Post: #1
Title: الواثق البرير ونفي علاقة حزب الأمة بتسليح المراحيل- جنجويد اليوم في رده لمناوي.. كتبه عبدالغني بريش
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 10-05-2026, 04:02 AM
04:02 AM October, 04 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
يعلّمنا التاريخ البشري أنّ الاعتراف بأخطاء الماضي، والاستعداد للاعتذار عنها مهما كانت مظلمة وقاسية، هو الخطوة الأولى الصحيحة نحو الأمام. ألمانيا اعترفت، وجنوب أفريقيا اعترفت، ورواندا فتحت ملفاتها على مصراعيها، أمّا الساسة والمسؤولون السودانيون، فيبدو أنهم الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة، إذ أنهم لا يعترفون بخطأ، ولا يقرّون بمظلمة، مهما كانت واضحة وبائنة ومدوّنة في الكتب والتقارير وذاكرة الناجين، ومقال الأمين العام لحزب الأمة القومي، الواثق البرير، ردّاً على مني أركو مناوي، نموذج مكتمل الأركان لهذه الثقافة البائسة، ثقافة تحويل المحاسبة إلى مناورة، والتاريخ إلى مادة للتفاوض. بنى البرير مقاله على أطروحة واحدة، وهي أنّ حزب الأمة القومي لم تصدر عنه، خلال فترات وجوده في السلطة، أي قرارات بتكوين مليشيات أو تمويلها أو دعمها، جملة قاطعة، نهائية، لا تحتمل التأويل، وهي بالضبط نوع الجمل التي ينبغي ألا يكتبها سياسي يعرف أنّ الفترة 1986–1989، ليست منطقة رمادية في التأريخ السوداني، بل من أكثر فتراته توثيقاً. ما حدث في تلك السنوات ليس رواية مناوي، ولا اختراع خصوم الحزب، بل إنه متن ثابت في أدبيات الحرب السودانية: أعمال دوغلاس جونسون عن الجذور العميقة للحرب الأهلية، وكتابات أليكس دي وال، وتقارير أفريكان رايتس وهيومن رايتس ووتش عن تدمير المجتمعات المدنية في شرق دارفور وجنوب كردفان، كلّها تُجمع على أنّ تسليح "المراحيل" من الرزيقات والمسيرية (جنجويد اليوم)، وتحويلهم من حرّاس مسارات إلى قوة ضاربة في حرب الحكومة ضد المجتمعات غير العربية في دارفور وجنوب كردفان، بلغ ذروته في عهد حكومة الصادق المهدي، وبإشراف سياسي مباشر من قيادات في حزب الأمة، وفي قلبها اللواء فضل الله برمة ناصر. تكمن المغالطة الأساسية في مقال البرير، في القفز إلى عام 1985، والحديث عن مقترح طُرح في المجلس العسكري الانتقالي، حيث يقول: انظروا، لم نكن في السلطة، والمقترح كان قانونيا ومؤقتا وتحت إشراف الجيش والشرطة، ثم لم يُنفّذ. حسنا، ولكن ماذا عن السنوات الثلاث التالية؟ ماذا عن 1986 و1987 و1988، حين كان حزب الأمة رأس السلطة التنفيذية، ورئيسه رئيسا للوزراء، وكانت وزارة الدفاع في يد قيادته؟ البرير يناقش سنة واحدة لم يكن فيها حزبه حاكما، ويصمت عن السنوات التي كان فيها حاكما، هذا ليس دفاعا تاريخيا، هذه هندسة في اختيار التواريخ. لو أراد البرير اختبار أطروحته أمام وقائعها، فعليه أن يمرّ على مدينة الضعين في مارس 1987، هناك قُتل أكثر من ألف من المدنيين الدينكا، أُحرق كثير منهم في عربات القطار، في واحدة من أبشع الفظائع في تاريخ السودان الحديث، والتقرير الذي وثّق الحادثة، تقرير أحمد عشاري محمود وسليمان علي بلدو، لم يكتبه أجنبي ولا معارض مسلّح، بل كتبه أكاديميان سودانيان، ونشروه في حياة الحكومة التي يدافع عنها البرير اليوم. لكن ماذا كان ردّ تلك الحكومة؟ ليس التحقيق، وليس المحاسبة، بل التشكيك في التقرير ومحاصرة صاحبيه، هذه هي اللحظة التي ينبغي أن يُسأل عنها حزب الأمة القومي، ليس لأنّ قيادته أمرت بالقتل، بل لأنّها حين وقع القتل على يد قوات سلّحتها ومنحتها الحصانة، اختارت أن تدافع عن القوات وتُلاحق الشهود. المسؤولية السياسية لا تتطلب توقيعا على قرار قتل، تتطلب فقط أن تكون قد أنشأت الأداة، وأمّنت لها الغطاء، ورفضت أن تضبطها حين انفلتت. يصرّ البرير على أنّ المقترح كان تسليحا قانونيا ومؤقتا تحت إشراف الجيش والشرطة لقبائل من العرب في مناطق التماس، وأنّ الغرض كان الحدّ من انتشار السلاح بصورة عشوائية، وهذا أحد أقدم الأعذار في تاريخ تسليح المليشيات حول العالم، وأكثرها فشلا. لا توجد في أي مكان على الأرض تجربة ناجحة لتسليح جماعة أهلية على أساس هويتها بهدف تقليل انتشار السلاح، لأن النتيجة المعروفة سلفا هي العكس تماما، السلاح يخلق مصلحة، والمصلحة تخلق اقتصادا، والاقتصاد يخلق قوة لا تعود إلى الثكنة، هذا ما حدث بالضبط، الرجال الذين سُلّحوا مؤقتا لحماية المسارات صاروا طبقة عسكرية كاملة، ذات اقتصاد غزو ونهب ومواش وسبايا، ولم تعد تحتاج إذنا من دولة ولا إشرافا من شرطة. والأخطر من ذلك أنّ التسليح لم يكن محايدا، فليس صحيحا أنّ المنازعات بين المراحيل والقبائل غير العربية في دارفور وكردفان بدأت مع حزب الأمة، بل كانت هناك دائما نزاعات على المياه والمراعي ومسارات الرعي، وكانت لها أعراف ومحاكم ودياتٌ تضبطها، لكن ما فعله حزب الأمة القومي أنّه كان أول حزب في تاريخ السودان يأخذ أحد أطراف هذه النزاعات التقليدية، ويسلّحه بسلاح الدولة الحديثة، ويعطيه صفة حكومية، وفي تلك اللحظة انتهى العرف، وانهار التوازن، وتحوّل خلاف على بئر إلى حرب أهلية مفتوحة، هذا الخلل البنيوي، لا السلاح نفسه، هو الجريمة الأصلية. يحتجّ البرير بأنّ تسليح القبائل يعود إلى عهد الفريق إبراهيم عبود عام 1963 عبر السلاطين، وأنّ "المراحيل" ارتبطوا بوحدات نظامية لحماية مسارات الرعاة بعد اتفاقية أديس أبابا، وهذا صحيح جزئيا، ولكنه حجة ضدّه لا له، لأن إذا كان حزبه يعرف أنّ هذه السياسة قديمة، وأنّ نتائجها كانت كارثية، فلماذا توسّعت فيها حكومته بدلاً من أن تُنهيها؟ الديمقراطية الثالثة جاءت على أكتاف انتفاضة شعبية، وكان مطلوبا منها أن تفكّ ما عقدته الأنظمة العسكرية، لا أن تورّثه وتوسّعه. أما الاحتجاج بانقلاب 30 يونيو 1989، وبأنّ نظام الحركة الإسلامية هو الذي وسّع التعبئة القبلية، ومنح المجموعات المسلحة التمويل والغطاء القانوني، وأدخلها حرب دارفور من 2003، فهذا كلّه صحيح، وليس فيه خلاف، إذ أن نظام الإنقاذ هو المسؤول الأول والأكبر عن تحويل الجنجويد إلى مؤسسة، ثم إلى قوات دفاع شعبي، ثم إلى حرس حدود، ثم إلى قوات الدعم السريع، لا أحد يُنازع في ذلك، لكنّ المجرم الأكبر لا يُبرّئ من قبله. الإنقاذ وجدت بنية قائمة، قبائل مسلّحة، وشبكات قيادة قبلية معتادة على التعامل مع الخرطوم، واقتصاد حرب ناشئا، وسابقة سياسية تقول إنّ الدولة يمكن أن تُقاتل بالأهالي بدلاً من جيشها، من بنى هذه الأرضية، ومن أدار آخر ثلاث سنوات قبل الانقلاب؟ أن تقول، غيري أكمل البناء، لا يعني أنك لم تضع الأساس يا الواثق البرير. حين يكتب البرير ويقول أنّ المجموعة التي سلّحها حزب الأمة، لم يتجاوز قوامها 500 فرد، فإنه يسهم بوعي أو بغيره في تقليل حجم الكارثة، لأن الجنجويد الذين دمّروا دارفور، وجدوا بنية قائمة، سهلت من زيادة العدد حتى تجاوز قوات الدعم السريع اليوم بمئات الآلاف. عزيزي القارئ.. أكثر ما يُفقد مقال البرير مصداقيته، هو ردّه على دعوة مناوي للمحاسبة، فهو يقبل المحاسبة شرط أن تكون شاملة ومن الاستقلال، وأن تبدأ بمراجعة مسار مناوي السياسي منذ أبوجا 2006، ومنصب كبير مساعدي البشير، وجوبا، وتأييد انقلاب 25 أكتوبر، والحياد ثم الانحياز ووو.. لا شكّ أنّ لمناوي سجلا يستحق المساءلة، فالرجل تحرّك بين المواقع والتحالفات بما يدعو إلى التساؤل عن ثبات مبادئه، ومن حقّ أي سوداني أن يحاسبه على ذلك، لكن المنطق البسيط يقول، يجب أللا يُستدلّ بأخطاء المُدّعي على براءة المُدّعى عليه، إذ المحاسبة التي تُشترط بأن تكون شاملة غالبا ما يكون مقصودها أن لا تحدث أبداً، لأنّ الجميع حينها شريك، والشراكة في الجريمة تُستخدم كصكّ غفران جماعي، وهذه هي المعادلة التي حكمت السودان لأكثر من ستين عاما: كلّنا متورّطون، فلا أحد يُحاسب. وأمّا تحذير البرير من الخلط بين ظاهرة الجنجويد والمكوّن العربي السوداني، ومن اختزال الأزمة في ثنائية عرب ضد أفارقة، فهذا كلام سليم وضروري، ويجب أن يُقال، لأن القبائل العربية في دارفور وكردفان ليست مسؤولة عن جرائم ميليشيا، وكثير منها دفع أثمانا فادحة، وفي الحرب الحالية هُجّرت قرى عربية ونُهبت كما غيرها، ولكنّ هذه الحقيقة لا تصلح درعا، فالذي أدخل العروبة والأفريقانية إلى قلب الصراع لم يكن مناوي ولا الكتّاب، بل كان قرار الدولة بأن تسلّح على أساس الهوية وتترك غيرها عاريا، ومن يفعل ذلك لا يحقّ له أن يشكو لاحقاً من تسييس الهوية. الفرصة التي أهدرها الواثق البرير كبيرة، كان يمكن أن يكتب مقالا يقول فيه: نعم، حكومتنا سلّحت المراحيل، وكان ذلك خطأً تاريخيا جسيما، وقد ندفع ثمنه حتى اليوم، ونعتذر لأهل بحر الغزال وجبال النوبة ودارفور وولخ. كان ذلك سيكلّف الحزب كثيراً في اليوم الأول، ويمنحه مصداقية لثلاثين عاما، وكان سيجعل من حزب الأمة القومي الحزب السوداني الأول الذي يجترئ على ماضيه، لكنه اختار أن يكتب مرافعة محام، وهذا هو الداء السوداني بعينه: نُخبة لا تعرف ثقافة الاعتراف، تُراكم الكوارث ثم تُراكم الأعذار، فتبقى الجراح مفتوحة لأنّ أحداً لم يُسمِّها. دارفور لا تحتاج قائداً يواجه المسؤولية ولا يهرب منها فقط، كما ختم البرير مقاله، بل السودان كلّه يحتاج نخبة تواجه ماضيها ولا تفتّش في دفاتر غيرها، وحتى يحدث ذلك، فإنّ أمثال الواثق البرير سيظلّون جزءاً من المشكلة لا من حلّها، وأشرف ما يمكن أن يقدّموه لبلدهم هو أن يقولوا الحقيقة كاملة أو ينسحبوا بصمت من ساحة لم يُحسنوا إليها شيئاً.
|
|