في حضرة حيدر ... كتبه محمد محمود

في حضرة حيدر ... كتبه محمد محمود


10-01-2026, 10:05 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1790888749&rn=0


Post: #1
Title: في حضرة حيدر ... كتبه محمد محمود
Author: محمد محمود
Date: 10-01-2026, 10:05 PM

10:05 PM October, 01 2026

سودانيز اون لاين
محمد محمود-UK
مكتبتى
رابط مختصر







بغياب حيدر إبراهيم علي نفقد عقلا باحثا لم يفتر عن إثارة السؤال والبحث عن الجواب وصاحب بوصلة ظلّت دوما تشير لأفق التغيير. وإن كنّا نبحث عن حيدر فقد كفانا المؤونه بأن وضع المفتاح في أيدينا عندما فتح عقله وقلبه في سيرته الذاتية التي حملت عنوان: أزمنة الريح والقلق والحرية (2015).
نشأ حيدر في بيئة سكن شعبي بحكم عمل والده في الشرطة، وكانت حياة "الإشلاق" ذات أثر عميق على شخصيته، إذ أتاحت له تجربة جماعية تقوم على التضامن والمشاركة، الأمر الذي جعله يقول إنه لم يتعلم الاشتراكية أولا من الكتب، بل عاش بعض قيمها ثم سعى إلى فهمها نظريا. وكان محظوظا أنه وعلاوة على فرصة التعليم النظامي وقع في غرام القراءة وارتبط بها ارتباطا استثنائيا ورأى في الحروف والكلمات مفاتيح لعوالم جديدة. وهكذا أصبح التثقيف الذاتي بالنسبة له طريقا موازيا للتعليم الرسمي، بل تحول تدريجيا إلى نهجه المعتمد لإعادة بناء الذات وتوسيع أفقها.
وكان للكاتب المصري سلامة موسى دور حاسم في اختمار هذه العملية وحيدر يدخل مرحلة الشباب ويخطو في اتجاه نضجه الفكري. ولقد أعتبره حيدر بحق "أباه الروحي" الذي فتح وعيه على قضايا الحرية والاشتراكية وحقوق المرأة، علاوة على تلك النظرية ذات المنظور المزلزل — نظرية التطور. وإذا اعتبرنا أثر سلامة موسى وخاصة فيما كتبه عن جورج برنارد شو والاشتراكية الفابية في نهاية الأمر أثرا بريطانيا، فإننا نجد أن حيدر قد انفتح على أثر هام آخر هو الأثر الألماني المتمثّل في الماركسية، كما انفتح على الأثر الفرنسي مثمثّلا في الفلسفة الوجودية التي حمل لواءها جان بول سارتر. وكان هذا الأثر الأخير ذا بصمة خاصة في تكوينه لأن الوجودية قدمت له تصورا للإنسان بوصفه وجودا ومشروعا مفتوحا لا ماهية ثابتة ونهائية. فالإنسان، وفق هذا التصور، يصوغ نفسه من خلال اختياراته ويتحمّل مسؤولية حريته التي هي قدره، ولا يكتسب وجوده الأصيل إلا بمواجهة الواقع وبالسعي إلى تغييره. ولقد لامست هذه الدعوة إلى الحرية نزوعا أصيلا في شخصية حيدر، فتحولت إلى بوصلة أخلاقية رافقته طيلة حياته.
ومن اللافت أن الطريق الذي شقّه حيدر في سنوات شبابه الأولى قاده بعيدا عن تيارات الفكر الإسلامي، وبخاصة فكر الإخوان المسلمين، الذي كان ولا يزال حاضرا بقوة في الساحة الفكرية في مواجهة التيارات الأخرى وعلى رأسها الماركسية. غير أن الإسلام لا يختزل في تيار فكري أو موقف أيديولوجي إذ أن هناك أيضا الإسلام بوصفه واقعا ثقافيا. وهذا يقودنا لأثر الإسلام في حياة حيدر في طفولته الباكرة وإلى عالم مختلف عن عالم الأفكار والنظريات — عالم الأسرة والذاكرة. وفي قلب هذا العالم يبرز جده لأمه، أحمد، كشخص ذي حضور وأثر خاص على تكوينه. وعن جده يقول: "لم يكن درويشا أو مشعوذا بل مثقفا قرويا … فقد كان شديد الارتباط بالواقع ويفهمه جيدا. وكان يقرأ مجلة (الرسالة) المصرية ... في تلك القرية النائية [القُرَير]. وقد يكون هذا من تأثير المدينة التي عمل فيها أثناء فترة الجندية. وكان لديه العديد من كتب الفقه والسيرة. ومن تميزه أنه رغم غلبة الطريقة الختمية عدديا في البلد، فقد كان الأحمدي أو الإدريسي الوحيد في القرية. وكان موكب احتفالات الختمية السنوية (الحولية) حين تمر أمام منزلنا تتوقف قليلا، ليردد بعضهم منذرا ومهددا "يا منكرين فويلكم"". وعن أثر موقف الجدّ هذا يقول: "وقد كان ذلك هو الدرس الأول في تربيتي مبكرا على عدم تهيّب وخشية الاختلاف، ومفارقة القطيع، ونسق الفكر الجمعي". ولعل أكبر تقدير عبّر به الحفيد عن دَينه للجد هو إهداؤه رسالته للدكتوراة له قائلا: "إلى جدي أحمد بابكر، الشاعر، والفكي، والجندي، والمزارع". وهو قد حمل دائما في جوانحه تعلقّا بالجد إلى حدّ أنه يقول: "وأحيانا، أتمنى لو أنني قد كنته … لكفاني ذلك كل هذا القلق، والاغتراب والغربة، والرياح التي ظلت تتجاذبني … ". بيد أن المطاف انتهى بحيدر أن يكون جدّه على مستوى معين عندما قرر أن يختطّ دربا يخرج على المسلمات الجمعية ويفارق القطيع رغم ما عناه هذا من قلق واغتراب.
إلا أن ما شكّل منعطفا حاسما في مسيرة حيدر الشخصية والفكرية كان تجربة أوروبا، وفرانكفورت على وجه الخصوص. وعندما وصلها كانت فرانكفورت لا تزال تعيش على وقع تحولات عام 1968 وصعود اليسار الجديد. وفي هذا المناخ وجد في مدرسة فرانكفورت، ولا سيما في أفكار هربرت ماركوزه، مصدرا هاما أسهم في توجيه اهتماماته وإنضاج وعيه الفكري. ولقد وجد في الحال أن هذا المناخ الأوروبي يلتقي إلى حد بعيد مع تطلعه كشاب أفريقي وعربي للتحرر من إرث الماضي ومن الآثار التي خلّفها الاستعمار. ومن ثم، لم تكن فرانكفورت بالنسبة له مجرد مكان لإتمام دراسته والحصول على الدكتوراة، وإنما كانت أيضا تجربة متكاملة تحمل وعد إعادة تشكيل حياته الفكرية والسياسية إذ تداخل فيها البحث الأكاديمي مع النشاط السياسي ومع الانخراط في قضايا التحرر والتضامن. ولقد كان من الطبيعي أن ينظر لتلك المرحلة فيما بعد بوصفها ميلادا ثانيا في حياته.
وعندما عاد حيدر للوطن في أواخر السبعينيات وجد نفسه في مواجهة واقع سياسي واجتماعي واقتصادي بلغ تردّيا أحال السودان لوطن طارد، مما اضطره للاغتراب المتكرّر الذي طبع باقي حياته. إلا أن هذا الاغتراب لم يتحول عنده إلى انسحاب من الشأن العام. وهكذا ركّز بهمّة ونشاط على عمله البحثي وامتدّ عمله من الدراسات الاجتماعية ونقد الإسلام السياسي إلى التأصيل النظري والتاريخي للديمقراطية السودانية. ودفعه عمله للتفكير في اتجاه العمل المؤسسي، وكانت الثمرة هي تأسيس مركز الدراسات السودانية عام 1992. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية وما يزيد تطوّر المركز ليصبح أهمّ صرح تنويري في الحياة الثقافية السودانية. وأصدر المركز العشرات من الكتب والمطبوعات وأقام العديد من المؤتمرات والندوات وأصبحت مجلته كتابات سودانية أطول المجلات السودانية عمرا.
ولعل السؤال الذي يثور ونحن أمام هذا الدفق المتواصل هو: ما الذي يدفع مثقفا ذا تأهيل أكاديمي إلى اختيار الطريق الأصعب إذ لا يكتفي بعمله البحثي وإنما ينخرط في نفس الوقت في الشأن العام بدلا من الاكتفاء بحياة أكاديمية مستقرة؟ تكمن الإجابة في تصوّر خاص لدور المثقف يعبّر عنه قول ماركس في أطروحاته عن فيورباخ: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره." وقد عبّرت هذه الفكرة عن نفسها لاحقا في مفهوم "المثقف العضوي" عند غرامشي، و"المثقف الملتزم" عند سارتر، و"المثقف العام" عند إدوارد سعيد. والمشترك بين هذه المفاهيم هو أن المثقف لا يكتفي بإنتاج المعرفة داخل المؤسسة الأكاديمية، بل يتخذ من المجال العام فضاء لمساءلة السلطة والأفكار السائدة والدفاع عن القضايا التي يؤمن بها، ومن ثم يغدو المثقف وسيطا بين المعرفة والمجتمع، وصوتا نقديا يسعى إلى كشف ما تحاول السلطة أو الأيديولوجيا حجبه. والمثقف بذلك يرفض الفصل بين المعرفة والمسؤولية، وبين الكتابة والمشاركة في صياغة العالم (وكأنه يقول مردّدا مع محمد المكي إبراهيم: "من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياة القادمة").
وهكذا فإن منطلق حيدر كمثقف ملتزم عنى أن الكتابة عنده لم تكن نشاطا مهنيا أو ترفا ذهنيا، ولم تكن استعراضا للمعرفة الأكاديمية بل نشاط هادف يرتبط بموقف فكري وبالتزام اجتماعي. وهكذا ظل يجمع بين الكتابة المتخصصة الموجهة إلى الباحثين والكتابة العامة التي تستهدف توسيع دائرة النقاش الفكري. وفي الحالتين تظل المعرفة عنده مرتبطة بالسؤال الأهم: كيف يمكن للمثقف أن يسهم في تغيير الواقع؟
والالتزام عند حيدر يكتسب بعدا أخلاقيا يتجاوز الانتماء السياسي الضيق. وهكذا وعلى الرغم من وضوح مواقفه السياسية، فقد اختار أن يحافظ على استقلاله الفكري، ولم يجعل انخراطه في قضايا المجتمع مرهونا بالانتساب الحزبي. فالحرية والمساواة والعدل ورفض استغلال الإنسان للإنسان ليست، وفق هذا التصور، مجرد شعارات سياسية، بل هي قيم أخلاقية تشكل الأساس الذي ينبغي أن تنبني عليه السياسة. ومن ثم لا يصبح التغيير السياسي ذا معنى تحرري إلا عندما يستند على تحرير الإنسان من القهر والاستبداد وإعادة بناء وعيه بقدرته على الفعل.
سيظلّ حيدر حيّا بيننا بكلماته وبقيمه وبمواقفه.

(تنويه) استندت في كتابة هذا المقال على مقالين نشرت أولهما في مايو 2014 بعنوان "حيدر إبراهيم علي: المثقف الملتزم"، وكان الثاني عن سيرته الذاتية أزمنة الريح والقلق والحرية، ونُشر في سبتمبر 2015.

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم وبكلية الآداب والعلوم بجامعة تفتز (بوستون، الولايات المتحدة)، ويعيش الآن في المملكة المتحدة.