الحرب التي لا تظهر في نشرات الأخبار كتبه كمال حامد

الحرب التي لا تظهر في نشرات الأخبار كتبه كمال حامد


09-24-2026, 00:52 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1790207545&rn=0


Post: #1
Title: الحرب التي لا تظهر في نشرات الأخبار كتبه كمال حامد
Author: كمال حامد بكري
Date: 09-24-2026, 00:52 AM

00:52 AM September, 23 2026

سودانيز اون لاين
كمال حامد بكري-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر




حين يصبح الحصول على وجبة طعام معركة، ويصبح الخروج من المنزل مخاطرة، ويصبح الماء والكهرباء حلمًا، فالحرب تكون قد تجاوزت ساحات القتال ووصلت إلى قلب الحياة نفسها.
هناك وجه آخر للحرب لا يظهر في صور المعارك، ولا في بيانات الانتصارات، ولا في خرائط السيطرة. وجهٌ أكثر قسوة لأنه يطارد المواطن إلى بيته، إلى مائدته، إلى مرضه، وإلى تفاصيل يومه الصغيرة.
إنها حرب الجوع.
في كل صباح، يقف الآلاف في طوابير طويلة أمام التكايا، يحملون أوانيهم الفارغة، لا بحثًا عن وجبة شهية، وإنما عن أي شيء يسكت الجوع. حفنة من «البليلة» قد تكون الوجبة الوحيدة التي تنتظرها أسرة كاملة في ذلك اليوم.
المشهد وحده كافٍ لشرح حجم الكارثة.
أناس كانوا يعيشون من عملهم، ويعتمدون على ما تكسبه أيديهم، وجدوا أنفسهم فجأة في طوابير المحتاجين. وأسر كانت تدبر أمورها بصعوبة، أصبحت عاجزة حتى عن توفير أبسط مقومات الحياة.
التكايا لم تعد مجرد باب من أبواب التكافل الاجتماعي؛ لقد تحولت إلى خط دفاع أخير في مواجهة الجوع.
وحين يصبح الطعام الذي تقدمه التكية هو ما يبقي الإنسان حيًا، فهذا يعني أن المجتمع قد وصل إلى مرحلة بالغة القسوة والسوء.
ثم تأتي أزمة أخرى لا تقل وطأة: السيولة.
لم يعد امتلاك المال يعني بالضرورة القدرة على استخدامه. الأموال التي يفترض أن تمنح صاحبها قدرة على شراء احتياجاته أصبحت في كثير من الأحيان مجرد أرقام أو أوراق لا تجد طريقها إلى السوق. وهكذا تساوى، في لحظة اقتصادية قاسية، من يملك المال ومن لا يملكه؛ كلاهما يقف أمام الحاجة عاجزًا عن تلبيتها.
أما الأسواق، فقد دفعت هي الأخرى ثمن الحرب.
ضرائب وجبايات تثقل كاهل التجار، وسيولة شحيحة، وحركة تجارية ضعيفة، وارتفاع في كلفة السلع والنقل، حتى أصبحت الأسواق نفسها تكافح من أجل البقاء. بعضها أغلق أبوابه، وبعضها ظل مفتوحًا في انتظار زبون لم يعد يملك القدرة على الشراء.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة:
السوق مغلق، وإن كان مفتوحًا؛ لأن المواطن الفقير لا يملك ما يشتري به.
لكن الحرب لم تأخذ من الناس قوتهم الشرائية وحدها؛ أخذت منهم إحساسهم بالأمان أيضًا.
في الشوارع، الخوف حاضر.
وفي المنازل، الخوف حاضر.
وعندما تنتشر الجماعات والعصابات المسلحة، يصبح المواطن حذرًا من الطريق، ومن الليل، ومن الغرباء، بل ومن لحظة خروجه من منزله وعودته إليه.
البيت الذي كان يعني الأمان لم يعد دائمًا كذلك، والشارع الذي كان مساحة للحياة أصبح بالنسبة لكثيرين مساحة مجهولة المخاطر.
وهكذا أصبح المواطن محاصرًا بين جوع يطارده من الداخل وخوف يطارده من الخارج.
ثم تأتي الخدمات العامة لتكمل صورة الانهيار.
الماء شحيح، والكهرباء غائبة أو متقطعة، والخدمات الصحية تتراجع، والمرضى يواجهون واقعًا أكثر قسوة من المرض نفسه. فالمريض لا يحتاج إلى الدواء فقط، وإنما يحتاج إلى مستشفى يعمل، وطبيب يستطيع الوصول إليه، وكهرباء تحفظ الأجهزة، ومياه متوفرة، وبيئة صحية تمنع انتشار المزيد من الأمراض.
عندما تنهار هذه الأشياء مجتمعة، لا يعود الحديث عن «تدهور الخدمات» كافيًا لوصف الواقع.
إنها أزمة حياة.
الحرب، في نهاية المطاف، لا تختبر قدرة المقاتلين وحدهم على الصمود؛ إنها تختبر قدرة المجتمع كله على البقاء.
والذين يدفعون الثمن الأكبر غالبًا ليسوا أولئك الذين يملكون السلاح والقرار، وإنما المواطن الذي يريد فقط أن يأكل، وأن يأمن على أسرته، وأن يجد ماءً وكهرباءً ودواءً، وأن يذهب إلى عمله ثم يعود إلى منزله سالمًا.
هذا المواطن لا يريد بطولة.
ولا يريد شعارات.
ولا يريد أكثر من حقه الطبيعي في الحياة.
ومع ذلك، وجد نفسه مطالبًا بخوض معركة كل يوم: معركة من أجل وجبة، ومعركة من أجل الماء، ومعركة من أجل الدواء، ومعركة من أجل الأمان.
تلك هي الحرب التي لا تظهر دائمًا في نشرات الأخبار.
الحرب التي لا تقاس فقط بعدد القتلى والجرحى، وإنما بعدد الأطفال الذين ناموا جائعين، وعدد الأسر التي انتظرت وجبة من تكية، وعدد المرضى الذين لم يجدوا علاجًا، وعدد البيوت التي أظلمت، وعدد المواطنين الذين خرجوا من منازلهم وهم لا يعرفون إن كانوا سيعودون إليها سالمين.
وفي نهاية المطاف، قد تنتهي المعارك ذات يوم، وقد تصمت البنادق، لكن آثار هذه الحرب ستظل في أجساد الجوعى، وفي نفوس الخائفين، وفي ذاكرة الأطفال الذين كبروا وهم يعرفون أن الحصول على وجبة طعام كان يومًا من أصعب معارك الحياة.
فالحرب لا تدمّر المدن فقط؛ أحيانًا تدمر معنى الحياة الطبيعية نفسها .

bakrikamal26@gmail.com