الغواصات من أبناء الهامش كتبه ​الطيب الزين

الغواصات من أبناء الهامش كتبه ​الطيب الزين


10-08-2026, 11:12 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791454355&rn=0


Post: #1
Title: الغواصات من أبناء الهامش كتبه ​الطيب الزين
Author: الطيب الزين
Date: 10-08-2026, 11:12 AM

11:12 AM October, 08 2026

سودانيز اون لاين
الطيب الزين-السويد
مكتبتى
رابط مختصر



**

مقال رقم (2)
إضاءات ثقافية

نحن نمر اليوم بمرحلة حساسة واستثنائية، فهذه حرب مفروضة على ضحايا التهميش الممنهج بكل مكوناتهم. وفي مثل هذه اللحظات الدقيقة، لا يملك من يحب هذا الوطن إلا أن يوجه بوصلة نظره نحو ما يجمعنا، لا ما يفرقنا، وأن يركز على الإيجابيات ويبني عليها، فهي رصيدنا الحقيقي في وجه العاصفة.

ما يقوده الفريق محمد حمدان دقلو هو، في تقديري، ثورة مكتملة الأركان، لذلك جمعت كثيراً من الشرفاء والأحرار من أبناء وبنات السودان؛ لأن الخطر الذي يشكله أعداء الحرية لا يستهدف القائد في شخصه فحسب، بل يستهدف المشروع الذي يرفض حكم الاستبداد والفساد والظلم. وهذه قضية تهم جميع السودانيين والسودانيات.

هناك سيناريوهات عديدة يستخدمها خصوم الثورة، منها إثارة النعرات القبلية أو الجهوية أو المناطقية. لذلك لا بد من الانتباه والحذر، والابتعاد عن الانسياق وراء مثل هذه المخططات.

وأي تجربة إنسانية لا تخلو من أخطاء، لذلك يجب أن يكون هدفنا هو البناء، وليس الهدم، والتصحيح، وليس التشفي، والنقد الذي يقوي التجربة، بدلاً من الخطاب الذي يزرع الإحباط والانقسام.

وهناك من يرى أن الصراع تحركه أيضاً مصالح إقليمية ودولية، وأطماع مرتبطة بثروات السودان. ومهما يكن حجم هذه التدخلات، فإن التعامل معها ينبغي أن يقوم على الوعي السياسي والحقائق والأدلة، لا على الشائعات والاتهامات غير المؤسسة.

الغواصات من أبناء الهامش

هناك نوعان أساسيان ممن أسميهم «الغواصات» من أبناء الهامش:

النوع الأول هم الظاهرون الواقفون مع جماعة بورتسودان. وهؤلاء معروفون بمواقفهم المعلنة، ويمكن تقييمهم من خلال خطابهم وأفعالهم.

والنوع الآخر هو «الفلنقاي المتصل»، الذي يتحرك داخل المساحة المؤيدة للقضية، وقد يقوم بأدوار يراها البعض أكثر تأثيراً، مثل نقل المعلومات أو بث خطاب التشكيك والإحباط.

وفي وسط هؤلاء يبرز خطاب آخر يركز، بصورة مستمرة، على ضخ الطاقة السلبية وتوجيه النقد الهدام تحت لافتة «الحرص على القضية».

وقد يؤثر هذا النوع من الخطاب على بعض الناس، ومع الأيام يتحول المتأثرون به إلى حالة من السلبية وفقدان الثقة. ولذلك يصبح مهماً التفريق بين النقد المشروع، الذي يصحح الأخطاء ويدفع المشروع إلى الأمام، وبين الخطاب الذي لا يقدم سوى الإحباط والتشكيك.

