما ارتبط به من طرح الانتقال الديمقراطي وبناء مؤسسات الدولة، وقدرته على مخاطبة القوى المدنية والمجتمع الدولي. وتكمن أهمية هذا التكامل في الجمع بين القدرة على تغيير ميزان القوة والقدرة على تقديم أفق سياسي مدني.
كما أن قوة تحالف «تأسيس» لا تقوم على قياداته وحدها، بل على قدرته على جمع المدنيين والحركات المسلحة والقوى التي عانت من الإقصاء، حول مشروع يضمن سودانًا واحدًا، سلميًا وعادلًا. أما مشروع «صمود» فيستند إلى فكرة القيادة الموحدة، وإلى حشد التأييد الخارجي للقضية السودانية. وعلى اختلاف المسارات والأدوات، فإن كليهما قادر على الإسهام في بناء جبهة سياسية تواجه الحركة الإسلامية ومشروع عودتها إلى الحكم، وتعمل على تفكيك نفوذها السياسي والتنظيمي، لا على الانتقام من أفرادها أو استهدافهم خارج القانون.
ولا تُقاس قيمة هذه التحالفات بقدرتها على كسب المؤيدين وحدهم، بل بقدرتها على إقناع المتشككين بأن التغيير لن يقود إلى استبداد جديد أو إلى تفكك البلاد. ويتطلب ذلك برنامجًا واضحًا: دستورًا انتقاليًا، وعدالة انتقالية، وتقاسمًا منصفًا للسلطة والثروة، وضمانات للحقوق، ومؤسسات لا تخضع لحزب أو جماعة أو قائد.
الحسم مسؤولية ما بعد الحرب
الحسم الذي يحتاجه السودان ليس مجرد انتصار طرف على طرف، ولا تصفية حسابات، ولا إخضاع مجتمع بقوة السلاح. إنه حسم سياسي وتاريخي يضع حدًا لمشروع حكم الإقصاء، ويمنع عودة الإسلاميين إلى السيطرة على الدولة، ويفتح الباب أمام انتقال مدني تشارك فيه القوى المؤمنة بالتعدد والمواطنة.
لكن المسؤولية الأصعب تبدأ بعد الحسم: تحويل ميزان القوة إلى اتفاق سياسي، وإعادة بناء المؤسسات، وضمان عودة النازحين، وتحقيق العدالة، وإقامة جيش وطني واحد يخضع للسلطة المدنية والدستور. فالسلاح الذي يفتح طريق التغيير لا يجوز أن يتحول إلى بديل دائم عن السياسة.
الحرب لا تصنع السلام تلقائيًا، والنصر لا يمنح أحدًا تفويضًا مفتوحًا. لكن حين يكون الصراع على بقاء الاستبداد أو قيام دولة المواطنة، قد يصبح الحسم ضرورة لفتح الطريق. والامتحان الحقيقي هو ما يفعله القادة والقوى المنتصرة بعد ذلك: هل يضعون السلاح تحت حكم القانون، ويقبلون بالشراكة، ويعيدون الدولة إلى شعبها؟ أم يعيدون إنتاج أسباب الحرب في صورة جديدة؟
ذلك هو الامتحان السوداني: أن تنتهي الحرب لا بعودة أسبابها، بل بقيام دولة لا يحتاج السودانيون فيها إلى حرب جديدة كي يُسمع صوتهم.
مراجع تاريخية مختارة
١. المستشارية الاتحادية النمساوية، مؤتمر فيينا ١٨١٤–١٨١٥.
٢. الأرشيف الوطني الأمريكي، التعديلات الدستورية الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر ووثائق إعادة البناء بعد الحرب الأهلية.
٣. رئاسة جنوب أفريقيا، السياق السياسي والانتقال الدستوري؛ ولجنة الحقيقة والمصالحة، وزارة العدل والتنمية الدستورية.
٤. برلمان أوغندا، تاريخ البرلمان؛ ومكتبة الكونغرس، دراسة أوغندا: الخلفية التاريخية والحرب ١٩٨١–١٩٨٦.
٥. الأمم المتحدة، الخلفية التاريخية للإبادة الجماعية في رواندا؛ بعثة الأمم المتحدة لمساعدة رواندا؛ ومتحف ذكرى الهولوكوست الأمريكي، الوحدة والمصالحة والعدالة.
٦. الأرشيف الوطني الأمريكي، ميثاق الأمم المتحدة؛ ومكتب المؤرخ بوزارة الخارجية الأمريكية، تسويات السلام بعد الحرب العالمية الأولى.
٧. الأرشيف الوطني الأمريكي، خطة مارشال؛ وحلف شمال الأطلسي، لمحة تاريخية عن النشأة والأمن الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية.