Post: #1
Title: الكوز: المسبة التي تحمل عارها الأبدي كتبه الصادق حمدين
Author: الصادق حمدين
Date: 10-01-2026, 11:17 AM
11:17 AM October, 01 2026 سودانيز اون لاين الصادق حمدين-UK مكتبتى رابط مختصر
كلمة "كوز" لم تعد، في قاموس السياسة السودانية، مجرد كلمة عابرة أو وصف يمكن أن يمر بلا أثر، فقد أصبحت مسبة ذات حمولة اتهامية مكتملة الدوافع والأركان، تحمل في خزين الذاكرة الشعبية والسياسية كل ما ارتبط، في نظر الشعب السوداني، بالفساد والافساد والمحسوبية و"الشذوذ" بقدر ما تحمل هذه الكلمة الأخيرة من تفسير أو تحتمل من معاني سالبة.
فكلمة كوز هي نظير الواسطة والتمكين واستغلال السلطة والنفوذ، بل وما نسب إلى الكيزان من انتهاكات وجرائم جسيمة وصلت لحد الإبادة الجماعية. إنها كلمة لا تحتاج إلى شرح طويل؛ يكفي أن تُلقى على شخص حتى تفتح وراءها أبواباً واسعة من جحيم الاتهامات والمرارات.
والكوز، في هذا الخطاب، كائن يبيع للفقراء وعود الجنان ونعيمها في السماء، بينما يسعى إلى اقتناص نعيم الدنيا على الأرض؛ يتحدث عن الزهد وهو يطلب السلطة والتمكين، وعن الفضيلة وهو يمارس ال################ة. وعن القناعة والرضا وهو يمارس الجشع والطمع. وعن الطهر وهو يمارس النجاسة في اقبح صورها.
والكوز، في جوهر حكايته، ليس سوى بذرة سفاح سياسي، خرج من نطفة محرّمة واستقر في رحم موبوء بالرزايا والآثام، فكان مآله أن يولد لقيطاً سياسياً منغلقاً على ذاته، يطارده ماضيه المخجل أينما حل وارتحل، ويظل انتماؤه إلى ذلك التنظيم وصمة عار لا يستطيع التنصّل منها. والكوز يتزيّن في ظاهره بثوب الطهر والعفاف والتقوى، بينما يكشف باطنه عن مستنقع آسِن من القذارة السياسية والأخلاقية، حتى ليعجز قاموس الأرض، بما فيه من ألفاظ ومعان، عن الإحاطة بما يختبئ وراء ذلك القناع من تناقض وانحطاط. ونفاق.
ولذلك أصبحت الكلمة، عند خصومه السياسيين وعامة الشعب، سبة تحمل عارها الأبدي معها؛ فإذا أردت أن تذم أحداً أو تشتمه أو تنسب إليه الانتماء إلى تلك المنظومة الشيطانية، لم تجد أوجز ولا أبلغ من أن تقول: "فلان كوز". وحتى الأطفال يجهشون بالبكاء في حالة نعتهم بالكوزنة أعزكم الله، لأنها كلمة يستقذر من سماعها حتى من كان به جهل طفولة.
ولهذا ظلت الكلمة ثقيلة على من التصقت بهم، وخاصة في عنفوان ثورة ديسمبر المجيدة حاول الكيزان عبثاً التنصل منها والفرار من ظلها - ولكن أين المفر سيمائهم في وجوههم-، قبل أن تعود إلى الواجهة بصورة أكثر إثارة للجدل عندما أُشير إلى إدراج كلمة "كوز"، مثالاً لمفردة تبدأ بحرف الكاف في كتاب اللغة العربية المعدل لتلاميذ الصف الأول الابتدائي. وواضح من خبثهم ومكرهم أن المسألة ليست مجرد اختيار كلمة، وإنما محاولة لتطبيع مفردة ذات حمولة سياسية، وغرسها في عقول الأطفال بوصفها كلمة بريئة وعادية، مثل "خاء: خروف"، وحرف الجيم مثل كلمتي جذع وجمل.
وقد تصدى كتاب ومعلمون لهذا الأمر، وصدرت مواقف وبيانات رافضة لما اعتُبر محاولة لهيمنة الإسلاميين على وعي الأجيال القادمة. فالمعركة هنا، في نظر معلمينا وأساتذتنا الأجلاء، ليست مع كلمة في كتاب مدرسي، وإنما مع الذاكرة نفسها: من يملك حق تسمية الأشياء، ومن يملك حق إعادة كتابة المعاني في عقول الصغار.
وهكذا أصبحت كلمة كوز أكثر من مجرد لفظة؛ أصبحت، في الوعي السياسي السوداني، مسبة تحمل عارها الأبدي، تختصر تاريخاً من الصراع والاتهامات والمرارات، وتستدعي بمجرد نطقها صورة منظومة سياسية كاملة بما ارتبط بها من ممارسات ووقائع مؤلمة في ذاكرة الشعب السوداني. وربما لهذا السبب بالذات ظلوا يهربون من الكلمة، بينما ظلت الكلمة تطاردهم في نومهم ويقظتهم. وفي حلهم وترحالهم، فالكوز كوز لو حفُ "دقنه"، وترك شاربه، وغير بسمته الماكرة.
|
|