Post: #1
Title: قراءة في رؤية الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإنهاء الحرب على ضوء «ميثاق النجاة وبناء الدولة»
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 09-23-2026, 07:21 PM
07:21 PM September, 23 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
سلسلة «استكمالاً لا مصادمة» سلامٌ محليُّ الصنع… ولكن بأيّ مصنع؟ قراءة في رؤية الفريق أول عبد الفتاح البرهان لإنهاء الحرب على ضوء «ميثاق النجاة وبناء الدولة»
د. علي عبدالله الخليفة طه
ملاحظة توثيقية: تستند هذه القراءة إلى عرض صحيفة «الراكوبة» (22 سبتمبر 2026) لمقال البرهان المنشور في مجلة «فورين بوليسي» بعنوان «كيفية إحلال السلام في السودان». والعبارات الواردة بين علامتي تنصيص هي الترجمة العربية كما نقلتها الصحيفة لا النص الإنجليزي الأصلي؛ فنحن نحاور الرؤية كما قُدِّمت للقارئ العربي، مع الإقرار بأن مراجعة الأصل قد تُدخل على بعض الصياغات تدقيقاً لا يغيّر جوهر الحجة.
مدخل: اختبار الرؤية بمعاييرها
تتميّز هذه الحلقة من السلسلة عن سابقاتها في أمر جوهري: فالمحاوَر هنا ليس كاتباً أو محللاً يقف خارج الصراع، بل قائد المؤسسة العسكرية وأحد طرفي الحرب. وهذا يفرض على القراءة مسافة نقدية أوضح، لا عداءً ولا تزكية، وإنما التزاماً بالمنهج ذاته: أن نُقِرّ بما تُصيب فيه الرؤية، وأن نكشف فجواتها البنيوية، وأن نضع أمام كل فجوة الآلية التي يقترحها الميثاق لسدّها. والسؤال الذي تنتظم حوله هذه القراءة بسيط في صياغته عسير في جوابه: إذا كان السلام يجب أن يكون ( محلي الصنع، بواسطة السودانيين، وللسودانيين، وفي السودان ) ، كما يقول البرهان، فمن يملك المصنع؟ ومن يضع مواصفات المنتج؟ ومن يضمن ألّا يخرج من خط الإنتاج نسخةٌ جديدة من الدولة التي أنتجت الحرب؟ إن استكمال الرؤية لا مصادمتها يعني أن نأخذ مبادئها المعلنة بجدية كاملة، ثم نسأل عن الشروط التي تجعلها قابلة للتحقق.
أولاً: ما تُصيب فيه الرؤية
ينبغي الإقرار ابتداءً بأن الرؤية تتضمن عناصر تشخيصية صائبة، يلتقي بعضها التقاءً مباشراً مع منطلقات الميثاق. أولها مبدأ الملكية الوطنية للسلام. فتجربة السنوات الماضية تشهد بأن المبادرات التي صيغت في عواصم الإقليم والعالم، مهما حسنت نواياها، ظلت تتعامل مع السودان بوصفه ملفاً أمنياً لا مجتمعاً سياسياً. والقول بأن الاتفاقات المُملاة من الخارج لا تصمد قولٌ تؤيده الوقائع. وثانيها التحذير من الهدنة بوصفها استراحة محارب. فوقف إطلاق النار الذي لا يعالج مصادر إعادة التسلح وإعادة التنظيم لا ينهي الحرب بل يؤجلها، وقد أظهرت مأساة الفاشر في أكتوبر 2025 الكلفة الإنسانية الفادحة لغياب الضمانات الفعلية لحماية المدنيين. وثالثها ربط استدامة الحرب بشبكات التمويل والإمداد العابرة للحدود. وهذا يلامس جوهر ما يسميه الميثاق اقتصاد البوابات: أي أن الحرب في السودان ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي أيضاً اقتصادٌ قائم بذاته، تُدار فيه المنافذ والموارد والمعابر بوصفها مصادر ريع لمن يسيطر عليها بالسلاح. ورابعها مبدأ الجيش الوطني الواحد وحصر السلاح في مؤسسات الدولة. وهو مطلب وطني لا خلاف على أصله؛ فلا دولة تقوم مع تعدد الجيوش وتعدد الولاءات وتعدد مصادر التمويل. غير أن الإقرار بصواب هذه المبادئ هو بالضبط ما يفرض السؤال عن شروطها. فالمبدأ الصحيح الذي لا تحرسه آلية مؤسسية يتحول إلى شعار، والشعار الذي يرفعه طرف في الحرب يحتاج إلى ضمانات تجعله ملزماً له قبل غيره. ثانياً: الفجوات البنيوية وآليات الميثاق
