Post: #1
Title: وثيقة عرض مسرحية (صور للتعايش والسلام لجماعة مسرح السودان) صور للتعايش والسلام: عرض داوي عبر أداء ص
Author: يوسف ارسطو
Date: 09-28-2026, 01:29 AM
01:29 AM September, 27 2026 سودانيز اون لاين يوسف ارسطو-السودان مكتبتى رابط مختصر
وثيقة عرض مسرحية (صور للتعايش والسلام لجماعة مسرح السودان) صور للتعايش والسلام: عرض داوي عبر أداء صامت. راشد مصطفى بخيت ما يميز العرض الذي قدمته (جماعة مسرح السودان الواحد) على خشبة "مسرح شباب أمدرمان" ضمن فعاليات افتتاح "مهرجان أيام البقعة المسرحيَّة"، أمسية الأحد الموافق 27/3/2005م، ما يميِّز هذا العرض؛ ليس طزاجة الموضوع الذي يتناوله وإن كان ذلك صحيحاً، بل يميِّزه أكثر انتماء صورته المسرحيَّة لذلك النوع الذكي من أنواع "المسرح الصامت"، الذي يشركنا عنوة في عمليات إضفاء المعنى وممارسة التأويل. الصور فنيَّة الصنعة، دالة على حكاية محكمة البناء الدرامي ومنفتحة على أسلوبيات عديدة في فن الإخراج. تتناول هذه الصور واحدة من أهم الإشكاليات السياسية التي وسمت مجمل تاريخ السودان وهي مشكلة الحرب الأهليَّة بين شماله وجنوبه. فتقول قولها وتمضي، وتدور الأيام ويصير قولها واقعاً دون زعمها لأية نبوءة ما. حكاية وتحليل المسرحيَّة: الحكاية التي يقوم عليها جسد العرض المسرحي حكاية يتجاوز وصفها المبدأ القائل بصراع الشخصيات. إذ ينبع التوتر الدرامي فيها من صراع مختلف كلياً، هو صراع الأفكار المجرَّدة والرؤى المفتوحة أكثر مما هو صراع شخصيات بأبعاد معروفة. يدلل ذلك على مخيله إخراجية جامحة ورؤى معرفية تتجاوز حدود الراهن واليومي وتمضي صوب مستقبلٍ تشمله بنظرها وتقرِّر فيه أيلولة الصراع. تصوِّر المسرحية عبر لوحات أدائية مختلفة وقائع من صور الحياة في جنوب السودان قبل اشتعال الحرب الأهليَّة التي تقود لحالات نزوح جماعي صوب أواسط السودان. تواجه الجنوبي في هذه الأواسط إشكاليات جديدة بخلاف الحرب، أبرزت المسرحية منها مشكلة القهر الثقافي والتراتب الاجتماعي الذي يقابله من إنسان هذه الأواسط ويقود تكرارها اليومي إلى زرع نوع من عدم الثقة بينه وبين هذا الإنسان. تبدأ رحلة "الجنوبي" في البحث عن مخرج من هذا المأزق الجديد، تنتهي بأن يدير ظهره كلياً لهذا المكان بالخروج الكامل عنه. يأخذ هذا المشهد الذي اختتمت به المسرحية أهميته، من حيث انفتاحه على احتمالات المستقبل وتقريره لها. إذ يمكن اعتبار هذه الخاتمة بمثابة رؤية باكرة لحدث مؤجل، وتُمثِّل في الوقت نفسه دعوة لإعادة التفكير نقدياً في مشكل لا زالت خيوط حله عالقة بين السماء والأرض. فالحركة الدرامية داخل المسرحيَّة تتنقل بالمُشاهد من عالم التوقع والانتظار السلبي إلى فضاء أكثر تشخيصاً ومواجهة. والنهاية الصادمة للعرض تختبر مدى مشاركة المتفرِّج نفسه في بناء أيلولة ذاك الحدث الذي حتَّمه منطق بناء العرض في تلك النهاية. مضت الأيام ودارت دورتها، وحدث أن جاء المستقبل القريب مؤكِّداً لصحة هذه الرؤية المسرحيَّة، وانقسم السودان فعلياً إلى دولتين في العام 2011، بعد استفتاء كانت نتيجته صادمة هي الأخرى لكن فقط؛ لمن لم يشاهد هذا العرض في شهر مارس من العام 2005. الرؤية الإخراجية: استفاد المخرج "يوسف أحمد عبد الباقي" في تشكيل الفضاء البصري لعرضه من عدة أشكال فنية أخرى، وظّفها بدقَّة في خلق متتالية تأثيرية قوامها الصور المشهديَّة. تعكس هذه الصور ضمن لوحات راقصة، أسلوب بناء المسرحية المنسوج من تآلف خيوط عديدة. فالبانتومايم