Post: #1
Title: فصل المسار الأمني عن السياسي.. مقاربة جديدة أم إعادة تدوير للأزمة في السودان؟* زهير عثمان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 09-30-2026, 08:07 PM
08:07 PM September, 30 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
قراءة في مخرجات اجتماع نيويورك، والحكومة الموازية، وأزمة التمثيل المدني
لم تعد الأزمة السودانية بالنسبة للمجتمع الدولي مجرد حرب ينبغي إيقافها، وإنما أصبحت أزمة دولة تتداخل فيها الحرب مع سؤال السلطة، ووحدة البلاد، ومستقبل الحكم، وطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم , وهذا ما يجعل اجتماع نيويورك الوزاري، الذي انعقد في 30 سبتمبر بمشاركة الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أكثر من مجرد محطة دبلوماسية جديدة
فقد دعا الاجتماع طرفي الحرب إلى استئناف التفاوض من أجل وقف دائم لإطلاق النار، لكنه في الوقت نفسه شدد على أن مستقبل الحكم في السودان يجب أن يقرره السودانيون عبر عملية سياسية شاملة وذات مصداقية وشفافية، وأن التسوية السياسية الكاملة تظل ضرورية لضمان وحدة السودان واستقراره على المدى الطويل , هنا تحديداً يبرز السؤال الذي يستحق التوقف عنده- هل فصل المسار الأمني عن المسار السياسي يمكن أن يكون مدخلاً واقعياً لإنهاء الحرب، أم أنه قد يتحول، إذا أسيء تطبيقه، إلى طريقة جديدة لإدارة الأزمة بدلاً من حلها؟
وقف النار أولاً.. ولكن إلى أين؟
من الناحية العملية، يبدو منطقياً أن يكون هناك مسار يركز على وقف القتال، وحماية المدنيين، وتأمين المساعدات، وترتيبات فك الاشتباك والمراقبة، بينما ينصرف مسار آخر إلى قضايا الحكم والدستور وبناء الدولة , بل إن التجربة السودانية نفسها أظهرت أن خلط القضايا العسكرية والسياسية في طاولة واحدة يمكن أن يجعل كل ملف رهينة للآخر , لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفصل الوظيفي إلى فصل كامل بين الأمن والسياسة
فالحرب السودانية ليست مواجهة عسكرية منفصلة عن سؤال السلطة. السلاح أصبح جزءاً من معادلة الحكم، والسيطرة على الأرض تمنح الأطراف المتحاربة أوراقاً سياسية، ولذلك فإن أي اتفاق أمني ستكون له نتائج سياسية، حتى لو لم ينص عليها بصورة مباشرة , ومن هنا فإن المطلوب ليس بالضرورة دمج المسارين في مسار واحد، وإنما إبقاؤهما متوازيين ومترابطين وقد يوقف المسار الأمني الرصاص، بينما يفتح المسار السياسي الطريق أمام معالجة الأسباب التي جعلت الرصاص ممكناً أصلاً , الحكومة الموازية.. عندما يتحول الانقسام العسكري إلى مشروع سياسي
أخطر ما ظهر خلال الحرب لم يكن فقط اتساع رقعة السيطرة العسكرية، وإنما محاولة تحويل السيطرة الميدانية إلى بنية سياسية موازية, ففي يوليو 2025 أعلنت «تأسيس» تشكيل إدارة موازية في نيالا، برئاسة محمد حمدان دقلو «حميدتي» على رأس مجلس رئاسي من 15 عضواً، وتعيين محمد حسن التعايشي رئيساً للوزراء , وقد مثّل ذلك انتقالاً من الصراع على الأرض إلى محاولة بناء سلطة منافسة للدولة - لكن هذه الخطوة لم تحصل على الاعتراف الدولي الذي كانت تحتاج إليه لتتحول إلى حكومة ذات شرعية خارجية.
