هزيمة عسكرة و ملشنة السياسة كتبه أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم

هزيمة عسكرة و ملشنة السياسة كتبه أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم


10-07-2026, 07:35 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791398109&rn=0


Post: #1
Title: هزيمة عسكرة و ملشنة السياسة كتبه أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
Author: أبوهريرة زين العابدين
Date: 10-07-2026, 07:35 PM

07:35 PM October, 07 2026

سودانيز اون لاين
أبوهريرة زين العابدين-usa
مكتبتى
رابط مختصر



بسم الله الرحمن الرحيم

زورق الحقيقة





في المقال السابق ذكرت أن الشعب السوداني ليس بحاجة لمنتصر، بل لوقف الحرب والامن، وتعد التجربة السياسية السودانية في مجملها نموذجاً مركّباً للشمولية والرجعية المسلحة الانقلابية والقبلية، حيث تتداخل فيها السلطة العسكرية مع النخب الاقتصادية والدينية والقبلية والإعلامية لتشكّل منظومةً تعيد إنتاج السيطرة على المجتمع والدولة. هذه الشمولية لا تقوم على القمع وحده، بل على بناء وعي زائف يجعل الجماهير تتقبّل السلطة وتدافع عنها أحياناً، رغم ما تعانيه من فقر وتهميش وانعدام عدالة. ما عدا فترات ديمقراطية قصيرة لم تترك لتنضج التجربة ويخرج البلد من الأبوية ودكتاتورية الزعيم الفرد.

أولا: الأنظمة الشمولية تُهندس الوعي، وتعيد تعريف الوطنية، وتُطبع الفقر تجعله شيء عادي وحتمي، وتُشيطن البدائل السياسية، وتُقدّس المؤسسة العسكرية، فتخلق واقعاً يبدو طبيعياً رغم أنه مُصنَّع بعناية. في بلدنا، جرى تفريغ مفهوم "المصلحة العامة" من محتواه الوطني لمفهوم "الصالح العام" غير الصالح، وإعادة تعبئته بما يخدم مصالح الطبقة الحاكمة، سواء كانت عسكرية أو حزبية أو اقتصادية. فالمشروعات الكبرى، والقرارات السياسية، والتحالفات الإقليمية والانقلابات والحرب، تُقدَّم دائماً بوصفها "خيارات وطنية" بينما هي في الواقع تخدم شبكات النفوذ المسيطرة في شموليتها ودكتاتوريتها. فهي

• تُقدَّم سيطرة الجيش على الاقتصاد كضمانة للاستقرار.

• تُبرَّر عسكرة السياسة بأنها حماية للوحدة الوطنية.

• تُصوَّر أي مطالبات مدنية بأنها تهديد للأمن القومي.

بهذا، يصبح تعريف "الوطنية" حكراً على السلطة، وتُقصى الجماهير من حقها في تحديد أولوياتها، ويُعاد تشكيل الحسّ العام بما يخدم مصالح النخب المسيطرة في ائتلافها مع العسكر وخير نموذج المثقفين الذين يسبحون بحمد البرهان وحميدتي ونسوا وتناسوا وظيفة المثقف.

ثانياً: تقديم الفقر واللامساواة كشيء طبيعي أو نتيجة تقصير فردي:

تُعدّ صناعة الوعي حول الفقر أحد أهم أدوات الشمولية.

فقد جرى تقديم الفقر واللامساواة بوصفهما نتيجة "ظروف طبيعية" أو "ابتلاء" أو "تقصير فردي" او نتيجة لعامل خارجي مثل موضوع الامارات انها السبب والعدو وليس نتيجة لسياسات اقتصادية منحازة أو فساد بنيوي نتيجة لانقلاب العسكر وفساد حكمهم. يُقال للفقير “اصبر، هذا طبيعي” ويُقال للمهمّشً اعمل أكثر ستنجح بينما يتطاولون في البنيان المرصوص. ويخفون حقيقة أن الثروة مركّزة في يد قلة مرتبطة بالسلطة العسكرية أو الحكم. بهذا الخطاب، تُعفى السلطة من مسؤوليتها، ويُحمَّل الفرد وحده عبء الفشل، بينما تُحجب الأسئلة حول العدالة الاجتماعية وتوزيع الموارد، ويُعاد إنتاج الفقر كحالة طبيعية لا كنتاجٍ سياسي لفساد الحكم.

