Post: #1
Title: هناك شخصيات تحتكر الخبرة والاحتكاك: وثيقة حوار يوسف أرسطو وأحمد أبو حازم كتبه يوسف ارسطو
Author: يوسف ارسطو
Date: 10-03-2026, 05:56 AM
05:56 AM October, 03 2026 سودانيز اون لاين يوسف ارسطو-السودان مكتبتى رابط مختصر
هناك شخصيات تحتكر الخبرة والاحتكاك: وثيقة حوار يوسف أرسطو وأحمد أبو حازم (نُشر بالملف الثقافي لصحيفة "العاصمة" - مارس 2008م) جماعة "مسرح السودان الواحد" أقامت العديد من الفعاليات في سبيل تحقيق أطروحاتها النظرية والعلمية، ومن هذه الفعاليات: ورشة التعبير الجسدي بكلية الموسيقى والدراما، وأسبوع المسرح والقضايا الحية بجامعة أم درمان الأهلية، والأيام المسرحية بولايتي النيل الأبيض وسنار، وعشرات العروض بعدد من الولايات، ونيف وستّون دراسة علمية تربط تقنيات الأداء بأفكار العروض والإبداع عموماً والفكر خصوصاً بالهموم القومية والوطنية، وذلك كمحاولة جادة لوضع أسس سليمة لممارسة الفعل الدرامي فيما تعرفه الجماعة بـ "إعادة تأسيس الدراما السودانية". في أروقة الفنونم والثقافة بصحيفة "العاصمة"، التقيتُ الأستاذ يوسف أحمد عبد الباقي، مؤسس ورئيس جماعة "مسرح السودان الواحد"، وخرجت منه بهذه الخلاصات: دع مفتاح حديثنا يبدأ باليوم العالمي للمسرح ومهرجان أيام البقعة المسرحية، ماذا يعني لك ذلك؟ بالنسبة ليوم المسرح العالمي، درج المسرحيون في جميع أنحاء العالم على الاحتفال بهذا اليوم، وهو يعتبر وقفة من قبل مسرحيي العالم وأصدقائهم مع المسرح وقضاياه. في الغالب يتم في هذا اليوم تناول ظروف المسرح والإشكالات التي تواجهه وكيفية النهوض بالظاهرة المسرحية ودفع مسيرتها في هذا العالم شديد التعقيد ومترابط الأبعاد. وقد كان المسرح دائماً يصدق الجميع؛ فعندما ظهرت ثورة المعلومات وانتشرت التقنيات الحديثة تخوّف البعض من انتهاء دور المسرح في ظل تحول العالم إلى قرية إلكترونية، ولكن التجربة نفسها أثبتت أن المسرح لن يموت وأنه سيستمر في أداء دوره المنوط به، بل هو الوحيد المعني بذلك. ويعزى هذا ربما لأن المسرح فنٌّ نابض وحي ومباشر بين المبدع والمتلقي، فالعلاقات الإنسانية لا تنتهي طالما بقي الإنسان على وجه هذه الأرض. هل تختلف الدورة التاسعة لمهرجان أيام البقعة المسرحية عن سابقاتها من حيث المضمون والدلالة؟ نعم، نوعاً ما تختلف هذه الدورة عن سابقاتها بأن هناك كمّاً من الفرق الأجنبية جاءت للمشاركة حسب ما ذكر؛ فهناك مشاركات من الغرب ومن الدول العربية، وهناك أربع عشرة فرقة من كينيا، وإثيوبيا، وتنزانيا، وتونس، ومصر، ولأول مرة تشارك فرق من أمريكا وأمريكا اللاتينية. وبالتأكيد فإن مثل هذه الفكرة هي عبارة عن خبرات من مختلف أنحاء العالم تفيدنا في الاحتكاك وتبادل التجارب ووجهات النظر الإبداعية. ترافق المهرجان دائماً فعاليات فكرية ونقدية تطبيقية؛ أما بالنسبة للفكرية، فأعتقد أنها في هذا العام كانت على درجة من الأهمية بمكان، لأنها تناقش قضايا جوهرية وتدفع بها نحو الأمام مثل: ثقافة السلام والتعايش السلمي بين الجماعات في إطار الوطن الواحد. أما بالنسبة للتطبيق النقدي، فهو يفيد في توضيح إشكالات العرض المسرحي وأين نقف الآن بإزاء العالم، وخصوصاً فإن المقارنة متوفرة بين المشاركين طالما هناك فرق أجنبية. وللحقيقة