فالاتحاد الأفريقي أعلن رفضه القاطع لما سماه «الحكومة الموازية»، ودعا الدول الأعضاء والشركاء الدوليين إلى عدم الاعتراف بها، مؤكداً في الوقت نفسه التمسك بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه. كما رفض الاتحاد الأفريقي محاولات «بلقنة» السودان والحفاظ على مؤسسات الدولة_ وهذه النقطة مهمة في قراءة المشهد الحالي , فالمشكلة ليست فقط في الاعتراف الدولي من عدمه، وإنما في أن استمرار هياكل حكم متوازية يمكن أن يحول الانقسام العسكري المؤقت إلى انقسام مؤسسي طويل المدى
وقد حذر البيان الصادر عن اجتماع نيويورك نفسه من إنشاء هياكل حكم موازية، وربط ذلك بالحفاظ على وحدة السودان وطموحات السودانيين الديمقراطية
لكن رفض الحكومة الموازية لا يحل أزمة الدولة
هنا يجب الانتباه إلى مفارقة أساسية , رفض الحكومة الموازية لا يعني أن المشكلة التي أنتجتها قد اختفت , فإذا كانت مناطق واسعة من السودان تخضع لسلطات مختلفة، وإذا كانت الدولة المركزية نفسها تعاني من الحرب والانقسام، فإن مجرد رفض الاعتراف الدولي لا يكفي لإعادة بناء الدولة على الأرض , وهذا يعني أن أي تسوية سياسية مقبلة ستواجه سؤالاً بالغ الصعوبة-- وكيف يمكن إعادة توحيد مؤسسات الدولة من دون إعادة إنتاج الهيمنة التي سبقت الحرب؟
فالسودان لا يحتاج إلى استبدال سلطة موازية بسلطة مركزية تعيد إنتاج الأزمة القديمة، وإنما إلى عملية سياسية تعيد بناء شرعية الدولة نفسها على أساس جديد
صمود.. الحضور الدولي واختبار الداخل
في الجانب المدني من المشهد، يحاول تحالف «صمود» بقيادة عبد الله حمدوك تقديم نفسه باعتباره أحد الأطر المدنية المشاركة في البحث عن تسوية للحرب واستعادة الحكم المدني , وقد اكتسب التحالف حضوراً دبلوماسياً خارجياً، من خلال تحركاته في العواصم الغربية، في وقت تركز فيه القوى المدنية على ضرورة وقف القتال وربط المسار الإنساني بعملية سياسية تفضي إلى حكم مدني - لكن الحضور الدولي لا يساوي بالضرورة تفويضاً شعبياً داخل السودان - وهذه نقطة ينبغي ألا تتجاهلها أي عملية سياسية.
فالقوى المدنية السودانية تعاني منذ سنوات من التفكك والانقسام، كما أن الحرب عمقت المسافة بين النخب السياسية والمجتمع، وأنتجت واقعاً جديداً داخل السودان وخارجه, لذلك فإن أي تحالف مدني، مهما كان حضوره الدبلوماسي، سيظل مطالباً بالإجابة عن سؤال الشرعية الداخلية: من يمثل؟ وكيف يمثل؟ ومن يملك حق التحدث باسم السودانيين؟- وهذا لا يعني إنكار الدور السياسي لـ«صمود»، كما لا يعني التسليم باحتكاره للتمثيل المدني , المطلوب هو عملية سياسية أوسع من أي تحالف منفرد
لا شرعية عسكرية.. ولا احتكار مدني
ربما يكون هذا هو الاختبار الأصعب لأي تسوية مقبلة.
فليس من المنطقي أن تمنح القوة العسكرية صاحبها حقاً تلقائياً في تحديد مستقبل الدولة لمجرد امتلاكه السلاح.
وفي المقابل، لا يمكن أن يتحول الاعتراف الدولي بقوى مدنية معينة إلى تفويض مفتوح لها لتمثيل مجتمع كامل متعدد الاتجاهات والمصالح
المعادلة الأكثر واقعية هي بناء عملية سياسية تستوعب القوى المدنية والسياسية والاجتماعية والمهنية والأهلية، مع وضع معايير واضحة للمشاركة، بحيث لا تتحول العملية إلى محاصصة جديدة، ولا يصبح عدد المشاركين بديلاً عن وضوح المشروع السياسي
والأهم أن يكون الحوار سودانياً بالفعل، لا مجرد اجتماع سوداني تديره القوى الخارجية من خلف الستار , وهذه ليست مجرد رغبة نظرية؛ فالبيان الوزاري في نيويورك شدد على أن الحوار ينبغي أن يكون سودانياً شاملاً، وألا تعرقله الأطراف المسلحة أو الجهات الخارجية، وأن يعكس تنوع أصوات السودانيين داخل البلاد وخارجها
السلاح.. الحلقة التي لا يمكن القفز فوقها
