Post: #1
Title: مناوي في نيويورك: شهادة دارفور تخترق صمت الأمم المتحدة كتبه ادم أبكر عيسي
Author: ادم ابكر عيسي
Date: 10-01-2026, 08:15 AM
08:15 AM October, 01 2026 سودانيز اون لاين ادم ابكر عيسي-السودان مكتبتى رابط مختصر
أصداء الوعي
Adamruk55@gmail.com
في سبتمبر 2026، انعقدت الدورة الثانية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة وسط ظل غياب ثقيل؛ إذ رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة للفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، فحُرم السودان من منصته في أعلى محفل دولي. غير أن هذا الفراغ، الذي صنعته القوة العظمى، أفسح المجال لصوت قادم من أطراف السودان ليجد صدى غير متوقع: ميني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، الذي حضر عضوًا في الوفد السوداني، ووقف على منصة المنتدى العالمي للعدالة العرقية في الذكرى الخامسة والعشرين لإعلان ديربان. وهكذا تجاوزت زيارته مجرد المشاركة الدبلوماسية، واكتسبت طابع «الشهادة» التي تخترق الصمت المفروض.
حمل خطاب مناوي ثقلًا قانونيًا وأخلاقيًا مزدوجًا حين وصف حرب قوات الدعم السريع بأنها «تطهير عرقي وثقافي واستهداف ممنهج للهوية السودانية». ولم يكن هذا الاتهام بلاغة معزولة؛ فقد أكدت بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق أن أفعال الدعم السريع في الفاشر تحمل «خصائص الإبادة الجماعية»، ونقلت عن ناجين قولهم إن العناصر المهاجمة أعلنت صراحة: «سنقضي على كل السود في دارفور». وتكمن عمق رؤية مناوي في وضعه هذه الفظائع ضمن منطق تاريخي أطول، محذرًا من أن خطاب الكراهية «لم يعد مفهومًا نظريًا بل سلاحًا فتاكًا». فالتطهير الثقافي والتطهير العرقي وجهان لعملية واحدة: إفناء العلامات الثقافية والجذرية لجماعة ما تمهيدًا لإفنائها المادي، ثم توسيع الهجوم ليشمل «الهوية السودانية» ذاتها؛ لأن الحرب لا تقتل الناس فقط، بل تحاول قتل فكرة العيش المشترك لدى أمة بأكملها.
غير أن أهمية زيارة مناوي تتجاوز الكلمات إلى الحضور نفسه كإشارة سياسية. ففي ظل رفض تأشيرة البرهان، شكّل ظهوره مفارقة دبلوماسية: عملية سعت لعزل السودان على أعلى مستوى، وجّهت الانتباه بدلًا من ذلك إلى أعمق جراحه الداخلية. والأعمق من ذلك أن حضوره أنجز انقلابًا في السرد من الهامش إلى المركز؛ فدارفور، التي طالما ظهرت رمزًا «للضحية» في الخطاب الإنساني العالمي، تجلّى قائدها هذه المرة فاعلًا سياسيًا يحمل شهادة ويطرح مطالب قانونية وأخلاقية. لقد استخدم تجربة دارفور لمساءلة صدق المجتمع الدولي، مقترحًا ثلاثة مسارات متكاملة: المساءلة التاريخية والعدالة التعويضية، والاستثمار في التعليم، وتعزيز المسؤولية الدولية لحماية المدنيين وصون التنوع؛ إطارًا يمتد من الماضي الاستعماري إلى المستقبل عبر الحاضر، رافضًا استخدام «القدر التاريخي» ذريعةً للتخلي عن مسؤولية الفعل.
وفي جو يلفّه الضباب الخطابي، حيث يزعم قادة الدعم السريع محاربة «الإرهابيين» بينما ترتكب قواتهم عنفًا منهجيًا، تكمن قيمة خطاب مناوي في وضوحه النادر. فقد صنّف الأفعال بلا لبس، رافضًا إغراء «تسييق» الفظائع لتخفيف ثقلها الأخلاقي، وواجه قضية «الهوية» مباشرة بدلًا من تجنّبها. وهذا الوضوح ليس تبسيطًا للصراع، بل رفض للتغاضي عن العنف باسم «التعقيد».
