أسألوهم إذا تبسموا وأتركوهم إذا تألموا !! كتبه عبدالمنعم على التوم

أسألوهم إذا تبسموا وأتركوهم إذا تألموا !! كتبه عبدالمنعم على التوم


10-07-2026, 08:51 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791402714&rn=0


Post: #1
Title: أسألوهم إذا تبسموا وأتركوهم إذا تألموا !! كتبه عبدالمنعم على التوم
Author: عبد المنعم على التوم
Date: 10-07-2026, 08:51 PM

08:51 PM October, 07 2026

سودانيز اون لاين
عبد المنعم على التوم-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم

هناك سؤال بسيط ، لكنه فى تقديرى أكثر صدقاً من كثير من التحليلات السياسية التى تُكتب من خلف المكاتب : أسألوا المواطن السودانى الذى يعيش فى منطقة تحت حماية الدولة والجيش : هل يشعر بالأمان ؟!وأسألوا المواطن الذى يعيش فى منطقة تسيطر عليها قوة مسلحة خارج مؤسسات الدولة : كيف يعيش ؟! دعوا المواطن يتحدث ، فهو الذى يدفع ثمن الحرب ، وهو الذى يعرف معنى الأمن حين يغيب ويعرف قيمة الدولة حين تضعف، فالأمن ليس شعاراً سياسياً والدولة ليست مجرد اسم فى الاوراق الرسمية .
الأمن هو أن ينام المواطن فى بيته مطمئناً ، وأن يخرج إلى عمله دون أن يخشى السلاح ، وأن يعرف أن القانون فوق الجميع ، وأن الجهة التى تحمل السلاح تمثل الدولة ولا تنافسها ، الجيش والدولة .....قصة لا ينبغى تزويرها ، من المهم أن نفرّق بين القوات المسلحة السودانية بأعتبارها مؤسسة دولة تاريخية ، وبين الأنظمة السياسية التى تعاقبت على حكم السودان . القوات المسلحة مؤسسة لها تاريخ طويل ، ولها قوانينها ولوائحها وتسلسلها القيادى ومؤسساتها التعليمية والعسكرية ، وهى فى الاصل جزء من بنية الدولة السودانية .
أما نظام الإنقاذ ، فقد كان نظاماً سياسياً حكم البلاد لثلاثة عقود ، وله أخطاؤه وسياساته التى يختلف معها كثير من السودانيين ، ومن بينها إنشاء وتطوير قوات مسلحة موازية للقوات المسلحة السودانية ، حتى اصبحت تلك القوة لاحقا طرفا رئيسياً فى الصراع .
وهنا ينبغى ألا نقع فى خطأ تاريخى وسياسى كبير : سقوط النظام السياسى لا يعنى سقوط الدولة ، كما أن أخطاء نظام سياسى لا تجعل مؤسسات الدولة ملكا لذلك النظام . وإذا كان البشير قد ذهب ، فلماذا نُبقى مؤسسات الدولة اسيرة لاسمه الى الابد ؟!
( تسقط بس ) هذا ما قال السودانيون فى ديسمبر 2018 خرج السودانيون الى الشوارع ، وامتدت الإحتجاجات إلى مدن ومناطق مختلفة من البلاد ، حتى إنتهى الأمر بسقوط نظام البشير فى ابريل 2019 . وكانت كلمة ( تسقط بس ) تختصر موقفاً شعبياً واسعاً من ذلك النظام ، لم يكن ذلك إستفتاءاً دستوريا بالمعنى القانونى للكلمة ، لكنه كان ، بالمعنى السياسى و الشعبى ، تعبيراً جماهيرياً واسعاً عن رفض حكم الانقاذ ، وهذه نقطة مهمة جداً ، فإذا كان الشعب قد رفض النظام فلا يصح بعد سنوات أن نعيد إنتاج النظام نفسه فى الوعى العام فنقول : ( الجيش جيش كيزان ) وكأن المؤسسة العسكرية ملك لحزب أو جماعة بعينها . الجيش ليس حزباً سياسياً ، ولا ينبغى أن يكون ملكا للكيزان ، ولا للشيوعيين ، ولا للاتحاديين ، ولا للأمة ، ولا لأى جماعة سياسية آخرى ، ( الجيش جيش السودان ) وهذه ليس مجاملة للجيش ، وإنما هى قاعدة من قواعد الدولة الحديثة : المؤسسة العسكرية الوطنية يجب أن تكون مؤسسة للدولة ، لا مؤسسة لحزب .
