رشا عوض: صوت الحقيقة الصاخب كتبه الصادق حمدين

رشا عوض: صوت الحقيقة الصاخب كتبه الصادق حمدين


10-07-2026, 06:23 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1791393816&rn=0


Post: #1
Title: رشا عوض: صوت الحقيقة الصاخب كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 10-07-2026, 06:23 PM

06:23 PM October, 07 2026

سودانيز اون لاين
الصادق حمدين-UK
مكتبتى
رابط مختصر







لم تكن الأستاذة رشا عوض، قبل أن تُستهدف بالتهديد، مجرد صحفية تكتب ثم تطوي أوراقها وتمضي. كانت صوتاً حاضراً في المشهد العام، تحمل إلى الكلمة مسؤوليتها، وإلى الصحافة معناها الأبعد من مجرد نقل الوقائع. وحين وُجّه إليها التهديد بالموت، لم يكن المستهدف امرأة بقلمها فحسب، بل حقها في أن تقول، وحق المجتمع في أن يسمع.

لكن الذين أرادوا للكلمة أن تنحني أمام الخوف لم ينتبهوا إلى مفارقة التاريخ ودروسه: قد تستطيعون تهديد صاحبة الكلمة من مخابئكم، لكنكم لا تستطيعون مصادرة المعنى الذي أطلقته.

لقد أردتم إسكات الجسورة وأميرة الكلمة رشا عوض، فإذا بها تتحول في أعين كثيرين إلى رمز للكلمة التي استعصت على التدجين، وإلى أيقونة صحفية ارتبط اسمها، في لحظة المواجهة، بمعنى أوسع من شخصها: معنى أن يبقى القلم واقفاً حين يُراد لصاحبته أن تحني قامتها في ذلة المرعوب.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: إن خفافيش أقبية الخبايا الذين يرفعون عصا التهديد في وجه رشا عوض لا ينتصرون على الصحافة؛ إنهم يمنحونها شاهداً جديداً على ضرورتها. فالتهديد لا يدحض مقالاً، ولا يفنّد حجة، ولا يصنع حقيقة مضادة. إنه، في أحسن أحواله، اعتراف بالعجز عن خوض المعركة في ميدان الأفكار.

ولذلك لا ينبغي أن تُقرأ قضية رشا عوض باعتبارها قضية شخص واحد فقط، بل باعتبارها سؤالاً عن السودان الذي نريد أن نعيش فيه: هل يكون الاختلاف فيه باباً إلى الحوار، أم ذريعة إلى الترهيب بالقتل؟ هل تكون الكلمة ساحة للمقارعة، أم يصبح الخوف شرطاً مسبقاً لممارستها؟

إن قيمة رشا عوض ليست في أن تكون فوق النقد لمن يعرفون الحوار بالكلمة لا بالرصاصة؛ فالكلمة الحرة تُناقش وتُراجع وتُعارض. قيمتها في أن حقها في الكلام لا يحتاج إلى إذن من أحد، وأن اختلاف الآخرين معها لا يمنحهم حق إسكاتها.

ومن هنا يصبح التهديد، مهما أراد أبطال ما وراء الشاشات أن يكون خاتمة للصوت، فإنه بداية لمعنى آخر لو يعلمون. فالكلمة التي تُراد لها العتمة قد تجد في العتمة سبباً إضافياً للبحث عن مسارب الضوء.

وهنا تحضرني، كلمات شاعر الغلابة محمد الحسن سالم، "حميد" بصوت الفنان الراحل مصطفى سيد أحمد، لا بوصفها زينة لغوية، وإنما بوصفها امتداداً شعرياً لحلم رشا عوض الذي ظل وسيظل أكبر من الخوف:

"مَتين إيد الغبش تتمد
لقدّام ولا قدّام
تتش عين الضلام بالضو
تفرهد شتلة لاهدّام
ولا فيضا يفوت الحد
عقب يا نيل نكون ياكا
ونكون أهل البلد بالجد"

ذلك هو المعنى الذي يتجاوز الأشخاص: أن تمتد يد الغبش إلى الأمام، وأن تُفتح في عين الظلام نافذة للضوء، وأن تبقى شتلة الوطن عصية على الهدم.

لقد أرادوا لرشا عوض أن تصمت؛ فإذا بالصمت نفسه يتحول إلى سؤال صاخب، وبالتهديد إلى قضية رأي عام، وبالقلم إلى شاهد عدل.

وهكذا، في اللحظة التي ظنّوا أنهم يطاردون فيها امرأة شجاعة تحمل قلماً، كانوا من حيث لا يريدون يصنعون رمزاً جديداً للكلمة التي لا تُشترى، ولا تُرهب، ولا تموت.

وسؤالي الأخير إلى فرقة البلابسة المنقبون التي يقودها الغباء: أتدرون كم يساوي سعر الصحفية رشا عوض، ومثيلاتها من الكنداكات المصادمات، في بورصة الإنسانية؟ إنهن يساوين الكثير، بل أكثر مما تستطيع حساباتكم الضيقة أن تستوعب؛ فالأوطان الحرة خُلقت لأمثالهن، ولأمثالهن تُصان الكلمة، وتُحمى الحقيقة، ويُفتح الطريق أمام المستقبل.

أما أنتم، فكلما أوغلتم في التهديد، ازددتم عجزا عن بلوغ ما تريدون؛ لأن رشا عوض ليست مجرد صحفية يمكن إسكاتها، وإنما صارت بفضل صمودها صوتاً للحقيقة، ورمزا ًللكلمة التي استعصت على الشراء والانحناء.

فلا تراهنوا على الخوف؛ فالكنداكات لا تُطفئهن العتمة، وإنما يكشفن بها موضع الضوء. ولا تراهنوا على إسكات الصوت؛ فبعض الأصوات حين تُستهدف تصبح أعلى، وأبقى، وأشد حضورا في ذاكرة الوطن. إلى الأمام رشا عوض ولا نصف إلتفاتة إلى الوراء فهل تريدين أكثر من محبة هذا الشعب الجميل.

Sent from Outlook for iOS