فأنا شخصياً أشكر القائمين على هذا المهرجان رغم تحفظاتنا على أن هناك شخصيات محدودة تقوم بالإدارة والإشراف، وبالتالي تحتكر الخبرة والاحتكاك، وتقبل أيضاً ودائماً فرقاً بعينها للمشاركة مما جعل ذلك أشبه بـ "اللوبي". فمثلاً، جماعة "مسرح السودان الواحد" شاركت بسبعة عروض من بداية المهرجان في إطاره التمهيدي، ولم تقبل اللجان أيّاً من هذه الأعمال رغم تأكيد النقاد المتخصصين بأنها من أميز العروض. ومع ذلك لم يُجاز منها أي عمل! برأينا في جماعة مسرح السودان الواحد، لو لم تكن العروض كذلك لما تورطنا بتقديم عمل هشّ على المستويين الفكري والفني، ولكن أعتقد أن هذا الأسلوب يعزز من دور مجموعات محددة ومعروفة سلفاً للجميع، أو على الأقل لعلم القائمين على أمر هذا المهرجان بطموحاتنا في إبراز مسرح حقيقي ومختلف يخرج من معطفه عشرات المبدعين كدماء جديدة ونوعية تُضخ في شرايين مجالات المسرح المختلفة، وتدفع بأفرادها لمنطقة الإضاءة والإضافة الحقيقية لقيادة المشهد المسرحي، وهذا لا يسرّ البعض. لا نزال حتى الآن لم نشاهد سوى أربعة عروض من بين العروض المنتخبة لأيام المهرجان، ما هو رأيك فيما قُدّم حتى الآن؟ العروض التي قُدّمت حتى اليوم الاثنين 30 مارس هي أربعة عروض؛ منها ثلاثة للتنافس والرابع عرض خاص بالافتتاح. ويُلاحظ أن هذا العام بالنسبة للعروض السودانية -على وجه الخصوص- ضعيفٌ فنياً وفكرياً، وليس هذا من عندي وحدي بل هو الرأي السائد الذي انطلق منذ المشاهدات الأولى لعروض المهرجان، وأي مجهود يُبذل إنما هو محاولة لترميم وليس للإضافة. وكذلك الدراسات النقدية التي قُدّمت هي الأخرى ضعيفة، وأغلبها قائم على التقرير الوضعي والمجاملة، وهذا لا يطوّر من عجلة المسرح شيئاً. وغير هذا وذاك، تكرار النقاد وتكرار المقولات النقدية وتشابه المداخلات. ولكن أعتقد أن في هذا العام هنالك ثمة إيجابيات يجب ذكرها؛ فالمنتدى الفكري كان جاداً ومفيداً وملفتاً أيضاً لأنه أتى بمتحدثين كنا نود أن نسمع رأيهم فيما يخص المسرح والثقافة بشكل عام. فكانت ورقة الدكتور أمين حسن عمر (وزير الدولة بالثقافة) الإضافة النوعية لهذا المنتدى، وكانت من أميز الأوراق التي قُدّمت. والشيء الذي عزز هذه الورقة هو اتفاق الجميع حولها على مختلف مشاربهم الفكرية، فكان اتفاق السيد ياسر عرمان مع مجمل مقولاتها، وتفاعل الحضور كذلك مع منطلقاتها. وهي في مجملها كانت ورقة عالية المستوى، وممتعة، وإضافة، إلى كونها مقنعة إلى درجة كنا نتساءل فيها: "إذا كان سياسيونا هكذا يفكرون ويتفقون في الرؤى، لماذا نختلف؟". وأنا أقترح هنا أن يتجهوا إلى التفكير والتنظير في القضايا الثقافية بما يمتلكونه من عمق ووعي وقدرة على التفكير والتأمل والملاحظة وطرح الأفكار. هناك ملاحظة أخرى لا بد من طرحها هنا، هي أن الورشة الفنية التي تقوم بتصميم الديكور والأزياء متخصصة، ولا يمكن أن نحدد ونعرف لمن هذا الإبداع، وهل تعدد الرؤى في الديكور والأزياء يعدّ خصماً على العمل أم إضافة أخرى له؟ وهل هذه فكرة المشرف على الورقة الفنية أم هي رؤية المخرج أم المؤلف؟ وإلى أي مدى تخدم تفاصيل العروض؟ هي مجمل أسئلة تطرح نفسها من خلال ما رأيناه فيما يختص بعمل الورشة الفنية. دعنا نخرج من مهرجان أيام البقعة المسرحية لنندلف مباشرة إلى بعض مشاريع ومشاركات جماعة مسرح السودان الواحد؛ فقد قامت الجماعة منذ أيام خلت من هذا العام بمشروع ("النويلة" أيام المسرح والتعليم)، حبذا لو تعرّفنا على ملامح هذا المشروع؟ مشروع "النويلة أيام المسرح والتعليم" هو مشروع أقامته الجماعة بالتعاون مع رابطة طلاب النويلة بالجامعات والمعاهد العليا، واشتركت معنا في تنفيذه "جماعة ناس حول المسرح" وهي فرقة مسرحية من جنوب السودان، ومجموعة من المنظمات الأهلية والتربوية، ومركز الشباب، ورابطتا مزارعي النويلة والجزيرة والمناقل، واللجنة الشعبية، ولفيف من الخيرين من أبناء المنطقة والأصدقاء. ومما يجدر ذكره هنا أن المشروع جاء مواكباً لاحتفالات منطقة النويلة بمئوية التعليم بالمنطقة، فقد افتُتحت أول أسبوع/مدرسة بهذه المنطقة عام 1903م. هذا عن المشروع والمشاركين في تنفيذه، ماذا عن طبيعة المشروع نفسه وما اشتمل عليه من أعمال؟ احتوت الأيام على عروض مسرحية واستعراضية قدمتها جماعة "مسرح السودان الواحد" و"ناس حول المسرح"، وكذلك التحاور والتدارس حول ثماني دراسات تساءلت عن هموم المسرح والتعليم ودورهما في تهيئة الأجيال الناشئة وطنياً وإنسانياً. كما حظي التصوف والتربية الصوفية باهتمام خاص. يُذكر أن الأيام الاحتفائية هذه تخللتها عملية جمع معلومات عن التعليم بالمنطقة والنهضة التعليمية المبكرة والتي أثرت إيجاباً على إنسان المنطقة والمناطق المجاورة؛ حيث تم جمع حوالي 86 شريط تسجيل كاسيت من كبار السن والأعيان والقيادات الشعبية والدينية، والتي يمكن أن تُصنّف في حقل الأنثروبولوجيا الثقافية، وذلك بغرض البحث عن "النويلة: الإنسان والأرض والتفاعل". وسوف تقوم الجماعة بنشر الأوراق التي قُدمت في كتاب بعنوان (النويلة: أيام المسرح والتعليم)، كما ستُنشر المواد المجمّعة كما هي بعنوان (النويلة: الإنسان والأرض والتفاعل الاجتماعي)، وهناك كتيب يتضمن المشروع ليوضح المساهمات الفردية والأسرية والراعين للمشروع والإخفاقات وشهادات حول الفعالية بعنوان (النويلة: تقارير أيام المسرح والتعليم). كما أن جماعة مسرح السودان الواحد سلّمت قيادات المنطقة مخططاً مرسوماً لإنشاء مسرح علمي وعينات لإنشاء مكتبة عامة تبرعت فيها الجماعة بعدد 350 عنواناً ليستفيد منها إنسان المنطقة ويتواصل مع غيره في المحيط. "النويلة: أيام المسرح والتعليم" أحد مشاريعكم الرائدة والمهمة كونكم شباباً مسرحيين تهتمون بقضايا تعليمية وتربوية وتمدين الارياف، ماذا عن طموحات جماعة مسرح السودان الواحد، خصوصاً مشروعكم الموسوم بـ (إعادة تأسيس الدراما السودانية) بما يخدم المجتمع؟ الراهن الدرامي والمسرحي جريمةٌ ساهم فيها الكل؛ فالجمهور والمسرحيون ركنوا للعمل في المدن وجهلوا إنسان الريف، بل وأذعنوا للتكلس وعدم الحركة اللهم إلا بصورة موسمية فقط. وهناك حفنة من الانتهازيين وذوي العقليات المصلحية والفردية ساهمت في تأطير المسرح على أنه مرتبط بإنسان المدينة دون غيره، فبرزت مجموعات "المنكّتاتية" ومجموعات "مسرح المؤخرة"، وهؤلاء تعوزهم المعرفة والبعد عن القضايا الحية؛ حيث يتسم عملهم المكسبي بالوقتي واللحظي وغير المنتج. أما المؤسسات المعنية فهي مشاركة في الجريمة لأنها ارتبطت بهؤلاء النفعيين والسكوت عليهم مقابل المرتبات والعيش على