ولم تقتصر جهوده على المنصة الأممية؛ فقد شارك في الندوة الوطنية التي نظمتها رابطة أبناء دارفور في نيويورك، حيث تناول واقع السودان في ظل الحرب، والتحديات الإنسانية والسياسية والأمنية التي تواجه البلاد، إلى جانب فرص تحقيق السلام وآفاق الوصول إلى حل سياسي يحفظ وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه. وأكد أن إنهاء الحرب يتطلب إرادة سياسية جادة، ومعالجة جذور الأزمة، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وفتح الطريق أمام حوار (سوداني–سوداني) شامل دون إقصاء أو تهميش، وصولًا إلى سلام مستدام وبناء دولة سودانية موحدة ومستقرة.
كما التقى مناوي مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص إلى السودان، بيكا هافيستو، حيث جرى نقاش مقترح الهدنة المطروح، والأوضاع السياسية والإنسانية والأمنية في السودان وإقليم دارفور. وأوضح بوضوح أن الهدنة لا ينبغي أن تكون مدخلًا لشرعنة ما يسمى جزافًا «حكومة تأسيس»، أو لتكريس واقع سياسي يقوم على إنشاء سلطة موازية للدولة السودانية؛ فالدولة لا تقوم من دون شعب، ولا يمكن أن تُبنى شرعية أي حكومة على حساب المواطنين أو بعيدًا عن إرادتهم. وشرح أن دارفور تضم ما يقارب اثني عشر مليون مواطن، وأن أكثر من ثمانية ملايين من أبنائها أصبحوا اليوم خارج الإقليم، بين نازحين داخل السودان ولاجئين في دول الجوار. وفي وقت يتحدث فيه البعض عن ترتيبات سياسية جديدة، يعاني المواطنون الأصليون داخل الإقليم واقعًا بالغ القسوة؛ إذ يُحتجز منهم ويُمنعون من السفر أو مغادرة مناطقهم، حتى أصبحوا في بعض المناطق أشبه بالرهائن في وطنهم. كما أوضح أن الدولة السودانية فتحت أبوابها أمام المنظمات الدولية والإنسانية والإغاثية لتقديم المساعدات للشعب السوداني، وأنه إذا وُجدت عوائق حقيقية أمام وصول المساعدات الإنسانية، فالمسؤول عنها هي مليشيا الدعم السريع.
وعلى هامش اجتماع الجمعية العامة، كان لمناوي لقاء مع وزير الشؤون الخارجية للاتحاد الروسي، سيرغي لافروف، بحثا فيه تطورات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان، إلى جانب التطورات الميدانية، وقرار منع رئيس مجلس السيادة من دخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وملف القرار الأممي 1591 وحظر السلاح على دارفور، فضلًا عن سبل دعم السلام والاستقرار وسيادة السودان.
وهكذا أنجزت زيارة مناوي «شهادة» مهمة: التطهير العرقي سُمّي باسمه، والجناة حُدّدوا، وشهادات الناجين سُجّلت، والأطر القانونية استُشهد بها. وكل ما يأتي بعد ذلك لا يعتمد على نقص المعلومات بل على نقص الإرادة. فمأساة السودان، كما ألمح مناوي، قديمة قدم قضية العدالة العرقية العالمية؛ وجراح الاستعمار لم تلتئم بعد. وعندما يروي صوت من دارفور في نيويورك حكاية التطهير العرقي، فإنه يسأل في الوقت نفسه: خمسة وعشرون عامًا على إعلان ديربان، ماذا تغيّر فعلًا؟ ربما لا توجد إجابة سهلة، لكن حضور مناوي أثبت على الأقل أن الشهادة، حتى في زمن الإمبراطوريات الصامتة، يمكن أن تُقال؛ وبمجرد أن تُقال، يصبح التغاضي خيارًا واعيًا لا مجرد جهل.
|
|