يبقى ملف السلاح واحداً من أكثر الملفات تعقيداً , فالحرب السودانية لم تعد شأناً داخلياً خالصاً، إذ تتداخل فيها خطوط الإمداد الخارجي، والمصالح الإقليمية، والتمويل، وشبكات الاقتصاد غير الرسمي، وتجارة الذهب، وتدفقات السلاح , ولهذا شدد اجتماع نيويورك على ضرورة منع الدعم العسكري والمالي الخارجي الذي يغذي الحرب، كما دعا إلى تعزيز الإجراءات الدولية لمنع الأسلحة من مواصلة إشعال النزاع، وإلى تقوية قدرة الأمم المتحدة على مراقبة ذلك , لكن حظر السلاح لا ينبغي أن يتحول إلى شعار منفصل عن الواقع , فأي إجراء دولي لن يكون ذا معنى إذا بقيت قنوات الإمداد مفتوحة، أو إذا طُبقت الإجراءات بصورة انتقائية، أو إذا عجز المجتمع الدولي عن مراقبة تنفيذها, والسؤال هنا ليس فقط: من يملك السلاح؟ - بل أيضاً من يمول الحرب؟ ومن ينقل السلاح؟ ومن يستفيد اقتصادياً من استمرارها؟
وقف إطلاق النار ليس نهاية الحرب
التجارب السابقة تقول إن الوصول إلى وقف إطلاق النار قد يكون أسهل من المحافظة عليه , فالهدنة التي لا تترافق مع آلية فعالة للمراقبة والتحقق والمساءلة يمكن أن تتحول إلى مجرد استراحة عسكرية، يعيد خلالها كل طرف ترتيب قواته وتحسين موقعه التفاوضي , ولهذا فإن قيمة وقف إطلاق النار لا تقاس فقط بعدد الأيام التي يصمد فيها، وإنما بقدرته على فتح الطريق أمام انتقال حقيقي من الحرب إلى السياسة - وهنا يصبح المساران الأمني والسياسي متداخلين بصورة لا يمكن تجاهلها , إذا أوقف المسار الأمني القتال، لكنه ترك سؤال الدولة بلا إجابة، فإن الحرب قد تتوقف ميدانياً لتعود سياسياً , وإذا بدأت العملية السياسية بينما لا تزال الأطراف قادرة على استخدام السلاح لفرض شروطها، فإن السياسة نفسها ستظل أسيرة الحرب
الخطر الحقيقي هو إعادة تدوير الأزمة
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في كل ما يجري الآن , فصل المسار الأمني عن السياسي يمكن أن يكون فصلاً وظيفياً مفيداً إذا كان هدفه تسريع وقف إطلاق النار ومنع القضايا السياسية من تعطيل حماية المدنيين , لكنه يصبح خطراً إذا تحول إلى فصل كامل بين وقف الحرب وبين معالجة أسبابها , فالسودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق يوقف إطلاق النار، وإنما إلى اتفاق سياسي يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم، ويضع أسس الحكم، ويعيد بناء المؤسسات، ويعالج قضية توزيع السلطة والثروة، ويضع الاقتصاد العسكري تحت الرقابة المدنية، ويفتح الطريق أمام انتقال سياسي حقيقي , واللافت أن بيان نيويورك نفسه أشار إلى هذه القضايا، بما فيها العلاقة بين المركز والأقاليم، وتوزيع الصلاحيات، والترتيبات الدستورية، والترتيبات المالية في إطار النظام الفيدرالي , وهذا يعني أن المجتمع الدولي بدأ، على الأقل في الخطاب الرسمي، يتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة دولة وليست مجرد مواجهة بين قوتين مسلحتين
السودان أمام اختبار مختلف
المشكلة إذن ليست في وجود مسار أمني ومسار سياسي , المشكلة في ما الذي سيربط بينهما , إذا أصبح وقف إطلاق النار بوابة إلى حوار سوداني شامل، فقد يكون الفصل الوظيفي بين المسارين خطوة عملية تساعد على كسر الجمود , أما إذا تحول المسار الأمني إلى وسيلة لتجميد الحرب، والمسار السياسي إلى طاولة جديدة لتقاسم النفوذ، فإن السودان لن يكون قد خرج من أزمته، وإنما يكون قد نقلها من ساحة المعركة إلى قاعة التفاوض
كما أن وجود حكومة موازية في جزء من البلاد، مقابل سلطة مركزية في جزء آخر، لا ينبغي أن يتحول إلى أمر واقع دائم لمجرد أن الحرب طالت
وفي المقابل، فإن مواجهة هذا الخطر لا تكون بإعادة إنتاج المركز القديم، وإنما ببناء دولة تستوعب التنوع السوداني وتعيد توزيع السلطة والثروة على أسس أكثر عدلاً , أما القوى المدنية، فالتحدي أمامها أكبر من الحصول على قبول خارجي. التحدي الحقيقي هو أن تستعيد ثقة السودانيين، وأن توسع قاعدة المشاركة، وأن تتجاوز الانقسامات التي أضعفت المجال المدني منذ سقوط النظام السابق
في النهاية، وقف الرصاص ضرورة، لكنه ليس التسوية, والتسوية ليست مجرد جمع الفرقاء حول طاولة واحدة، وإنما بناء شروط تمنع العودة إلى الحرب, فإذا نجح المسار الأمني في إيقاف إطلاق النار، بينما عجز المسار السياسي عن معالجة جذور الأزمة، فلن يكون السودان قد خرج من الحرب، بل يكون قد دخل مرحلة جديدة من إدارتها, والفارق بين التسوية الحقيقية وإعادة تدوير الأزمة هو أن الأولى تنهي أسباب الحرب، بينما تكتفي الثانية بتغيير شكلها.
صحافي سوداني
|
|