١. مصدر الشرعية: من الاعتراف إلى الوظيفة
تؤسس الرؤية شرعية الحكومة القائمة على كونها تمثل ( السلطة القانونية لدولة عضو في الأمم المتحدة ) . وهذه شرعية حقيقية في منطق القانون الدولي، لكنها شرعية شكلية مستمدة من الاعتراف الخارجي. وهنا تقع مفارقة لافتة: فالرؤية ترفض الإملاء الخارجي في رسم التسوية السياسية، لكنها تستند إلى الاعتراف الخارجي في تأسيس شرعيتها. يقدّم الميثاق في مقابل ذلك مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة: الشرعية لا تُمنح من فوق ولا تُستورد من الخارج، بل تُكتسب بالأداء، وتصعد من المجتمع إلى الدولة بقدر ما تؤدي المؤسسات وظائفها في الحماية والخدمة والعدل. وبهذا المعيار، فإن الإقرار بأن الحكومة ( غير مثالية ) لا يكفي؛ المطلوب معايير أداء معلنة تُقاس بها شرعيتها خلال الانتقال، ويحق للمواطنين محاسبتها عليها.
٢. من يصنع «الصنع المحلي»؟
يدعو البرهان إلى ( حوار سوداني-سوداني ) يكتب فيه السودانيون دستورهم ( بأيد سودانية ) . والمبدأ لا غبار عليه، لكن الحوار الذي يدعو إليه طرفٌ في الحرب ويحدد شروطه ويمنح ضماناته لا يصبح وطنياً لمجرد أن أطرافه سودانيون. فالسودنة شرط لازم لكنها ليست كافية؛ والسؤال الحاسم هو: من يدير الحوار، ومن يضع جدول أعماله، ومن يملك حق النقض على مخرجاته؟ وقد لاحظ التقرير نفسه أن قوى سياسية ومدنية قبلت مبادرة أغسطس بينما اعترضت عليها أطراف أخرى، وهذا الانقسام بذاته مؤشر على أن مسألة الجهة الراعية لم تُحسم. هنا تأتي مبادرة الجسر الانتقالي بوصفها إطاراً لإدارة المرحلة الانتقالية لا يحتكره أي طرف مسلح، يُنقل فيه ملف الحوار من يد من يحمل السلاح إلى هيئة مدنية ذات تمثيل واسع وقواعد معلنة. فالسلام «محلي الصنع» حقاً هو الذي لا يصنعه المنتصر ولا يصنعه الوسيط، بل تصنعه مؤسسة انتقالية يعترف بها المجتمع لأنها لا تنتمي إلى أي من طرفي البندقية.
٣. الجيش الواحد يحتاج إلى جدار
مبدأ الجيش الواحد صحيح، لكن التاريخ القريب يعلّمنا أن وحدة البندقية لا تعني بالضرورة خضوعها. فقوات الدعم السريع لم تنشأ خارج الدولة، بل نشأت بقرار منها، وقُننت بقانون صادر عنها، وكانت شريكاً للمؤسسة العسكرية في إدارة الفترة الانتقالية وفي إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021. إن المشكلة التي أنتجت الحرب لم تكن تعدد الجيوش وحده، بل كانت قبل ذلك تداخل السلاح مع السياسة والاقتصاد، واستخدام القوة المسلحة أداةً في معادلات الحكم. لذلك فإن توحيد الجيش دون فصله المؤسسي عن السياسة والاقتصاد يعيد إنتاج الشروط ذاتها في صورة جديدة. وهذا موضع الجدار المؤسسي في الميثاق: فصلٌ دستوري ومؤسسي صارم يُخرج المؤسسة العسكرية من الحكم ومن النشاط الاقتصادي الربحي، ويُخضعها لرقابة مدنية منتخبة. وبغير هذا الجدار، يصبح الجيش الواحد جيشاً واحداً قادراً على أن يفعل ما فعلته الجيوش المتعددة. ويتصل بهذا أن اقتصاد البوابات لا يقتصر على إمدادات الدعم السريع. فالسيطرة المسلحة على الذهب والموانئ والمعابر والشركات ذات الصلة بالمؤسسات العسكرية والأمنية ظاهرة تخص كل من يحمل السلاح. وإذا كانت الرؤية تطالب المجتمع الدولي بقطع خطوط تمويل الدعم السريع، فإن اتساقها يقتضي أن تلتزم بإخضاع كل الموارد التي تسيطر عليها المؤسسة العسكرية لولاية المالية العامة والرقابة المدنية.