الفلنقاي المتصل
إذا كان «الفلنقاي المنفصل» واضح الموقف والاصطفاف، فإن «الفلنقاي المتصل»، في تقديري، أكثر خطورة، لأنه يتحرك من داخل المساحة التي يفترض أنها حاضنة للقضية، ويبث خطاباً يؤدي إلى التشكيك في صدق قيادة الدعم السريع وتحالف تأسيس، وفي جدوى المشروع الذي يطرحانه.
وخطورة هذا الخطاب لا تكمن في النقد في حد ذاته، فالنقد ضرورة لأي مشروع سياسي، وإنما في تحويل النقد إلى حالة مستمرة من الإحباط والتشكيك وهدم الثقة.
وفي ظروف الحرب، يمكن للخطاب المحبط أن ينعكس سلباً على الروح المعنوية للمقاتلين والمؤيدين. ولهذا أرى ضرورة التعامل بوعي مع مثل هذه الخطابات، واستخلاص الدروس من التطورات الميدانية، بما فيها ما جرى في المزروب، من دون تحويل الاختلاف السياسي إلى تخوين أو اتهامات بلا دليل.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع هو أن يتحول التشكيك من نقد أخطاء بعض الأشخاص إلى رفض شامل للقيادة وللمشروع نفسه. وهنا يجب أن نكون أكثر وعياً؛ لأن النقد الذي نفتقده ليس النقد الذي يصمت أمام الأخطاء، وإنما النقد الذي يكشف الخطأ، ويقترح طريقاً لتصحيحه، ويحافظ، في الوقت نفسه، على وحدة القضية.
وفي مراحل مختلفة من الحرب، انتشرت شائعات وادعاءات حول مصير قائد قوات الدعم السريع، الفريق محمد حمدان دقلو، واستخدمت تلك الروايات في الصراع الإعلامي والمعنوي. وهذا يؤكد أهمية عدم بناء المواقف السياسية على الإشاعات، بل على المعلومات التي يمكن التحقق منها.
إن الاتهامات غير المؤسسة لا تساعد أي قضية، بل تضعف مصداقية من يطلقها. ومن يصل إلى مراحل متقدمة في التعليم والمعرفة يفترض أن يكون أكثر التزاماً بالمعايير الأخلاقية، وأن يناقش الفكرة بالحجة والدليل، بعيداً عن التجريح الشخصي.
لذلك، فإن رسالتي لكل من يشارك في هذا النقاش واضحة: نحن بحاجة إلى يقظة سياسية وفكرية، ولكننا، في الوقت نفسه، بحاجة إلى عدم تحويل الاختلاف إلى تخوين، أو النقد إلى تصفية حسابات شخصية.
لا مهادنة مع الأفكار والممارسات التي تعيد إنتاج الظلم والاستبداد، ولا تنازل عن حقنا في الحوار والنقد والتصحيح.
وسينتصر الحق ودعاته متى ما امتلكوا الوعي والإرادة والقدرة على مراجعة أخطائهم.

النقد البناء في مقابل النقد الهدام
النقد البناء يستخدم أساليب علمية، بينما النقد الهدام يقوم على السب والتجريح الشخصي.
النقد البناء يقدم نقداً متخصصاً قائماً على المعرفة والدراية، بينما النقد الهدام يخوض في أفكار لا يلم بها صاحب النقد، ويتحدث في غير مجال معرفته.

النقد البناء يحرص على النصح والإصلاح، بينما النقد الهدام يتعمد التشهير بالأشخاص.

النقد البناء هدفه الوصول إلى الحقيقة وتحسين الأوضاع، بينما النقد الهدام ينشغل بكسب الموقف وإثبات الانتصار على الطرف الآخر.

النقد البناء يؤكد إيجابيات الفكرة، ثم يوضح سلبياتها، بينما النقد الهدام لا يرى في الفكرة إلا جانبها السلبي.

النقد البناء يدرك أن رأيه يمكن أن يؤخذ به أو يعارض، بينما النقد الهدام يتعامل مع رأيه باعتباره حكماً نهائياً غير قابل للنقاش.

النقد البناء يرحب بالآراء المختلفة ويناقشها، بينما النقد الهدام لا يكون مستعداً لسماع رد صاحب الفكرة.

