Post: #1
Title: ماذا يفعل الإنسان بكل ذلك الحب عندما لا يجد من يستقبله؟ كتبه خالد كودي
Author: خالد كودي
Date: 09-29-2026, 03:11 AM
03:11 AM September, 28 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
28/9/2026 ، بوسطن
تضامناً مع روني صباحي: في حق الفنان في الحب والحزن والتعبير والهشاشة! هذه الكتابة، في جانب منها، فعل تضامن مع الابنة الشابه روني صباحي؛ الفنانة التجريبية والتشكيلية، المغنية وصانعة المحتوى، التي ظهرت في فضاء الميديا الجديدة في لحظة إنسانية شديدة الهشاشة، معلنة حزنها وخيبة أملها في تجربة حب لم تكتمل كما تمنّت. أحبت فناناً آخر، وعبّرت عن حبها بوضوح، ثم واجهت حقيقة اختياره طريقاً عاطفياً آخر وزواجه من أخرى. لم تُخفِ روني حزنها، ولم تتظاهر بالقوة حين لم تكن تشعر بها، بل فعلت ما يفعله كثير من أبناء وبنات جيلها: أخرجت التجربة من الغرفة المغلقة إلى فضاء التواصل، وعبّرت عن مشاعرها باللغة والوسائط التي يعرفها جيلها ويعيش من خلالها. وكان يمكن النظر إلى ذلك ببساطة بوصفه لحظة إنسانية: امرأة شابة أحبت، ولم تجد الحب الذي تمنته، فتألمت وعبّرت عن ألمها. وكان يمكن أيضاً النظر إليه بوصفه فعلاً فنياً وأدائياً، تتداخل فيه السيرة الذاتية مع الصورة والصوت والجسد والميديا. لكن ما حدث كشف، في المقابل، شيئاً آخر عن المجتمع نفسه. فقد انهالت عليها تعليقات تراوحت بين التعاطف والتفهم، وبين الزجر والسخرية والتنمر والإدانة الأخلاقية واللعنات. وذهب بعضهم إلى محاكمتها وفق مفردات "الأدب وقلته" و"العيب" و"الكرامة" و"ما ينبغي للمرأة أن تقوله أو تخفيه"، كأن المشكلة ليست في ألم إنسان، وإنما في أنه تجرأ على جعل ألمه مرئياً. ولذلك فإن قضية روني، في اعتقادي، تتجاوز روني نفسها. إنها تكشف صداماً بين ثقافتين وزمنين وطريقتين في فهم الذات: ثقافة اجتماعية محافظة ما تزال أجزاء واسعة منها تنظم الحياة العاطفية، وخصوصاً حياة النساء والفنانات، من خلال منظومات العيب والعار والشرف والسرية وكتمان المشاعر؛ وثقافة رقمية جديدة أعادت تعريف الحدود بين الخاص والعام، وبين السيرة الشخصية والعمل الإبداعي، وبين الاعتراف الشخصي والأداء الفني. المشكلة ليست أن كل ما يُنشر في وسائل التواصل حكيم بالضرورة، ولا أن الفنان معفى من النقد لمجرد كونه فناناً. النقد حق، كما أن للآخر الذي لا يبادل الحب حقاً كاملاً في الاختيار والابتعاد وبناء حياته كما يريد. فالحب لا يمنح أحداً حق امتلاك من يحب، ولا يفرض على المحبوب واجباً أخلاقياً بأن يبادلنا المشاعر نفسها. لكن ثمة فارقاً أخلاقياً هائلاً بين نقد فعلٍ علني وبين التنمر على إنسان لأنه ظهر في لحظة انكسار. كما أن هناك فارقاً بين الاختلاف مع طريقة التعبير وبين تحويل الألم الشخصي إلى مناسبة للإذلال الجماعي والأعمى. وربما ما لم يدركه بعض الذين تنمروا على روني هو أنهم لم يكونوا يشاهدون مجرد "امرأة تحكي قصة حبها على الإنترنت"، بل فنانة تتحرك