Post: #1
Title: جاءوا للإغاثة.. فلماذا نتفشخر أمامهم؟ كتبه كمال الهِدَي
Author: كمال الهدي
Date: 09-28-2026, 12:13 PM
12:13 PM September, 28 2026 سودانيز اون لاين كمال الهدي-عمان مكتبتى رابط مختصر
تأمُلات
ما إن بدأت مشاهدة أول فيديو لصانع المحتوى الشهير خالد العليان من داخل فندق السلام روتانا، حتى شعرت بتسارع خفقات قلبي، خجلاً، وربما خوفاً مما هو آتٍ.
فالمنظر هناك كان جميلاً وخادعاً في الوقت نفسه، وكنت أقول لنفسي: وماذا بعد ذلك؟ ماذا سيحدث بعد أن يخرج العليان من الفندق لينقل للناس حجم الدمار الهائل والخراب الذي حاق بعاصمتنا، التي لم تكن تنقصها الأوجاع أصلاً؟
لكن الرجل المهذب الحصيف "سترنا"، حين حرص على حصر مشاهد الخراب والفقر والجوع في أضيق نطاق ممكن.
وقد كان مُجاملاً ودبلوماسياً للغاية في نقل الصورة والحديث عما شاهده هو وبقية رفاقه الكرام في مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
لكن ما حيّرني حقاً أنه، في مقابل ما شعرت به، كانت هناك أحاسيس متبلدة لدى البعض، ممن مارسوا "الفشخرة" في غير محلها.
فأن يأتي زائر لتفقد أحوال من أصابتهم الأهوال، وتقديم الدعم اللازم لهم، فيقوم بعضنا بإهدائه عربة أو ذهباً أو عدداً من النوق، فذلك يعكس حالة من الجهل المريع وبلادة في الإحساس إلى أبعد مدى.
ندرك بالطبع أن إكرام الضيف واجب، وأننا كسودانيين لا يهدأ لنا بال إن لم نكرم ضيفنا، ولكن لكل شيء حدود، والجود بالموجود، كما نقول.
ولذلك، كم أكبرت تصرف تلك المرأة التي قدمت لضيفها كوباً من الشاي، وذلك الشيخ الذي أصر على خالد أن يشرب كوباً من الماء بُرّد في "ثلاجة المساكين" على حد قوله.
أما أن يتفشخر البعض أمام ضيوف جاءوا محملين بأطنان من المواد والمعينات لإغاثة أهلنا، فذلك أمر لا يمكن للعقل أن يستوعبه.
ولو كان لتلك الفئة من "الموهومين" قدرٌ من العقل أو ذرة من الإحساس، لأدركوا أن مثل هذه التصرفات قد تصعق الضيوف أكثر مما تأسرهم. ولعل أياً منهم قد قال في قرارة نفسه: لماذا لم يتكرم هؤلاء على أهلهم الذين قطعنا البحر من أجل إغاثتهم، طالما أنهم يملكون المال، بدلاً من إنفاقه علينا نحن؟
فواهمٌ، حقيقة، من ظن أن مثل هذه "الفشخرة الفاضية" سترفع من شأنه. فتصرفكم هذا يشبه أولئك الذين يقفون أمام قونة تغني، ليلقوا على رأسها ملايين الجنيهات، في بلد يرزح أغلب مواطنيه تحت وطأة الجوع والمرض.
أمام مثل هذه التصرفات الشاذة، كثيراً ما أتساءل: متى سيعود بعضنا إلى صوابه، فنشعر جميعاً كأمة بآلامنا، وندرك أننا كشعب قد ساهمنا، بقدر كبير، في الدمار الذي يلحق ببلدنا؟
ومتى سنغير ما بأنفسنا، حتى يغير رب العزة حالنا، فننعم بالأمن والاستقرار والرخاء؟
ومتى يكف بعضنا عن النفخ الكاذب، ويدرك أنه يفترض أن يخجل من واقع أننا ننتمي إلى بلد يملك من الموارد ما يجعله، كما كانت تقول كتب الجغرافيا، "سلة غذاء العالم"؟
لكننا، بدلاً من ذلك، نكتفي دائماً بأن نكون مجرد متلقين للإغاثات والإعانات، ولا نسأل أنفسنا إطلاقاً: إلى متى سنظل مثل "مغفل نافع"، يستفيد الآخرون من موارد بلدنا وثرواته، بينما ننتظر نحن المعونات والإغاثات من هنا وهناك؟
نشكر أعضاء الوفد السعودي على إنسانيتهم وكرمهم وحسن أخلاقهم، لكن في الوقت نفسه، لا بد أن يحرك فينا ذلك شيئاً من الغيرة على هذا الوطن الذي قصرنا في حقه كثيراً. وكانت النتيجة الطبيعية أن صغرنا أنفسنا بأنفسنا، حتى لم نعد ذلك الشعب الذي يُحترم كما ينبغي.
|
|