النقد البناء له موقف موحد من الفكرة، بغض النظر عن صاحبها، بينما النقد الهدام يغير معاييره بحسب الأشخاص ومواقعهم.

النقد البناء يركز على الفكرة محل النقاش، بينما النقد الهدام يوسع دائرة الهجوم إلى موضوعات أخرى لا صلة لها بالقضية الأساسية.

النقد البناء يحاول تقديم البدائل والحلول، بينما النقد الهدام يكتفي برصد السلبيات.

النقد البناء يعتبر النقد مرحلة من مراحل العمل والإنجاز، بينما النقد الهدام يقف عند النقد ولا يتجاوزه.

النقد البناء يفصل بين الفكرة وغيرها من الأفكار التي لا علاقة لها بالموضوع، بينما النقد الهدام يكرر القضية نفسها في أماكن وأوقات وسياقات لا علاقة لها بها.

والنقد البناء يستطيع الاعتراف بالأفكار الإيجابية للشخص نفسه الذي سبق أن وجه إليه النقد، بينما النقد الهدام يؤدي بصاحبه، أحياناً، إلى رفض كل ما يصدر عن الشخص لمجرد الاختلاف معه.

متى يكون النقد مرفوضاً؟

يكون النقد مرفوضاً:

- عندما يتجاوز حدود الأدب، وتتحول ألفاظه إلى تجريح للشخص أو لأسرته، بدلاً من مناقشة فكرته أو مشروعه.
- عندما يوجه بأسلوب غاضب يهدر كرامة الإنسان ويمتهنها.
- عندما يستخدم التشهير بديلاً للحجة والدليل.
- عندما يكون في غير موضعه، ولا يخدم القضية محل النقاش.
- عندما يتحول من محاولة للتصحيح إلى خصومة شخصية مستمرة.
- وعندما يرفض صاحبه الحوار أو تقديم البدائل والحلول.

كلمة حق
أكتب هذه المقالات ليس بتوجيه من أحد، ولا مقابل أجر تدفعه أية جهة، لا مؤسسة الدعم السريع، ولا تحالف تأسيس. وإنما هو موقف مبدئي التزمت به منذ أن انخرطت في مسيرة النضال، وأعتز به منذ انقلاب عام 1989 وحتى الآن.
لم أبع نفسي لأية جهة، سواء في الداخل أو الخارج، إيماناً مني بأن فعل الكتابة يفرض على من يمارسه أن يتحلى بالشجاعة والنزاهة والاستقلال الفكري.

لماذا أكتب؟
أكتب هذه المقالات انطلاقاً من نظرة إستراتيجية، وحرص صادق على القضية التي آمنت بها، ولا أنتظر شكراً من أحد، ولا مالاً، ولا وظيفة، ولا مكافأة سياسية.

إنما أكتب في إطار موقفي الطويل المناهض لحكم الإسلاميين في السودان، ولأي قوى، في الداخل أو الخارج، تسعى إلى إعادة إنتاج حكم الاستبداد والفساد والظلم.
وأؤمن بأن استقرار السودان الحقيقي لن يتحقق، في رؤيتي، إلا بقيام *دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية علمانية*، تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة، وسيادة القانون.

ومن هذا المنطلق، أحذر من الخطابات التي تستغل الأزمات والاختلافات لتوسيع الانقسامات، وإضعاف الثقة بين أصحاب المشروع الواحد.

وسنعمل على توظيف رصيدنا الثقافي والفكري، الذي تراكم من تجارب النضال ضد نظام الإنقاذ منذ انقلاب عام 1989، لخدمة مشروع التغيير، والدفاع عن قيم الحرية والعدالة والمواطنة والدولة المدنية الديمقراطية.

فالكتابة، بالنسبة لي، ليست وسيلة للحصول على وظيفة أو مال أو موقع، وإنما موقف ومسؤولية. والكلمة التي لا تنحاز إلى ما يؤمن به صاحبها، في اللحظات التاريخية الحرجة، تفقد جانباً كبيراً من قيمتها.

الطيب الزين