داخل تقاليد ثرية قديمة وحديثة في آن واحد. فالفنان، تاريخياً، كثيراً ما جعل حياته الداخلية مادة لعمله: الحب، الرغبة، الغيرة، الهجر، الخيانة، الوحدة، الجسد، المرض والموت حتي، الا ان المتنمرين عادة عديمي المواهب وجهلاء. وما تغير في القرن الحادي والعشرين هو الوسيط. ما كان يُكتب في رسالة خاصة أو يوميات أو قصيدة، أو يُشفّر في لوحة أو أغنية، يمكن اليوم أن يظهر فوراً في فيديو أو بث مباشر أو منشور يصل إلى عشرات الآلاف خلال ساعات. الميديا الجديدة ليست مجرد أدوات إضافية؛ لقد غيرت بنية الاعتراف نفسها. لقد صنعت أجيالاً تتكلم أمام الكاميرا كما كانت أجيال سابقة تكتب في دفاترها، وتستخدم الهاتف بوصفه في الوقت نفسه مرآةً ومسرحاً ودفتر يوميات ومرسماً ومنصة عرض. ويمكن نقد هذه الظاهرة ودراسة مخاطرها النفسية والاجتماعية، لكن لا يمكن فهمها بعقلية زمن سابق ثم إدانة جيل كامل لأنه لا يمارس السرية بالطريقة التي مارسها آباؤه وأمهاته. ثم إن للفنان حساسية مختلفة تجاه التجربة، لا بمعنى أن الفنان أكثر قيمة من الآخرين أو أن معاناته "أعمق" بالضرورة، وإنما لأن مهنته ووجوده الإبداعي يقومان على الانتباه والتحويل والتعبير. الفنان يلتقط أحياناً ما يمر تحت أبصار الآخرين دون أن يتوقفوا عنده؛ يضخم التفصيل الصغير، ويمنح الإحساس شكلاً، ويحوّل التجربة الخاصة إلى صورة أو صوت أو حركة أو نص. وما قد يخفيه شخص آخر حتى ينساه، قد يشعر الفنان بالحاجة إلى إخراجه من داخله ووضعه أمام العالم لكي يستطيع فهمه. ومن هنا لايجب أن نقرأ تجربة روني بوصفها حالة مرضية كما يحاول البعض، ولا أن نمارس عليها عنفاً آخر بتشخيصها من بعيد. الحزن ليس جنوناً، والبكاء ليس مرضاً، وانكسار القلب ليس دليلاً على ضعف الشخصية. كما أن التعبير العلني عن الخذلان لا يعني بالضرورة فقدان الكرامة. فالكرامة لا تتناقض مع الهشاشة، والإنسان يستطيع أن يكون قوياً ومكسور القلب في اللحظة نفسها. هناك نوع من الألم يختلف بالفعل عن موت الحبيب: أن يبقى من تحب حياً، موجوداً في العالم، قريباً بما يكفي لكي تراه، لكنه بعيد بحيث لا يستطيع أن يعيد إليك ما منحته له. الموت يغلق الباب؛ أما الحب غير المتبادل فيترك الباب موارباً، ويجبر الإنسان على مواجهة حقيقة شديدة القسوة: أن الحب، مهما كان صادقاً وعميقاً، لا يضمن أن يُرَدّ بمقداره نفسه. ولهذا كان الحب غير المتبادل والهجر والخيانة والتجاهل من أكثر التجارب الإنسانية حضوراً في تاريخ الشعر والموسيقى والرسم والأدب. من قيس بن الملوح في المخيلة العربية، إلى غوته وآلام فرتر الشاب، ومن هيكتور برليوز إلى فنسنت فان جوخ، ومن كامي كلوديل إلى سيلفيا بلاث وفريدا كاهلو، يتكرر السؤال الإنساني نفسه بأشكال مختلفة. ماذا يفعل الإنسان بكل ذلك الحب عندما لا يجد من يستقبله؟ وماذا يفعل الفنان، على وجه الخصوص، حين يصبح الألم أكبر من أن يبقى سراً؟ لكن ينبغي منذ البداية تصحيح واحدة من أكثر الأساطير رسوخاً في تاريخ الفن: ليس صحيحاً علمياً أن الفنان "يُجنّ من الحب" ببساطة. الاضطرابات النفسية ظواهر شديدة التعقيد تتداخل فيها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية وتاريخية متعددة. ومع ذلك، يستطيع الرفض والهجر والخيانة وفقدان العلاقة أن تكون أحداثاً نفسية شديدة القوة، خصوصاً عندما يصبح المحبوب جزءاً مركزياً من تصور الإنسان لذاته ومستقبله ومعنى وجوده. ومن هنا تبدأ هذه المقالة: لا لكي نشخّص روني، ولا لكي نحاكم الرجل الذي أحبته، ولا لكي نحول حياتهما الخاصة إلى مادة للفرجة، وإنما لكي نستفيد من اللحظة في طرح سؤال أكبر: لماذا يخاف مجتمعنا إلى هذا الحد من الاعتراف العلني بالحب، وخصوصاً حين تكون امرأة شابة هي التي تقول: أحببت، خُذلت، حزنت، وما زلت أتألم وهاانذا؟
ولكي نفهم شيئاً من ذلك، علينا أن نغادر للحظة محكمة وسائل التواصل الاجتماعي، وأن نذهب إلى التاريخ: إلى الشعراء والمغنين والموسيقيين والرسامين والنحاتين والكتّاب الذين أحبوا ولم يُحَبوا بالطريقة نفسها؛ الذين هُجروا أو خُذلوا أو عاشوا الفقد والرفض؛ وإلى أولئك الذين حولوا هذه التجارب إلى قصائد وروايات وأغانٍ ولوحات ومنحوتات وموسيقى بقيت بعد أن اختفى الحب نفسه، واحسب من يحب روني وفنها ان يدفعها ان تحول الخزلان الي لوحات واغاني وكلمات شعرية! هناك، عند نقطة التقاء الحب بالفقد، والسيرة بالفن، وعلم النفس بالتاريخ، يمكن أن نضع تجربة روني داخل سياق إنساني أوسع بكثير من السطحية والتنمر الذي أحاط بها.
الحب حين يصبح جزءاً من الهوية: في التحليل النفسي، لا نفقد في الحب شخصاً خارجياً فحسب؛ فنحن نستثمر في الآخر جزءاً من ذواتنا، ونربط وجوده بصورتنا عن أنفسنا وبالمستقبل الذي نتخيله معه. ولذلك ناقش فرويد في الحداد والمالنخوليا العلاقة المعقدة بين فقد "موضوع الحب" واضطراب الإحساس بالذات. فالإنسان الذي يقول: "لقد فقدتُ من أحب" قد يكون، في مستوى أعمق، يقول أيضاً: "لقد فقدتُ شيئاً من نفسي ومن المستقبل الذي تخيلته معه، وهكذا تقول الفنانة روني في تسجيلاتها! ومن هنا يمكن فهم جانب من تجربة روني، من دون تشخيصها أو افتراض معرفة عالمها الداخلي. فحين يصبح الشخص الذي نحب جزءاً من تصورنا للمستقبل، ثم يختار حياةً اخري اومع شخص آخر، لا نفقد العلاقة وحدها، بل نفقد أيضاً احتمالاً عشنا معه في الخيال. وقد يكون التجاهل أو عدم تبادل المشاعر قاسياً لأن الآخر يظل حاضراً في عالمنا، بينما لم نعد نحتل المكان نفسه في عالمه. ولدى الفنان قد يتحول هذا الفقد إلى تعبير علني: كلمة أو أغنية أو صورة أو أداء عبر الميديا المعاصرة. فالفنان لا يشعر بالضرورة أكثر من الآخرين، لكنه اعتاد أن يمنح مشاعره شكلاً وحجما. ومن هنا يمكن قراءة تعبير روني عن حزنها باعتباره جزءاً من تقليد إنساني وفني قديم: تحويل الحب والخذلان والفقد إلى لغة يمكن مشاركتها مع الآخرين وهذه الفكرة أقدم بكثير من وسائل التواصل الاجتماعي؛ فقد عرفها الشعر والأدب والفن منذ قرون!