ولكن .....من المستفيد من عبارة ( الجيش جيش الكيزان ) ؟! هنا السؤال الذى يستحق التفكير العميق ، عندما يكرر البعض عبارة ( الجيش جيش الكيزان ) سواء عن قصد أو بحسن نية فهنا دعم ودعاية وهدية غير مستحقه قد تمنح الاسلاميين أو الكيزان شيئا لم يحصلوا عليه بالإنتخاب : حق الإدعاء بأن المؤسسة العسكرية تمثلهم .وهذه مفارقة سياسية عجيبة. فإذا كان الشعب قد قال فى الشوارع ( تسقط بس ) فلماذا نأتى اليوم ونقول إن الجيش الذى يقاتل بإسم الدولة هو جيش ذلك النظام ؟!! بهذه الطريقة ، ومن حيث لا يقصد أصحاب العبارة ، يصبح الخطاب وكأنه يعيد تقديم الحرب على إنها : ( جيش الكيزان فى مواجهة خصوم الكيزان ) وهذا إختزال خطير للصراع ؛ لأنه يحوّل مؤسسة الدولة إلى طرف حزبى ، ويمنح حزباً أو تياراً سياسياً ملكية رمزية لمؤسسة يفترض أنها ملك لجميع السودانيين .
والسؤال البسيط هنا : إذا كان الجيش ( جيش كيزان ) فأين ذهب الجيش السودانى ؟ ومن يحمى الدولة ؟! علما بأن جيش الكيزان الحقيقى هو الدعم السريع رضينا بهذه المعلومة أم ابينا فإنها الحقيقة .!!!
لا نريد إستبدال مشكلة بمشكلة ، رفضنا حكم الحزب الواحد ، فلا ينبغى أن نقبل حكم البندقية الواحدة . ورفضنا تسييس المؤسسة العسكرية ، فلا ينبغى أن نقبل تحويل المليشيا إلى مؤسسة دولة ورفضنا أن يكون السلاح وسيلة للوصول إلى السلطة ، فلا ينبغى أن نقبل الفكرة نفسها من أى طرف كان . السودان لا يحتاج إلى اكثر من :دولة واحدة ....جيش وطنى واحد ....قانون واحد .. وسلطة مدنية ديمقراطية. هذه هى المعادلة التى يمكن ان تخرج البلاد من دائرة الحروب والإنفلاتات و التمردات .
أما أن تكون هناك دولة داخل الدولة ، وسلاح خارج مؤسسات الدولة ، وقوة تفاوض بالقوة المسلحة ، ثم نطلب بعد ذلك ديمقراطية وإستقرارا وسلاماً ، فهذه معادلة يصعب أن تستقيم .
الجيش ليس فوق النقد ولكى لا يفهم أحد الكلام على أنه شيك على بياض للقوات المسلحة ، فإن الجيش مؤسسة دولة ، ولذلك يجب أن يكون خاضعا للقانون ، وأى إنتهاكات أو أخطاء يرتكبها أفراد أو وحدات يجب أن تخضع للتحقيق والمحاسبة وفق القانون . ولكن هناك فرقاً كبيراً بين نقد الجيش ومحاسبته على أخطائه ، وبين نزع صفته الوطنية عنه وتحويله الى حزب سياسى مسلح . كما أن رفض اخطاء الجيش لا يعنى بالضرورة قبول وجود قوة عسكرية موازية للدولة . فالطريق الصحيح ليس جيشا ضعيفا زائد مليشيات قوية ولا جيشا مسيسا زائد أحزابا مسلحة ، بل : جيش وطنى مهنى زائد سلطة مدنية ديمقراطية زائد قانون يسرى على الجميع.
