تفكيك المشهد السوداني: تغلغل الحركة الإسلامية في القوى السياسية وأبعاد الصراع الدولي على الموارد

تفكيك المشهد السوداني: تغلغل الحركة الإسلامية في القوى السياسية وأبعاد الصراع الدولي على الموارد


09-30-2026, 01:36 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1790728597&rn=0


Post: #1
Title: تفكيك المشهد السوداني: تغلغل الحركة الإسلامية في القوى السياسية وأبعاد الصراع الدولي على الموارد
Author: يحيى ابنعوف
Date: 09-30-2026, 01:36 AM

01:36 AM September, 29 2026

سودانيز اون لاين
يحيى ابنعوف-كندا
مكتبتى
رابط مختصر




تفكيك المشهد السوداني: تغلغل الحركة الإسلامية في القوى السياسية وأبعاد الصراع الدولي على الموارد
​بقلم:يحيى أبنعوف
قلم قاوم النظام وسيظل ثابتاً على الحق​«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا بِحَجَرٍ».. إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض علينا اليوم أداء دورنا التاريخي في كشف الحقائق كاملة وتعرية المشهد السياسي والعسكري دون تجميل أمام الشعب السوداني والرأي العام العالمي. فالحرب المندلعة في السودان منذ أبريل 2023 ليست مجرد نزاع عابر بين جنرالات، بل هي حرب مخطط لها بعناية ودقة من القوى الدولية والإقليمية بأيادٍ محلية وعربية وأفريقية، ضمن مشروع أوسع للصراع على الموارد والهيمنة الكاملة على أفريقيا والقرن الأفريقي والتأثير المباشر على معطيات نظام عالمي تشكّلت ملامحه بحدة بعد تحولات المناخ ونشوب الحرب الأوكرانية.
​إن القراءة التضليلية التي تختزل النزاع في أنه مجرد صراع بين "جيش ودعم سريع" أو "فلول وقوى ثورة" هي قراءة قاصرة وتغبيشية؛ فالواقع المشهود يضعنا أمام تلوث سياسي شامل، حيث تسبح كافة القوى السياسية اليوم، بوعي أو بغير وعي، في فلك أجنحة الحركة "اللاإسلامية" ومخلفاتها التي تغلغلت وتوزعت داخل مختلف التكتلات والمربعات السياسية والعسكرية بلا استثناء.
​1. التفتت التنظيمي وتغلغل أجنحة الحركة "اللاإسلامية" داخل المكونات السياسية
​لم تعد "الحركة الإسلامية" كتلة صماء، بل تحولت إلى شظايا وأجزاء تقاسمها المشهد المسلح والمدني على حد سواء، لتضمن وجودها ونفوذها في كل المربعات السياسية:
​التيار القتالي/الصقوري (كتائب الظل وكتيبة البراء): يمثله جناح علي كرتي والمؤتمر الوطني المحلول، وينشط في التعبئة والتجييش الميداني إلى جانب الجيش لحسم المعركة عسكرياً وإعادة تموضع النظام القديم.
​تيار الانحياز للدعم السريع (جناح حسبو عبد الرحمن): تموضعت قيادات إسلامية نافذة ومؤثرة في صفوف قوات الدعم السريع، مُجيّشة حاضناتها الاجتماعية وسياساتها لصالح هذا الطرف من النزاع.
​تيار المؤتمر الشعبي (الأمانة العامة بقيادة د. علي الحاج): يتموضع هذا الجناح داخل كتلة القوى المدنية والتحالفات المناهضة للحرب، متمسكاً بخيار التفاوض والعمل السياسي وممارساً لنشاطه من داخل تلك المنصات.
​تيار المؤتمر الشعبي (الجناح المسلح / الدبابين): انشق عن الخط السياسي لأمانة الشعبي وانخرط ميدانياً في القتال المسلح إلى جانب القوات المسلحة باعتبار الحرب معركة وجودية.
​تيار الصمت والمراجعة: قيادات وسيطة وشبابية فضلت الاعتزال والمراجعة، معتبرة أن إقحام التنظيم في المحرقة المسلحة هو امتداد لكوارث الماضي.
​هذا التغلغل المزدوج والمتشعب أدى إلى توظيف القضايا الوطنية كأوراق مناورة وتصفية حسابات، وجعل أطراف الحرب خناجر في خاصرة الوطن تنفذ أجندات خارجية لا تُبقي ولا تذر.
​2. أبعاد المخطط الدولي: الهيمنة وتفريغ الأرض ونهب الموارد
​تقوم هندسة هذه الحرب على أهداف استراتيجية خطيرة تُدار عبر أدوات وأجهزة المخابرات الإقليمية والدولية:
​الهدف الأول: النهب الاستراتيجي للموارد والخيرات
​يمتلك السودان مقومات اقتصادية هائلة تجعله مسرحاً خصباً للتنافس الدولي بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، ومحور روسيا والصين من جهة أخرى:
​الأراضي الزراعية والمياه: يضم السودان قرابة 200 مليون فدان صالحة للزراعة (المستغل منها لا يتجاوز 35% فقط)، إلى جانب مخزون ضخم من المياه الجوفية وأمطار هاطلة تُقدّر بحوالي 400 مليار متر مكعب سنوياً، مما يجعله شريان الحياة الرئيسي في ظل أزمات الغذاء والمناخ العالمية.