قيس وليلى: حين اخترعت الثقافة العربية مجنون الحب قبل ظهور علم النفس الحديث بقرون، صنعت الثقافة العربية واحداً من أعظم النماذج الأدبية للحب المستحيل: قيس بن الملوح، "مجنون ليلى"... سواء قرأنا القصة بوصفها سيرة تاريخية أم بناءً أدبياً تراكم عبر القرون، فإن أهميتها تكمن في الفكرة التي تحملها: الإنسان الذي يصبح الحب عنده أكبر من النظام الاجتماعي نفسه. قيس لا يفقد ليلى لأنها ماتت أولاً؛ بل لأنها موجودة ولا يستطيع الوصول إليها. وهذا فارق أساسي. حضورها في العالم يجعل غيابها عنه أكثر إيلاماً. وتتحول ليلى تدريجياً من امرأة إلى معنى. لم يعد قيس يحب شخصاً فحسب؛ بل أصبحت ليلى وطناً داخلياً، ولذلك حين يُمنع منها يفقد قدرته على الانتماء إلى العالم الاجتماعي ويذهب إلى الصحراء... الصحراء هنا ليست مكاناً جغرافياً فقط. إنها صورة نفسية: العالم بعد انسحاب الحبيب منه. ومن هنا جاءت كلمة "المجنون". غير أن جنون قيس في التراث ليس تشخيصاً طبياً، بل حالة شعرية وفلسفية يخرج فيها العاشق عن منطق المجتمع وحدوده. ومن هذا الباب أعادت الصوفية، وخصوصاً عند جلال الدين الرومي، قراءة الحب الإنساني بوصفه ممراً إلى ما يتجاوزه: يبدأ الحب بشخص، لكنه قد يتحول إلى بحث عن المطلق... غير أن هذا "المطلق" نفسه يصبح موضع اختبار في زمن ما بعد الحداثة. ففي عالم الميديا الجديدة، حيث تتبدل العلاقات والصور والهويات بسرعة، تعيش الاجيال الجديدة الحب بين حنين قديم إلى الديمومة وواقع يقوم على السيولة والانقطاع وإعادة تعريف الذات. وهنا تعود تجربة المجنون ورومي في صيغة جديدة: هل يستطيع الحب، في زمن يشكك في المطلقات، أن يظل طريقاً إلى معنى يتجاوز اللحظة؟
جوته: كيف تحولت خيبة الحب إلى وباء أدبي في أوروبا القرن الثامن عشر، حدث شيء مشابه بصورة مختلفة مع يوهان فولفغانغ فون جوته. تجربة جوته العاطفية مع شارلوت بوف أسهمت، إلى جانب قصة انتحار شخص عرفه، في المادة التي صاغ منها روايته الشهيرة آلام فرتر الشاب عام 1774 عبقرية جوته لم تكن في تسجيل السيرة حرفياً. لقد أخذ جوته تجربة شخصية وحولها إلى نموذج ثقافي: فرتر يحب شارلوت، لكنها مرتبطة بألبرت. والمأساة ليست أنها شريرة أو تخدعه؛ بل إنها لا تستطيع أن تمنحه الحياة التي يريدها! وهنا يظهر أحد أكثر أشكال الخذلان قسوة: ليس ضرورياً أن يسيء إليك من تحبه لكي يحطمك؛ يكفي أحياناً ألا يستطيع أن يحبك بالطريقة التي تحتاج إليها... أصبحت الرواية ظاهرة أوروبية لأنها التقطت تحولاً تاريخياً مهماً: صعود الفرد الحديث الذي يعطي مشاعره الداخلية سلطة هائلة. لم يعد الحب مجرد ترتيب اجتماعي؛ أصبح دليلاً على حقيقة الذات...
برليوز وهارييت سميثسون: عندما تتحول المرأة إلى لحن ربما تكون قصة المؤلف الفرنسي هيكتور برليوز والممثلة الإيرلندية هارييت سميثسون من أوضح الأمثلة على قدرة الافتتان العاطفي على التحول إلى مادة فنية. رآها برليوز تؤدي شكسبير في باريس، فافتتن بها قبل أن يعرفها معرفة حقيقية، ومن Symphonie fantastique الافتتان وُلد اخد اهم عناصر ال idée fixeما اسماه أي اللحن الذي يمثل المرأة المحبوبة، ويعود عبر السيمفونية في صور وتحولات مختلفة. كأن الشخص الذي يتعذر امتلاكه في الواقع يتحول في الفن إلى نغمة تسكن الوعي وتصرّ على العودة. ثم تزوج برليوز سميثسون بالفعل، لكن تحقق الحلم لم يحفظ صورته؛ تدهورت العلاقة وانتهت بالانفصال. وهنا تكمن المفارقة: قد لا يكون موضوع الحب هو الشخص وحده، بل أيضاً الصورة التي يصنعها الخيال عنه، وهي صورة قد تصبح في الفن أطول عمراً من العلاقة نفسها. ومن هذه الزاوية تكتسب تجربة روني إمكاناً فنياً خاصاً. فروني، فوق كونها فنانة تشكيلية مجرّبة، مغنية رائعة ذات صوت متميز وأداء مختلف، وأحسب أن في تجربتها نزعة تجديدية واضحة. وما تعيشه وتختبره يمكن ألا يبقى حبيس السيرة الشخصية، بل أن يتحول إلى سيرة لحنية وبصرية: كلمات وأغانٍ وألحان ولوحات تستعيد التجربة في أشكال متعددة. وكما تحولت المرأة عند برليوز إلى لحن متكرر، تستطيع روني أن تجعل من الحب والفقد والذاكرة مادة تعبر بين الصوت واللون والكلمة، بحيث تصبح الأغنية لوحة، واللوحة ذاكرة، والصوت سيرة أخرى لما لا تستطيع الحياة وحدها أن تقول. وهنا تقدم القصة درساً مضاداً للرومانسية: أحياناً لا يكون ما نحبه هو الشخص نفسه، بل الصورة التي صنعناها له في خيالنا!
