مظلم السريرة، كاذب اللسان، ومتكبر! كتبه أبشر الحاج

مظلم السريرة، كاذب اللسان، ومتكبر! كتبه أبشر الحاج


10-07-2026, 08:50 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791402617&rn=0


Post: #1
Title: مظلم السريرة، كاذب اللسان، ومتكبر! كتبه أبشر الحاج
Author: د. أبشر الحاج
Date: 10-07-2026, 08:50 PM

08:50 PM October, 07 2026

سودانيز اون لاين
د. أبشر الحاج-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر



النورانية المطلقة: النبي بين ظاهرة البشرية وسر الخصوصية الإلهية
بقلم:

​تخطأ العقول الظاهرية حين تقف عند حدود الهيكل الجثماني للنبي صلوات الله عليه، فتظن أن كلمة "بشر" تساويه بسائر الخلق، وتغفل عن الفارق الوجودي السحيق بين حقيقة الاصطفاء العلوي وطبيعة الطين الترابي! إن القول بـ "بشرية محضة" تجرد المقام النبوي من خصائص النورانية هو هبوط بـ "الحقيقة المحمدية" إلى دركات القياس البشري القاصر؛ فالنبي وإن شابه الناس في صورته الظاهرة، فإنه يبين عنهم في باطنه وسر لاهوته المعنوي.

​إن صريح النص الشريف يهدم فكرة "المماثلة المطلقة" حين يعلنها المصطفى حاسمة جلية: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". هنا تسقط قوانين المادة، وتتلاشى مقاييس البشرية! أي طعام هذا الذي يطعمه الرب لنبيه؟ وأي شراب روحاني يخترق حجب الملكوت ليقوي هذا الجسد الشريف بلا وسائط طينية؟ إنها خصيصة القرب الأقدس، وسر "المعية الإلهية" التي تجعل من ذاته الشريفة كائنا نورانيا متجردا من أوهاق الطبيعة البشرية وقوانين الأجساد.

​وفي هذا الميثاق الذوقي، تنفذ البصيرة الصوفية إلى أبعاد هذه النورانية؛ فالسالكون في أودية المحبة لا يرون النبي مجرد "ساعي بريد ناقل للرسالة" ينتهي أثره ببلاغه، بل يشهدون فيه "المشكاة الأولى" و"النور الأزلي" الذي فاضت منه الكائنات. إن العارفين بالله—من أمثال الشيخ عبدالقادر الجيلاني والإمام الختم والقطب الشاذلي—يدركون أن المحبة الصادقة لا تستمد من الاقتداء الظاهري الجاف، بل من "الفناء في النور المحمدي"، والتعلق بالحضرة التي لا تشبهها حضرة.

​ولكن الكارثة الوجودية تبدأ حين يتحول هذا الادعاء بـ "محبة السر النبوي" إلى مظاهر جائفة وزخارف لفظية! تجد الرجل من هؤلاء يدعي الفناء في جمال الحبيبة، ويصاعد الهجيج والصراخ في حب من "ليس كهيئتكم"، بيد أنه في أرض معاملاته اليومية: غليظ الطبع،

​فيا من تدعي محبة النور الأقدس: أي سر نبوي تسلكه إذا كان باطنك غارقا في ظلمات النفس وأدرانها؟

​إن التدين الحقيقي ليس ادعاء لمقام النور باللسان مع بقاء النفس في ظلمات الطين؛ بل هو تصفية للروح كي تنعكس فيها أنوار الذات المحمدية. فالنبي الذي طعم من المائدة الإلهية، وشرب من خمرة القرب الأقدس، لا يدافع عنه بالصراخ والخصومات الجوفاء، بل بـ "التطهر الروحي" واقتباس قبس من أخلاقه النورانية: صدقا، ورحمة، وصفاء يستعلو على دنس البشرية الصرفة.

​والحقيقة العميقة التي لا ريب فيها: كلما كثر الذين يتغنون بـ "النور المحمدي" بألسنتهم، وقل الذين تشرق أنواره في باطن سلوكهم، اعلم أن الدين قد بات في خطر.. لا من الجاحدين لشرعه، بل من مدعي محبته الذين يسترون باطن إظلامهم بظاهر إلتزامهم!

​وصلى الله على النبي الأقدس، والرسول الأنفس، والمبعوث رحمة للناس، سيد أهل الأنس، ومشكاة الهدى والقدس، ومعدن العلم والأنس.