وداعاً حيدر إبراهيم- حين يرحل الأستاذ ويبقى السؤال#

وداعاً حيدر إبراهيم- حين يرحل الأستاذ ويبقى السؤال#


09-26-2026, 07:47 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1790448436&rn=0


Post: #1
Title: وداعاً حيدر إبراهيم- حين يرحل الأستاذ ويبقى السؤال#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 09-26-2026, 07:47 PM

07:47 PM September, 26 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر






بعض الرجال لا يرحلون حين يموتون , يرحلون عن مقاعدهم، وعن أصواتهم التي ألفناها في الندوات والحوارات، وعن تلك المسافة التي كانوا يملأونها بين الكتاب والواقع، لكنهم يتركون وراءهم سؤالاً لا يموت
 والدكتور حيدر إبراهيم علي كان واحداً من هؤلاء

بقلوب مثقلة بالحزن، ننعى إلى الشعب السوداني المفكر والكاتب وعالم الاجتماع الدكتور حيدر إبراهيم علي، الذي رحل في القاهرة عن عمر ناهز الثالثة والثمانين، بعد مسيرة فكرية وأكاديمية وثقافية امتدت لأكثر من خمسة عقود
 لكن حيدر إبراهيم لم يكن بالنسبة إلينا اسماً في قائمة المثقفين السودانيين، ولا مجرد أستاذ في علم الاجتماع أو صاحب مؤلفات في نقد الإسلام السياسي. كان واحداً من أولئك الذين جعلوا من الثقافة فعلاً عاماً، ومن المعرفة مسؤولية تجاه المجتمع
ومن الكتابة نوعاً من المقاومة

أستاذ ومفكر لا يخشى الأسئلة الصعبة

عرفناه أستاذاً، ومفكراً، ومجادلاً لا يخشى الأسئلة الصعبة. وربما كان أهم ما يميز تجربته أنه لم يتعامل مع الفكر باعتباره مخزناً للأجوبة الجاهزة، بل باعتباره قدرة دائمة على مساءلة الواقع , درس التاريخ والتربية، ثم علم الاجتماع
في جامعة القاهرة، وحصل على الدكتوراه في فلسفة العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت عام 1978، قبل أن يعمل في الجامعات والمراكز البحثية العربية، وأن يكرس جانباً كبيراً من مشروعه الفكري لعلم الاجتماع الديني
ونقد الإسلام السياسي، وقضايا التنوير والتحرير , لكن قيمة حيدر لا تختصرها الشهادات الأكاديمية؛ فما تركه في السودان يتجاوز الكتب التي كتبها إلى المساحة التي صنعها لغيره كي يكتبوا ويفكروا ويختلفوا
 وهنا تكمن إحدى أهم بصماته-- مركز الدراسات السودانية , مركز الدراسات السودانية: بيت للمعرفة خارج قبضة السلطة

حين أسس حيدر مركز الدراسات السودانية في القاهرة في تسعينيات القرن الماضي، لم يكن يؤسس مؤسسة نشر بالمعنى التقليدي، بل كان يحاول أن يصنع بيتاً للمعرفة السودانية، ومختبراً للفكر والثقافة
في زمن كان فيه السودان يعيش اختناقاً سياسياً وفكرياً شديداً

بدأ المشروع متواضعاً؛ مطبوعات محدودة تحمل في حقيبة، ثم غرفة وصالة صغيرة في شارع شامبليون بالقاهرة، قبل أن يتحول إلى مساحة واسعة للنشاط الفكري والثقافي , وكان شعار المركز الذي اختاره حيدر_
(كن واقعياً واطلب المستحيل) و لم يكن ذلك الشعار زينة لغوية، لقد حاول الرجل أن يجعله طريقة في العمل

فصدر عن المركز نحو 220 كتاباً، وبلغت مجلة «كتابات سودانية» العدد 55، فضلاً عن إنجاز التقرير الاستراتيجي السوداني، وإقامة الندوات، وفتح المنصة أمام أصوات وموضوعات لم تكن تجد طريقها بسهولة
إلى المجال العام في تجربة ثقافية نادرة في تاريخ المؤسسات السودانية المستقلة, ولذلك لم يكن مركز الدراسات السودانية مجرد دار نشر أو مركز أبحاث، بل كان محاولة لاستعادة المجال العام من يد السلطة، وإعادة الاعتبار
إلى الثقافة باعتبارها فعلاً من أفعال المقاومة

مشروع لتحرير العقل

كان حيدر يعرف أن مواجهة الاستبداد لا تكون بالسياسة وحدها. فالاستبداد يبدأ أيضاً حين تحتكر السلطة الحقيقة، وحين يصبح التفكير جريمة، وحين يتحول المجتمع إلى متلقٍ صامت لما تقوله الدولة أو الجماعة أو العقيدة المغلقة
 ولهذا كان مشروعه، في جوهره، مشروعاً لتحرير العقل