فان جوخ: "لا، أبداً، أبداً" تاريخ الفنان فنسنت فان جوخ العاطفي مليء بالفشل والرفض. ويوثق متحف فان غوخ بصورة خاصة افتتانه عام 1881 بابنة عمه الأرملة كيه فوس-ستريكر. أحبها وألح في طلب الزواج منها، بينما كان موقفها رفضاً قاطعاً لخّصته العبارة الشهيرة المنقولة عنها: "لا، أبداً، أبداً" كان فان جوخ يبحث مراراً عن الحميمية والأسرة والاستقرار، لكن علاقاته العاطفية ظلت مضطربة أو غير متبادلة. مع ذلك، سيكون خطأ تاريخياً وطبيّاً القول إن رفض النساء له هو الذي "سبب جنونه". فان جوخ عانى لاحقاً أزمات نفسية خطيرة ومعقدة، ودخل مصح سان ريمي طوعاً بعد أزماته في آرل. وتشير المؤسسات الفنية المعاصرة إلى ضرورة عدم اختزال مرضه في الرواية الشعبية عن "الفنان المجنون"... الأكثر إثارة للاهتمام هو ما فعله بالألم: لم يتوقف عن الرسم والتلوين! كأن اللوحة أصبحت المكان الذي يمكن أن يقيم فيه عندما فشل في العثور على بيت عاطفي مستقر. وهكذا يمكن أن نقرأ حقول القمح والسماء المتوهجة بالنجوم والوجوه البسيطة التي رسمها فان جوخ، لا باعتبارها علامات على المرض كما رسخت بعض القراءات الرومانسية، بل بوصفها أيضاً محاولات لترتيب عالم داخلي مهدد بالتشظي. فاللون والضوء وحركة الفرشاة لم تكن مجرد انعكاس للاضطراب، وإنما أدوات لبناء معنى في مواجهته. بهذا المعنى، لم يكن الفن نتيجةً للجنون بقدر ما كان، في لحظات كثيرة، مقاومةً له: طريقةً للتشبث بالعالم حين أصبح العالم نفسه عسير الاحتمال.
كامي كلوديل: الحب، السلطة، والجندر تقدم كامي كلوديل حالة أكثر تعقيداً، لأن قصتها مع النحات أوغست رودان لم تكن قصة حب فقط، بل علاقة تداخل فيها الحب بالفن والسلطة والجندر. كانت تلميذته ومتعاونته وعشيقته، لكنها كانت أيضاً فنانة أصيلة أرادت أن تُعرف بلغتها النحتية الخاصة، لا بوصفها "ملهمة رودان". وفي وسط فني شديد الذكورية، كان الرجل الأشهر يمتلك الاعتراف والشبكات والمؤسسات، بينما كان على المرأة أن تقاوم كي يُنظر إليها بوصفها منتجة للفن، لا مجرد موضوع للحب أو الإلهام. ومن هنا أرى صلة بتجربة روني، وإن اختلف السياق تماماً. فروني، في تقديري، هي الطرف الأكثر إنتاجاً وتأثيراً وتجديداً في تجربتها؛ في أعمالها درجة واضحة من الأصالة والبحث، بينما يبدو الشخص الذي تقول إنها أحبته أكثر ميلاً إلى التقليد والصيغ المألوفة. وهنا يظهر سؤال الجندر مرة أخرى: لماذا تميل السرديات الثقافية إلى وضع الرجل في مركز الحكاية، حتى عندما تكون المرأة هي صاحبة الطاقة الإبداعية الأكبر؟ لذلك أتمنى أن تحوّل روني هذه التجربة نفسها إلى مادة فنية وأدبية: أغنيات ونصوص ولوحات تستعيد فيها موقعها لا كـ"ملهمة" أو عاشقة تدور حول رجل دونها فنا وابداعا وتجديد، بل كفنانة تأخذ من الحب والفقد مادتها، ثم تعيد تشكيلها بصوتها ولغتها الخاصة.