٤. غياب الأطراف: الحرب التي لا تُسمّى جذورها
تخلو الرؤية كما عرضها التقرير من أي معالجة لجذور الحرب في العلاقة المختلة بين المركز والأطراف. وهذا غياب له دلالته؛ فالحرب الراهنة ليست حدثاً منبتّاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الحروب التي اندلعت في الجنوب ثم في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وكان قاسمها المشترك احتكار المركز للسلطة والثروة والتعريف الرسمي للهوية الوطنية. إن السؤال الذي لا تطرحه الرؤية هو: لماذا تتسلح الأطراف أصلاً؟ وما لم يُجب عنه، فإن حصر السلاح في جيش واحد سيبقى إجراءً أمنياً لا تسوية سياسية. وهنا يقدّم الميثاق الركيزة الرابعة: تمثيل إقليمي مؤسسي مضمون دستورياً، يجعل الأقاليم شريكاً في صنع القرار الوطني لا موضوعاً له، ويزيل الحافز البنيوي الذي يدفع المجتمعات المهمشة إلى البحث عن التمثيل عبر فوهة البندقية.
٥. العدالة: بين الاستدعاء والمساءلة
يستدعي البرهان انتهاكات الفاشر، وهي انتهاكات موثقة وجسيمة تستوجب المساءلة بلا تردد. لكن العدالة التي تُستدعى في مواجهة الخصم وحده تتحول إلى سلاح سياسي، ولا تؤسس لسلام. ويزيد الأمر تعقيداً أن الرؤية نفسها أشارت، في مبادرة أغسطس، إلى ( ضمانات مؤقتة ) تسمح بمشاركة شخصيات تواجه إجراءات قانونية في الحوار. وليس المقصود هنا رفض الضمانات من حيث المبدأ، فقد تقتضيها ضرورات الحوار، وإنما المطالبة بمعايير معلنة لمنحها، حتى لا تُقرأ بوصفها عدالة انتقائية: متشددة مع الخصوم، متسامحة مع الحلفاء. يقترح الميثاق في هذا الموضع العدالة الانتقالية الثلاثية، التي تميز بين مستويات المسؤولية ومسارات المعالجة، فتجمع بين المساءلة الجنائية عن الجرائم الجسيمة أيّاً كان مرتكبها، وكشف الحقيقة وجبر الضرر للضحايا، والإصلاح المؤسسي الذي يمنع التكرار. والمعيار الحاسم فيها هو الشمول: لا حصانة لطرف بسبب موقعه، ولا إدانة لطرف بسبب موقفه.