متأصلٌ في بناء هذه "الصور الصامتة". يدعو المتفرِّج لاستخدام ذهنه في إعادة بناء ما يجري على خشبة المسرح. ويتعمد بذلك تركيز الانتباه، ليُكوِّن الصورة الأكثر بقاءً في ذهن المتلقي. استطاع المخرج أيضاً توظيف "فن الباليه" بنفس الكيفية. فهو يستفيد من قدرته على تجسيد الصور التجريدية والرموز الحبيطة بعالم البشر. يتجلى ذلك في مشهد "طقوس العبور" التي تمارسها قبائل جنوبية لتأكيد انتقال الطفل من مرحلة عمرية إلى أخرى. استخدم المخرج الحوار المنطوق مرَّة واحدة طيلة العرض، ضمن مشهد "أكليشيهات الخطاب السياسي" في المسرحية: "يعيش فلان الفلاني"، "يعيش فلان الفلتكاني"! لغة فضفاضة لا تنزع نحو التشخيص – فلان الفلاني – "إنتو ياهو إنتو ونحن ياهو نحنا"! لعب فارغ على الجمل والألفاظ، يحيل اللغة إلى مجرَّد وسيلة لتمويه وإخفاء طبائع الأمور، تحت عموميَّة مجرَّدة وستار يغلف محتواه الزيف الشعاري. يقتفى العرض أثر "غروتوفسكي" في أساليب عمل "المسرح الفقير" ضمن خيوط رؤيته الإخراجيَّة. فهو لا يعتمد على ديكور مسرحي، ورهانه مرتبط كلياً بجسد الممثِّل في ملء فراغ الخشبة. يرسم العرض صوراً ولوحات راقصة تستخدم الطقس والرقص والإشارة، وكل ذلك يحدث من خلال تشكيل بصري محسوس قادر على إيصال معاني هذه الصور إلى المتفرج الذي يضلُّ قليلاً أثناء العرض؛ وسرعان ما يجد طريقه إليه في مشهد لاحق. يظهر ذلك في ردَّات فعل الجمهور المتكررة بشكل ملحوظ، وهو جمهور معظمه من المسرحيين المحترفين، إذا تذكرنا أن العرض كان ضمن فعالية افتتاح "مهرجان أيام البقعة" في دورته الخامسة. عانت حركة الممثل في الخشبة من انتظام في بعض المرات، لكن الملفت أن الرؤية الإخراجيَّة لم توظف دلالات هذه الحركة لخدمة الأفكار التي بثها العرض أحياناً، باستثناء "الحركة الدائرية"، التي تظهر سيطرتها على أفق القضيَّة المطروحة منذ ذاك التاريخ. إذ كان العام 2005 الذي شهد تقديم هذا العرض؛ هو أوَّل عام لتوقيع "اتفاقيَّة نيفاشا" وحدث أن رأى العرض نتيجتها قبل ذلك بأكثر من ست سنوات. الأداء التمثيلي: جاء الأداء التمثيلي للمجموعة متناسباً مع خلفياتهم الأكاديميَّة. إذ أثبت أفراد المجموعة أنهم يمتلكون جسداً طيِّعاً إلى حدٍ ما: استطاع هذا الجسد أن يحيلنا إلى صورة "قارب" في عرض البحر مرةً والأخرى أحالنا إلى مساكن الريف الصغيرة المتباعدة ضمن مشهد اللوحة الافتتاحيَّة الوارد ضمن بداية المقال. خلاصة: الجزء الذي لا يزال مخفياً عن الدرس في هذه المشكلة هو الإنسان نفسه. والإنسان هنا هو خط غير منتظم تظهر مقولاته في كل صورةٍ من هذه الصور: الإنسان مع الطبيعة، الإنسان ضدَّها. الإنسان مع الحرب، الإنسان الآخر بينها. في مشهد الختام، عندما أدار الجنوبي ظهره للشمال، كان وقع الصدمة أقوى وقتها. بدت كأنها صفعة "نورا" للباب وهي تغادر مملكة الرجل في مسرحية "هنريك إبسن" "بيت الدميَّة". وعند وقوع الحدث بعد ذلك بستة أعوام في 2011، لم يكن إحساسي بحدث الإنفصال صادماً. إذ حاكت "الفترة الإنتقالية" منطق أحداث المسرحيَّة محاكاة صادقة. بعد أن برع الساسة في صناعة "الكوميديا الحية" طيلة تلك السنوات الست، وبعدها. المؤدون: عمر عقال عبد الدين عاطف الطاهر وليد الأمين أيمن أبشر عائشة عبد الله نجاة الطاهر أمجد عباس مقبل عبد الله طارق محمد الحسن هناء أحمد أحمد سالم حمد عبد السلام ميثيانق شريلو الفنيات: مصطفى بابكر مؤثرات صوتية: عاطف صالح. التأليف والإخراج: يوسف أحمد عبد الباقي.
يوسف ارسطو
|
|