الفنان أمام الحب والفقد: تضامناً مع روني لماذا يبدو المبدعون أحياناً شديدي التأثر بالحب والرفض والفقد؟ ليس لأن الفنان "أكثر جنوناً" من غيره، وإنما لأن الممارسة الإبداعية نفسها تقوم على حساسية عالية وقدرة على تحويل الأشياء والمشاعر إلى معانٍ ورموز. الرسام لا يرى الكرسي كرسياً فقط؛ يرى الضوء والكتلة والظل والذاكرة. والشاعر لا يسمع الكلمة وحدها؛ يسمع إيقاعها وتاريخها وما تخفيه. والموسيقي يسمع في الصوت احتمال لحن كامل. ولهذا قد لا يكون الحبيب بالنسبة إلى الفنان مجرد شخص. قد يصبح لوناً، ومدينة، ومرحلة من العمر، ووعداً بالمستقبل، ومكاناً للاعتراف والأمان. وعندما ينسحب هذا الشخص أو يختار حياة أخرى، قد لا يسمع المحب مجرد عبارة: "لا أريد هذه العلاقة"، بل يشعر بانهيار عالم كامل كان قد بناه حولها. ومن هنا أفهم شيئاً من الحرقة التي عبّرت بها روني عن تجربتها. وهي تقول إنها انتظرت من تحب سنوات طويلة، ثم وجدت نفسها أمام حقيقة أن ما انتظرته لن يحدث. لا أريد تشخيص مشاعرها أو وضع أسماء نفسية عليها؛ أريد، على العكس، أن أعترف بحقها في أن تحزن، وأن تتناقض مشاعرها بين التصديق وعدم التصديق، والقبول وعدم القبول، وأن تعبر عن ذلك بالطريقة التي تختارها وتعرفها. فالتجاهل أو عدم تبادل الحب قد يكونان أكثر قسوة أحياناً من الخصومة. الخصومة تظل شكلاً من أشكال الاعتراف: أنا أراك وأختلف معك. أما التجاهل فيمكن أن يجعل الإنسان يشعر بأنه أصبح غير مرئي لمن كان يحتل مساحة هائلة في حياته. وحين يحدث الفقد، تتغير الأشياء الصغيرة أيضاً. الرسالة، والصوت، والهاتف، والموعد، والشارع، والمقهى، والأغنية، والكرسي؛ كلها يمكن أن تصبح حاملة للذاكرة. الأغنية التي سمعها اثنان معاً لا تعود مجرد أغنية، والمكان الذي التقيا فيه لا يعود مجرد مكان. العالم نفسه قد يتحول إلى أرشيف للحبيب. وهنا تظهر إحدى أقسى حقائق الحب غير المتبادل: للعاطفة زمنها، وأن الزمن العاطفي لا يتحرك بالسرعة نفسها عند شخصين. قد يظل أحدهما يعيش داخل العلاقة أو احتمالها، بينما يكون الآخر قد غادرها منذ زمن وبدأ حياة جديدة. هذه اللامساواة في الحضور والذاكرة مؤلمة، لكنها لا تجعل مشاعر الطرف الذي ما زال يحب أقل شرعية أو أقل إنسانية. ولهذا أتضامن بلا تحفظ مع روني في حقها في الحزن والتعبير، وأرفض التنمر عليها أو تحويل لحظات هشاشتها الإنسانية إلى مادة للسخرية والإدانة الأخلاقية السخيفة. روني فنانة مرهفة، ومن حقها أن تحب، ومن حقها أن تبكي، ومن حقها أيضاً أن تقول ذلك بصوت مرتفع. والصدق العاطفي ليس عيباً، كما أن إظهار الهشاشة لا يلغي القوة. لكنني أتمنى لروني أيضاً أن تأخذ هذه الطاقة الكاسحة إلى المكان الذي تعرفه جيداً: الفن. فالفن يستطيع أن يفعل شيئاً لا يستطيع الواقع فعله. لا يستطيع الفنان أن يعيد من اختار الرحيل، لكنه يستطيع أن يعيد تشكيل التجربة. الروائي يعيد كتابة اللقاء، والشاعر يخاطب من