الديمقراطية لا تحمل بندقية - الديمقراطية مكانها صناديق الإقتراع ، والبرامج و الآحزاب ، والمؤتمرات ، والانتخابات ، والبرلمان .أما البندقية فمكانها مؤسسة الدولة العسكرية ، وتحت القانون و القيادة الشرعية ، ولا يمكن لقوة مسلحة أن تقول إنها تريد الديمقراطية ، بينما تحتفظ بجيشها الخاص لتفرض به شروطها السياسية ، فمن أراد أن يعمل سياسيا ، فليخلع عنه ثوب القوة المسلحة ، وليدخل الى ميدان السياسة ببرنامجه وكلمته وصندوق الإنتخابات ، لا ديمقراطية حقيقية تحت ظل بندقيتين .
السودان ليس غنيمة سياسية ، المؤسف إن بعض الخطابات السياسية إختزلت السودان فى اشخاص وأحزاب ومجموعات - السودان أكبر من كل ذلك . الدولة لا تُبنى بمنطق : ( هذا جيشى ) و ( هذه مليشيتى ) و (هذه منطقتى ) و( هذا نفوذى ).
الدولة تُبنى عندما يصبح المواطن هو صاحب الحق المبين ، ويصبح القانون هو الحكم ، وتصبح مؤسسات الدولة ملكا لجميع السودانيين . ولهذا فإن المطلوب ليس أن ننتصر لقبيلة أو حزب أو تيار . المطلوب أن تنتصر الدولة السودانية بكامل مؤسساتها .
وأخيراً ...أسألوا المواطن فى خضم كل هذا الجدل ، هناك من يتحدث من الخارج ، ومن يحلل من وراء الشاشات ، ومن يرسم الخرائط السياسية من مكاتب بعيدة عن صوت الرصاص ، لكن هناك مواطناً سودانياً يعيش يومه تحت حماية الدولة ، ومواطنا آخر يعيش تحت سلطة قوة مسلحة ، لماذا لا نسأل هؤلاء ؟!
أسألوا المواطن عن الأمن قبل أن تسألوه عن الشعارات ... أسألوه عن الطريق وعن السوق .. وعن بيته وعن أسرته ... وعن خوفه وعن نومه . أسألوه : هل تستطيع أن تعيش حياة طبيعية عندما تكون الدولة حاضرة بقانونها ومؤسساتها ؟! و أسألوه أيضا : ماذا يحدث عندما يتعدد السلاح ، وتتعدد مراكز القوة ، ويصبح المواطن بين أكثر من سلطة ؟! فربما يكون جواب المواطن البسيط ، أصدق من مئات البيانات السياسية ولذلك أقول :
لا تجعلوا خلافكم مع نظام سياسى سبباً لكره الدولة .
ولا تجعلوا أخطاء مؤسسة سببا لهدم المؤسسة .
ولا تجعلوا رفضكم للإسلاميين ذريعة لقبول مليشيا .
ولا تجعلوا رفض المليشيا ذريعة لقبول حكم عسكرى دائم .
نحن نريد دولة لا يحكمها الحزب ولا تحكمها المليشيا ، ولا يحكمها الجيش . نريد دولة يحكمها القانون ،وتحميها مؤسسات وطنية مهنية ، ويختار شعبه حكومته عبر الديمقراطية .فالسودان لا يحتاج أن ينتصر فيه طرف على طرف بقدر ما يحتاج إلى أن تنتصر فيه الدولة على الفوضى ، و القانون على السلاح ، والمواطنة على العصبية السياسية . وفى النهاية دعونا نترك كل التنظير جانباً ، ولنسمع صوت المواطن الذى عاش التجربة بنفسه . والذى استطاع أن يميز بين جيش الدولة وهو يتمتع بالامن و الاستقرار فى مناطق سيطرتها وبين الهروب و الخوف والفزع الذى يصيب الناس فى المناطق التى تسيطر عليها المليشيا المدعومة من الخارج وبالشهادات و الوثائق من اعداء الدولة السودانية الذين لايهمهم المواطن السودانى فى شئ .. كيف نام ...؟ كيف أكل..؟ وكيف شرب ..؟ وكيف مات ؟، ومن هنا تستطيع أن تميز بين المعقول و اللامعقول وبين العقل و المنطق .
أسألوهم إذا تبسموا واتركوهم إذا تألموا ...!!!
تقديم/
عبدالمنعم على التوم
7 اكتوبر 2026