٦. التنظيم وقاعدته الاجتماعية
يرفض البرهان مساواة الدولة بقوات الدعم السريع ( أخلاقياً وقانونياً ) ، ويرفض منح قيادتها شرعية سياسية. وهذا موقف قابل للدفاع في منطق القانون. غير أن السلام الاجتماعي يقتضي تمييزاً لا تقوم به الرؤية: التمييز بين قيادة التنظيم المسلح وبين المجتمعات التي جُنّد منها كثير من مقاتليه. فتلك المجتمعات لم تختر الحرب بوصفها كتلة واحدة، وكثير من أبنائها ضحايا للفقر والتهميش قبل أن يكونوا أدوات للعنف. يقدّم الميثاق هنا مفهوم الافتقار، أي الاعتماد المتبادل بين مكونات الجماعة الوطنية، مؤسَّساً على أرضية فلسفية مدنية: من فكرة «الوجود-مع» عند هايدغر، إلى أخلاق المسؤولية تجاه الآخر عند ليفيناس، إلى فلسفة «أوبونتو» الإفريقية القائلة إن الإنسان إنسانٌ بغيره، إلى أعمال إلينور أوستروم في إدارة الموارد المشتركة. ومقتضى هذا المفهوم أن لا دولة تُبنى بإقصاء مجتمعات بأكملها من ( نحن ) الوطنية؛ فالمساءلة تقع على الأفراد والقيادات، أما المجتمعات فمكانها داخل العقد الوطني الجديد لا خارجه.
٧. السلام من فوق أم من تحت؟
يختم البرهان رؤيته بأربعة مطالب، كلها موجهة إلى المجتمع الدولي: دعم خطته أمام مجلس الأمن، وقطع إمدادات الدعم السريع، ومساندة الأمم المتحدة في مراقبة وقف إطلاق النار، ومنح السودانيين مساحة لتقرير مستقبلهم. واللافت أن هذه المطالب لا تتضمن مطلباً واحداً موجهاً إلى الداخل السوداني: لا إلى القوى المدنية، ولا إلى لجان المقاومة، ولا إلى النقابات والإدارات الأهلية والمبادرات المجتمعية التي حملت عبء إغاثة الناس طوال سنوات الحرب. وهنا تكمن المفارقة الأعمق: رؤية تجعل السودنة مبدأها الأول، ثم تخاطب الخارج وحده. يقدّم الميثاق في مقابل ذلك النفير الوطني الكبير: تعبئة مجتمعية واسعة تجعل المجتمع السوداني نفسه فاعلاً في صنع السلام وحراسته، لا متلقياً لما يُتفق عليه بين الدولة ومجلس الأمن. فالسلام الذي لا يملكه الناس لا يحرسه الناس، والسلام الذي لا يحرسه الناس يسقط عند أول اختبار.
ثالثاً: من الشعار إلى الشرط
إذا أُخذت الرؤية بجدية، فإن استكمالها يقتضي تحويل مبادئها المعلنة إلى التزامات قابلة للقياس. ويمكن إجمال ذلك في أن يُقرن كل مبدأ من مبادئها بشرطه: فمبدأ السودنة يقتضي أن تُنقل رعاية الحوار إلى هيئة مدنية انتقالية مستقلة عن طرفي الحرب. ومبدأ الجيش الواحد يقتضي التزاماً دستورياً مسبقاً بخروج المؤسسة العسكرية من الحكم والاقتصاد. ومبدأ قطع التمويل يقتضي أن يشمل كل موارد الحرب لا موارد الخصم وحده. ومبدأ الدستور بأيد سودانية يقتضي تمثيلاً مضموناً للأقاليم في صياغته. ومبدأ المساءلة يقتضي عدالة شاملة بمعايير معلنة. ومبدأ الانتخابات الحرة يقتضي بيئة سياسية مفتوحة تسبقها، لا انتخابات تُجرى في ظل سلطة الأمر الواقع. بهذه الشروط وحدها يمكن أن تتحول الرؤية من موقف تفاوضي لطرف في الحرب إلى أرضية وطنية مشتركة. وبغيرها، ستبقى عبارة ( السلام المحلي الصنع ) صحيحةً في لفظها، ملتبسةً في مضمونها.
خاتمة
يختم البرهان مقاله بعبارة: ( ثقوا بأمتنا كي تكتب سلامها بنفسها ) . وهي عبارة يمكن أن نتبناها كاملة، بشرط أن نأخذها بمعناها الحرفي: أن تكتب الأمة سلامها بنفسها، لا أن تكتبه عنها مؤسسة واحدة باسمها. فالثقة المطلوبة من المجتمع الدولي هي ذاتها الثقة المطلوبة من القيادة العسكرية تجاه شعبها: أن تفسح المجال لمؤسسات مدنية تصنع السلام، وأن تقبل بأن تكون جزءاً من العقد الجديد لا واضعةً له.
|
|