ومن هنا نفهم موقفه الصارم من الإسلام السياسي، ومن تجربة الحركة الإسلامية في السودان، ومن تحويل الدين إلى أداة للسلطة. لم يكن نقده مجرد خصومة سياسية، بل كان يرى أن المشكلة أعمق- في طريقة تفكير تستبدل فهم الواقع بالشعارات
وتستدعي الماضي بدلاً من مواجهة أسئلة المستقبل

كان يؤكد أن المجتمعات لا تُدار بالشعارات، وإنما بالفهم العلمي للواقع والتخطيط له ,  ومن هنا أيضاً نفهم موقفه الشجاع من قضية الحريات، ومن إعدام الأستاذ محمود محمد طه، الذي وصفه بأنه عار مقيم في تاريخ السودان،
رابطاً بين الدفاع عن الحرية ومواجهة التعصب واستغلال الدين سياسياً

مفكر لا يخشى الاختلاف

من موقع الاشتراكيين الثوريين، لا نحتاج إلى تحويل حيدر إبراهيم إلى صورة مثالية بلا اختلافات؛ فالمفكر الحقيقي لا يُكرَّم بإلغاء الأسئلة التي أثارها، ولا بتحويله إلى تمثال , نحن نودعه كما عرفناه حقيقة ---- مفكراً شديد الحساسية تجاه الحرية
منحازاً إلى التنوير، متصادماً مع الاستبداد، ومؤمناً بأن السودان لا يمكن أن يخرج من أزماته إلا بتغيير عميق في علاقة الدولة بالمجتمع، وفي علاقة الإنسان بالمعرفة والسلطة

ولأنني عرفته أستاذاً، فإن رحيله بالنسبة إليّ ليس خبراً يمر في شريط الأخبار، إنه فقد شخصي وفكري في آن واحد وهو الأستاذ الحقيقي لا يمنحك المعلومات فقط، بل يمنحك ما هو أصلح وأصعب-  القدرة على أن تسأل، وعلى أن تختلف
وعلى أن تعيد النظر فيما كنت تظنه يقيناً

حيدر في لحظة السودان الراهنة

يأتي رحيل حيدر في لحظة سودانية شديدة القسوة. السودان الذي كتب عنه وحاول أن يفهم تحولاته، والذي حذر فيه من الاستبداد ومن توظيف الدين ومن إفقار المجال العام، يعيش اليوم حرباً مدمرة وتمزقاً اجتماعياً وسياسياً عميقاً
 وفي هذه اللحظة تحديداً، يبدو غياب حيدر أكثر إيلاماً , و كنا نحتاج إلى صوته وهو يقرأ هذه الفوضى، إلى أسئلته أكثر من حاجتنا إلى إجابات جاهزة، وإلى ذلك المثقف الذي يعرف أن مهمة المفكر ليست أن يصفق للمنتصر
ولا أن يبحث عن موقع في السلطة، وإنما أن يظل واقفاً في المسافة الصعبة بين الحقيقة والسلطة

لقد خسر السودان اليوم أحد شهوده الكبار. وخسرنا نحن، الاشتراكيين الثوريين، أستاذاً لم يكن ضرورياً أن نتفق معه في كل شيء حتى ندرك قيمة الحوار معه؛ فالاختلاف مع حيدر كان جزءاً من قيمة حيدر، حيث كان يفتح الباب للنقاش
ثم يتركك أمام مسؤولية أن تفكر ,        


رحل حيدر إبراهيم، لكن الأسئلة التي عاش من أجلها لم ترحل معه -بقي سؤال الحرية , وبقي سؤال علاقة الدين بالسلطة , وبقي سؤال المثقف ودوره في مواجهة الاستبداد , وبقي السؤال الأكبر: كيف يمكن أن نبني سوداناً
لا يحتاج فيه الإنسان إلى أن يتخلى عن عقله كي يكون آمناً، ولا عن حريته كي يكون مواطناً؟- لعل أفضل وفاء لحيدر ألا نحفظ اسمه في كتب النعي فقط، بل أن نواصل الأسئلة التي عاش من أجلها- أن نقرأه، أن نختلف معه
أن نناقشه، وأن نواصل –كما كان يقول– أن نكون واقعيين ونطلب المستحيل

إلى روح أستاذنا الدكتور حيدر إبراهيم علي،سلاماً يليق برجل جعل من الفكر وطناً، ومن الثقافة مقاومة، ومن السؤال طريقاً إلى الحرية

الرحمة لروحه، والصبر لأسرته وتلاميذه ومحبيه، والعزاء للسودان الذي فقد اليوم واحداً من أصواته الفكرية العالية والنبيلة.