توقف عن الاستماع، والموسيقي يجعل الإحساس لحناً، والرسام يمنح الغياب لوناً وجسداً ومساحة. فعل ذلك فنانون وكتّاب كثيرون قبل روني. جعل برليوز الحب لحناً يعود ويطارده موسيقياً، وحولت كامي كلوديل الانفصال والصراع إلى أجساد من البرونز والحجر، وجعلت سيلفيا بلاث الانكسار لغة شعرية حادة. أما فرانز كافكا، فقد ترك في رسائله وعلاقاته العاطفية، ولا سيما مع فيليس باور وميلينا يسنسكا، واحداً من أكثر الأرشيفات الأدبية تعقيداً عن الرغبة والقرب والخوف من العلاقة واستحالتها. وفي عالم الرسم، حولت فريدا كاهلو الألم الجسدي والعاطفي والخيانة والحب المضطرب إلى صور للذات؛ لم تُخفِ الجرح، بل جعلته مرئياً داخل جسد اللوحة. وفان جوخ بدوره جعل الوحدة والقلق بحثاً متواصلاً عن اللون والضوء. وفي الثقافة العربية، جعل الشعر اسم ليلى يتردد مع اسم قيس بعد رحيل الاثنين بقرون لكن استحضار هؤلاء لا يعني أن المعاناة شرط للإبداع، أو أن المرض والاضطراب طريق إلى العبقرية. تلك واحدة من أخطر الأساطير الرومانسية عن الفنان. الألم قد يهدم كما قد يدفع إلى التعبير، والفن في كثير من التجارب لم يكن ثمرةً للانهيار بقدر ما كان وسيلة لمقاومته، وفهماً له، ومحاولة لاستعادة الذات من داخله. ولهذا يبدو التنمر على روني أكثر قسوة وجهلاً من أن يكون "نقداً". يمكن للناس أن يختلفوا مع ما تنشره أو مع الطريقة التي تعبر بها، لكن تحويل امرأة شابة مجروحة إلى مادة للسخرية والتشهير والمواعظ الأخلاقية ليس دفاعاً عن القيم. من يسخر من إنسان في لحظة ألم لا يعالج خطأً؛ بل يضيف ألماً إلى ألم. وليس من حق أحد أن يطالب روني بالصمت حتى تتوافق مشاعرها مع تصورات مجتمع عن "العيب" و"الكرامة" و"ما ينبغي للمرأة أن تقوله". من حق روني أن تحب، ومن حقها أن تُخذل في الحب، وأن تحزن، وأن تتكلم أو تصمت، وأن تختار بنفسها كيف تتعامل مع تجربتها. وليس مطلوباً منها بالضرورة أن تحول ألمها إلى فن كي تثبت قوتها أو قيمتها. لكن إن وجدت هي في الفن مساحة تستطيع أن تحمل اتساع مشاعرها، فإن أمامها تقليداً إنسانياً وفنياً عريقاً: أن يصبح ما كان جرحاً خاصاً صورة أو صوتاً أو أغنية أو أداءً يتجاوز صاحبه والواقعة التي أنجبته. ربما يكون السؤال عندئذ أقل تعلقاً بمن رحل: ليس فقط لماذا لم يحبني كما أحببته؟ وإنما: ماذا أفعل أنا بكل هذا الحب والألم اللذين بقيا في داخلي؟ لا توجد إجابة واحدة. لكن الفن يظل إحدى الإمكانات الجميلة: ليس واجباً ولا علاجاً مفروضاً، بل فضاءً للحرية. وروني تملك صدقاً وحساسية وحضوراً فنياً؛ وإذا اختارت يوماً أن تمنح هذه التجربة شكلاً فنياً، فقد يتحول الألم من شيء وقع عليها، إلى شيء تعيد هي تشكيله بشروطها ولغتها وجمالها. عندها لا ينتصر الفن على الحب، ولا يمحو الفقد؛ لكنه يمنح الإنسان سلطة جديدة على حكايته، سرديته... وكيف يسردها...
أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات))
|
|