​المحاصيل الاستراتيجية: مساهمة رئيسية في إنتاج الزيوت (الفول، السمسم، عباد الشمس)، والذرة، والاحتكار العالمي لسلعة الصمغ العربي الداخِلة في دقيق الصناعات الغذائية والدوائية العالمية.
​الذهب والمعادن النفيسة: السودان هو سادس دولة عالمياً في إنتاج الذهب الذي ينعش البورصات ويحفظ توازن العملات، إضافة إلى حقل اليورانيوم الممتد من كردفان إلى دارفور (المعدن الاستراتيجي للاستخدامات السلمية والعسكرية)، علاوة على النحاس والفضة والحديد.
​البترول والغاز: مخزون استراتيجي هائل يغري القوى الكبرى في زمن النضوب العالمي لترشيد وتأمين الإمدادات.
​الهدف الثاني: التهجير القسري وتفريغ الأرض من الإنسان السوداني
​إحداث تغيير ديمغرافي شامل عبر إجبار المواطنين على النزوح واللجوء وتفريغ الأرض السودانية من شعبها الحقيقي، لتبسيط سيطرة الشركات والشبكات العابرة للقوميات على الموارد والاستحواذ عليها دون مقاومة شعبية.
​3. خنق ثورة ديسمبر ومناهضة التطبيع: الصراع الجيوسياسي على البحر الأحمر
​لم تكن الحرب بمعزل عن الانتقام من ثورة ديسمبر المجيدة؛ هذه الثورة الشعبية التي رفعت شعار الكرامة الوطنية ورفضت المضي في مسارات التطبيع والارتهان التي أُريد منها تسليم موارد البلاد للغير. لقد جاءت الحرب لتدمير هذا الحراك الشعبي وإعادة إنتاج السلطة عبر البندقية أو الشمولية.
​في الوقت نفسه، تحول السودان بسبب موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر إلى ساحة تصادم بين المحاور الدولية:
​روسيا: تسعى لتثبيت أقدامها عبر مشروع إنشاء قاعدة عسكرية بحرية في "بورتسودان" للوصول إلى المحيط الهندي وربطها بمنشآتها الدولية.
​الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون وإسرائيل: يسعون لمنع روسيا والصين من الاستئثار بالنفوذ في القرن الأفريقي والتمدد في البحر الأحمر الذي يعد شريان التجارة والنفط والذهب العالمي.
​الأطراف الإقليمية ودول الخليج ومصر: تتداخل أهدافها بين حماية مصالحها المباشرة، أو استغلال ضعف السودان لانتزاع المكاسب والموارد الاقتصادية بأبخس الأثمان.
​وتكتمل هذه الأزمة بوجود تركة استعمارية ثقيلة جرفت حياد المؤسسة العسكرية والأمنية لصالح الأيدولوجيا، وأنتجت قوى سياسية عاجزة عن بناء مشروع وطني جامع ورهينة للمحاور الخارجية.
​4. عبثية الحروب: «وداعاً للسلاح» والموقف التاريخي الشجاع
​في روايته الخالدة «وداعاً للسلاح»، جسّد الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي المأساة العبثية للحروب حين يُسلب الإنسان كرامته وحياته مجاناً. عندما يهرب بطل الرواية "الملازم فريدريك هنري" من الجبهة بعد أن أدرك القيمة الفاجعة للدمار، ينطق همنغواي بحقيقة أزلية: «في الحرب الحديثة، تموت كإنسان عبثاً».
​لا توجد بطولات زائفة في حرب تأكل أبناء الوطن الواحد؛ المنتصر فيها مهزوم، والضحية الوحيدة هي الوطن والمواطن. إن الدم السوداني المراق هو خسارة للشعب بأكمله، والدمار الذي يلحق بمدننا وقرانا هو خراب لبيت السودانيين جميعاً. وما يحدث اليوم إنما هو نتيجة عجز طغاة ومتسلطين أن يدركوا أن صلاحياتهم انتهت منذ عقود، لكنهم أبوا إلا أن يحرقوا الشجر والنسل قبل أن يفسحوا المجال لغيرهم.
​الخاتمة: نداء إلى الشعب السوداني.. أوقفوا هذه الحرب
​أقولها بأعلى صوت للشعب السوداني العظيم: إن واجباً تاريخياً يقع على عاتقنا جميعاً لكشف هذه الحقائق والوقوف صفاً واحدًا للتصدي لهذا المشروع الصهيوني الغربي والإقليمي الذي يستهدف وجودنا وثرواتنا.
​إن حماية السودان لن تأتي عبر البنادق المأجورة أو التحالفات المشبوهة، بل عبر:
​الاستيعاب الواعي للمخطط الدولي: كشف وتعرية دول الاستكبار وأدواتها الإقليمية التي تغذي الطرفين لنهب الخيرات.
​الوحدة الوطنية الصارمة: الترفع عن الاستقطاب الجهوي والسياسي، ورفض الارتهان للخارج.
​الوقف الفوري للحرب: إدراك أن الطريق إلى استعادة ثورة ديسمبر ومكتسباتها يبدأ بإيقاف القتال، وتفكيك بنية التمكين والسلاح، وبناء دولة المواطنة والعدالة وسيادة القانون.