Post: #1
Title: بعض السياسيين عندنا بحاجة إلى طبيب نفسي والبعض الآخر بحاجة إلى طبيب بيطري كتبه حسين إبراهيم علي جاد
Author: حسين ابراهيم علي جادين
Date: 10-06-2026, 07:09 PM
07:09 PM October, 06 2026 سودانيز اون لاين حسين ابراهيم علي جادين-السودان مكتبتى رابط مختصر
قد يبدو العنوان قاسياً أو ساخراً، وربما أقرب إلى العبث منه إلى المقال السياسي؛ لكنه، في الحقيقة، محاولة لوصف حالة سياسية أصبحت تحتاج إلى شيء من الطب النفسي والسياسي معاً ولعل الأديبة الروائية غادة السمان، في «كوابيس بيروت»، قدمت صورة أدبية شديدة الدلالة عن المدينة حين تنقلب أحوالها، فيختلط العاقل بالمجنون، ويصبح السؤال: من في المصحّة ومن هو خارجها؟ وقد ارتبط الكتاب بصور الحرب التي تجعل البيت سجناً والمدينة نفسها كابوساً، حتى يصبح النجاة من الجنون طموحاً في عالم مختل والصورة التي تستدعيها الذاكرة من «كوابيس بيروت» ــ وهي أن يهرب مجنون من المصحّة، وينزع لافتتها ليضعها عند مدخل المدينة كأنه يقول للداخلين: «مرحباً بكم في مصحّة بيروت» ــ تصلح، من حيث المفارقة الأدبية، لأن تكون مدخلاً للتأمل في حال بعض الأوطان التي تختلط فيها معايير العقل السياسي، ولست أقصد بذلك المرض النفسي بمعناه الطبي، ولا يصح أن نصف شخصاً بعينه بأنه مريض نفسياً من غير تشخيص طبي؛ إنما المقصود السلوك السياسي المختل حين يفقد صاحبه القدرة على التمييز بين مصلحة الوطن ومصلحته الشخصية وهنا يحق لنا أن نسأل عن السودان وهنا يحق لنا أن نسأل عن السودان بلدٌ غني بالموارد، واسع الأرض، عريق الثقافة، عظيم الإمكانات البشرية، ومع ذلك ظل زمناً طويلاً يستهلك طاقته في صراعات سياسية لا تنتهي. يتحول الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى عداوة، والعداوة إلى محاولة لإسقاط الخصم وتحطيم شخصيته، حتى يصبح التخلص من السياسي الآخر أهم من بناء المدرسة والمستشفى والطريق والمصنع ومشروع الزراعة، كأن بعضنا دخل السياسة ليهزم شخصاً، لا ليبني وطناً، ثم تبلغ الحالة مبلغاً أخطر عندما ينتقل العداء من الداخل إلى الخارج؛ فيُستدعى الأجنبي إلى الخصومة الوطنية، ويصبح الاستقواء به وسيلة لإسقاط الخصم أو الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها.
وهنا لا تعود القضية مجرد اختلاف سياسي.
حين يقبل سياسي أن يرهن قرار بلده أو استقلاله أو مصالحه للأجنبي مقابل سلطة أو نفوذ أو انتقام من خصومه، فإن السؤال يصبح أخلاقياً ووطنياً قبل أن يكون سياسياً: أيبلغ حب السلطة بالإنسان أن يرى وطنه ثمناً مقبولاً لبقائه فيها؟
وأشد ما في الأمر إيلاماً أن الأجنبي لا يدفع ثمن هذه المغامرة؛ السوداني هو الذي يدفعه: من أمنه، ومن أرضه، ومن ماله، ومن دم أبنائه، ومن مستقبل أطفاله.
وإذا أضفنا إلى ذلك الفساد، وسرقة المال العام، وتحويل الوظيفة العامة إلى غنيمة، اكتملت دائرة المرض: صراع على السلطة، ثم استئثار بها، ثم استخدام موارد الدولة لخدمة أصحابها، ثم إقصاء الخصوم، ثم الاستعانة بالخارج عند الحاجة، ثم إعادة إنتاج الأزمة من جديد.
وهكذا أصبح الماضي عند كثير من السودانيين ذكريات حنين، والحاضر شكوى وأنين، والمستقبل سؤالاً مثقلاً بالخوف.
لذلك ربما كان السودان محتاجاً إلى علاج يسبق تغيير الأشخاص وتغيير الحكومات: إعادة تكوين للإنسان السياسي نفسه.
نحتاج إلى سياسي يعرف أن الخصم ليس عدواً، وأن المعارضة ليست خيانة، وأن الخلاف لا يبرر الانتقام، وأن السلطة ليست ملكاً شخصياً، وأن المال العام أمانة، وأن الاستعانة بالأجنبي ضد الوطن ليست براعة سياسية، وأن خسارة المنصب أهون كثيراً من خسارة الوطن.
نحتاج إلى سياسي يستطيع أن يخسر الانتخابات ولا يخسر أخلاقه، وأن يخسر السلطة ولا يخسر السودان.
ومن هنا تأتي السخرية في عنوان المقال: بعض السياسيين عندنا بحاجة إلى طبيب نفسي، لأنهم يحتاجون إلى علاج علاقتهم بالسلطة والخصومة والانتقام؛ والبعض الآخر، إذا أصرّ على التعامل مع الوطن كغنيمة، فقد يحتاج ــ على سبيل السخرية لا التشخيص الطبي ــ إلى طبيب بيطري!
لكن وراء المزحة رسالة جادة:
المشكلة ليست دائماً في النظام السياسي وحده؛ أحياناً يكون النظام سليماً على الورق، لكن الإنسان الذي يديره مريض بحب السلطة، أو بالانتقام، أو بجنون الغلبة، أو بالارتهان للخارج.
والدولة لا تُشفى بتغيير اللافتة إذا ظل المرضى هم أنفسهم في الداخل.
ربما آن للسودان أن يرفع لافتة أخرى عند مدخل السياسة، لا تقول: مرحباً بكم في مصحّة، وإنما تقول:
مرحباً بكم في وطنٍ لا تكون فيه السلطة غايةً، ولا الخصومة عداوةً، ولا الأجنبي حكماً بين أبنائه، ولا المواطن ضحيةً لصراع السياسيين.
فاصلة لاذعة: أنثى الحمار لا تلد إلا حمارا، اما أنثى الإنسان فتلد انساناً، وقد تلد حمارا.
حسين إبراهيم علي جادين
|
|