ثالثاً: تجميل السلطة العسكرية بوصفها حامية للوطن:

العسكرة في السودان هي إيلاج الجيش في السياسة، وهي مشروع يهدف إلى جعل العسكر مركز الهوية الوطنية بمسنادة الإسلامويين وهنا تكمن الخطورة. وفي اغلب النقاشات يقولون لك مثلا البرهان كذا وكذا وحامي الحمى ويخلطون بين الحيش وبين قيادته الفاسدة المفسدة الانقلابية ومثال دلك عدد من المثقفين الذين كنا نحسبهم طليعين وأصبحوا طالعين خلا الشمولية وأصبحوا مثقفين "خلا" وتُقدَّم المؤسسة العسكرية كرمز للوحدة. وتُصوَّر كحائط الصد الأخير ضد الفوضى. وتُربط الوطنية بالطاعة والخنوع لهم. هذا الخطاب يجعل أي نقد للجيش يُفسَّر كخيانة، ويحوّل المؤسسة العسكرية إلى تابو مقدّس سياسي لا يجوز الاقتراب منه او التصوير. وبذلك تُشرعن تدخلات الجيش في الاقتصاد والسياسة، وتُقمع الأصوات المدنية المطالبة بدولة القانون، ويُعاد إنتاج عسكرة الدولة بوصفها ضرورة وطنية.

رابعاً: شيطنة البدائل السياسية:

لا تكتمل الشمولية دون السيطرة على المجال الرمزي الإعلام، التعليم، الخطاب الديني، والنقابات. حيث جرى تشويه البدائل السياسية عبر تصوير الأحزاب المدنية كعملاء للخارج. وصف الحركات الشبابية بأنها فوضوية وشيطنة النقابات المستقلة واتهامها بتخريب الاقتصاد. واعتبار أي مشروع ديمقراطي كتهديد للاستقرار.

ففي ندوة حمدوك الأخيرة في واشنطن وقفن بعض السيدات خمسة سادسهم وسابعهم رجلين اقل من أصابع اليدين يهددن الداخلين للندوة كخونة وعملاء للامارات والدعم، فقد اكتسبن وعي زائف وانه مجرد حضور ندوة للحوار لأنهم يختلفون مع حمدوك ووفده بأن كل الحاضرين خونة وهذا في حد ذاته عمل غير ديمقراطي. فكيف سمحن لانفسهن بأنهن حارسات الوطن والوطنية في اغرب مفارقة. وقد دخلن في طاعة البرهان وشموليته ولأن السلطة البرهانية الانقلابية اغلقت المجال السياسي أمام أي منافس، وتُقدّم نفسها كخيارٍ وحيد، بينما تُحرم الجماهير من رؤية بدائل واقعية، ويُعاد إنتاج الطاعة بوصفها الخيار العقلاني الوحيد. فهؤلاء التسوة ومثقفين كثر دون ذكر أسماء دخلوا في بيت الطاعة "البرهاني" و "الدقلوي".

خامساً: المسار القادم كيف ننتقل من تشخيص الشمولية إلى تفكيكها؟

بعد تحليل آليات الشمولية، يصبح السؤال المركزي الذي يخرج عنقه كعنقاء أو ثعبان ماذا نفعل؟

كيف يمكن للمجتمع السوداني أن ينتقل من حالة الوعي الزائف إلى وعي نقدي قادر على إنتاج مشروع سياسي بديل بدل الطاعة العمياء لشمولية البرهان وحميدتي ومناوي وجبريل والبراء ولمن يرفع بندقية.