امتيازات باسم المسرح والدراما، وأضحوا كائنات لاذعة وقاتلة لكل من يقترب من مناطق نفوذها. أما المسرحيون أنفسهم، فجرمهم ينبع من أن أغلبهم ساهم في هذا الواقع؛ لأن بعضهم لديه محاولات الوصول دون أدنى مجهود، وبعضهم هرب إلى جهة أخرى، والبعض الآخر توقف عن الفعل الدرامي، ومن تبقى منهم أضحى يأكل بعضُهم بعضاً. أما الإعلام عموماً والصحافة خصوصاً، فلا يعني لها المسرح شيئاً. نود هنا أن تحدثنا عن النشاط الذي صاحب فعاليات مشروعكم في منطقة النويلة والأوراق التي قُدّمت والبحوث التي أُجريت، لأننا ألفنا في الفرق والجماعات أنها تكتفي بالعروض فقط، وما هو هدف الجماعة من ذلك؟ ذكرنا أن جماعة مسرح السودان الواحد قدمت خلال أيام المهرجان ثماني أوراق، هذه الدراسات والأوراق جميعها تصب في عدة مواضيع ولكن نعتقد أنها تصب في قضايا التعليم؛ فمنها مثلاً: (المسرح والتعليم)، (التعليم والتربية الوطنية)، (المسرح وقضايا النوع)، (التصوف والتربية الصوفية)، (التعليم وبناء الشخصية)، (فلسفة أيام المسرح والتعليم)، و(تعليم المرأة بالنويلة). ويُلاحظ في عناوين هذه الأوراق أنها تهدف للفت النظر والوقوف عند العلاقة الجدلية بين المسرح والتعليم، والوقوف على هذه القضايا ومعرفتها، وعلى دور المسرح والتعليم فيهما، وأين دور المسرح والفنون في التربية الوطنية ومشاكل وقضايا النوع وكل القضايا التي تُثار، وما هو راهن التعليم في السودان عامة وفي منطقة النويلة بصفة خاصة؛ خصوصاً أن التعليم بها أكمل قرناً ونيفاً من السنوات. وما هي الإشكالات الحقيقية التي يجب على المسرح أن يقوم بعرضها؟ إنها مجموعة أسئلة حاولنا إثارتها بقصد ووعي من واقع اهتماماتنا الإنسانية والوطنية والتقنية والإبداعية. وهكذا دائماً اهتمامات جماعة "مسرح السودان الواحد"؛ فهي ليست جماعة يقتصر دورها واهتمامها على تقديم العروض المسرحية فقط والاكتفاء بذلك رغم أنها جماعة متخصصة في الدراما وفنونها، لكنها تضع الدراسات والبحوث وتقيم الورش بغرض دفع عملية الوعي والاستنارة، وهذا لا يتوافر دون العمل البحثي والعلمي كمحددات للعروض التي تقدمها الجماعة والأهداف التي تنشدها. ويمكن أن نقول إن الأهداف التي ترمي إليها الجماعة هي حزمة من الأهداف يمكن أن يستخلصها الباحث من خلال ورقتنا (النويلة: أيام المسرح والتعليم)، لكن الهدف الخاص جداً هو الكمّي والنوعي من الدراسات والبحوث التي تحضّ الدولة والتربويين على إدخال المنهج المصاحب للمنهج المدرسي، والذي كان موجوداً في السابق بحيث ساهم الطلاب أنفسهم في المسألة التربوية عن طريق المسرح والموسيقى والفنون والنشاطات المختلفة، وألا يكون التعليم بنكياً (تلقين وحفظ). إضافة إلى تسليط الضوء على منطقة النويلة كمنطقة إشعاع معرفي واستنارة دفعت للوطن بآلاف الكوادر فيما يخص التعليم الحديث، وأغلبهم يشتغل بالتعليم وتحفيظ القرآن ودراسة علومه. فالإمام المهدي قام بفتح خلوتها الثانية (خلوة الفكي عمر)، كما زارها الإمام الصادق المهدي، والسيد الصديق المهدي، والزعيم إسماعيل الأزهري، والرعيل الأول من رواد الغناء الحديث والمسرح في السودان؛ منهم: الكاشف، وإبراهيم عوض، وسيد خليفة، وأحمد المصطفى، وعثمان حسين، والعديد من الفرق والجماعات الفنية والمسرحية.
يوسف ارسطو
|
|