في تصوري يتمثل المسار القادم في أربعة محاور مترابطة:

١. استعادة تعريف المصلحة العامة عبر مشروع وطني جديد، لا يمكن مواجهة الشمولية دون إعادة بناء مفهوم "المصلحة العامة" من منظور شعبي لا سلطوي وعند السلطة تعني الصالح العام والاحالة والسيطرة وهذا يتطلب:

• صياغة خطاب مدني يربط المصلحة العامة بالعدالة، لا بالاستقرار القسري العسكري السلطوي.

• إعادة تعريف الوطنية بوصفها مشاركة لا طاعة، وحقوق لا شعارات.

• تفكيك احتكار السلطة لمعنى الوطن عبر إنتاج سرديات بديلة تُظهر أن حماية الوطن تبدأ بحماية المواطن. بهذا، يُستعاد المجال الرمزي الذي صادرته السلطة.

٢. تحويل الفقر من شيء طبيعي إلى قضية سياسية

الفقر ليس امر محتوم، بل نتيجة سياسات. والان السودان مقبل على مجاعة وثورة الجياع قادمة نتيجة للحرب والفساد الاقتصادي. وهذا يتطلب:

• كشف العلاقة بين الفقر والقرارات الاقتصادية التي اتخذتها النخب الحاكمة.

• تحويل النقاش من أسباب فردية للفقر إلى بنية اقتصادية غير عادلة.

• بناء خطاب يربط العدالة الاجتماعية بالتحرر السياسي.

بهذا، يتحول الفقر من حالة صامتة إلى قضية عامة تُطالب بإصلاح جذري.

٣. إعادة وضع المؤسسة العسكرية داخل حدود الدولة المدنية. ليس الهدف إقصاء الجيش، بل إعادته إلى وظيفته الطبيعية اي حماية الحدود لا حكم الشعب. وهذا يتطلب:

• تفكيك خطاب الجيش هو الوطن او بالاحرى قادة الجيش فهم مجرد طلاب سلطة.

• بناء سردية تُظهر أن عسكرة السياسة تُضعف الجيش نفسه.

• تعزيز مفهوم الدولة المدنية بوصفها دولة مؤسسات لا دولة أفراد أو جنرالات.

• دعم مبادرات إصلاح القطاع الأمني وربطها بالرقابة المدنية.

بهذا، يُعاد الجيش إلى مكانه الطبيعي داخل الدولة، لا فوقها.

٤. فتح المجال السياسي عبر كسر احتكار الإعلام والتعليم، والخدمة المدنية، والعسكرية، والأمنية.

لا يمكن بناء بديل سياسي دون فضاء عام حر. وهذا يتطلب:

• دعم الإعلام المستقل القادر على كشف الفساد وتفكيك الوعي الزائف.

• إصلاح المناهج التعليمية والتثقيف لتشجيع التفكير النقدي لا الطاعة العمياء.

• تمكين النقابات والاتحادات المهنية بوصفها أدوات مقاومة للهيمنة.

• بناء منصات شبابية تُعيد تعريف السياسة كعمل جماعي لا نخبوية مغلقة. ويُفتح المجال العام أمام بدائل سياسية حقيقية.

الشمولية الرجعية المسلحة العسكرية والقبلية في السودان ليست حتمية، بل منظومة يمكن تفكيكها عبر مشروع وطني جديد وعقد اجتماعي شرعي يعيد تعريف المصلحة العامة، يربط الفقر بالسياسة، يعيد الجيش إلى مكانه الطبيعي، ويفتح المجال السياسي أمام بدائل حقيقية. هذا المسار ليس نظرياً، بل عملياً، ويحتاج إلى وعي نقدي وتنظيم اجتماعي وإرادة سياسية قادرة على تحويل التشخيص إلى تغيير فهل ننجح ونهزم عسكرة و "ملشنة" السياسة.