Post: #1
Title: السودان .. حين يصبح الاقتصاد ساحةً للحرب كتبه مختار العوض موسى
Author: مختار العوض موسى
Date: 09-23-2026, 06:05 PM
06:05 PM September, 23 2026 سودانيز اون لاين مختار العوض موسى-Sudan مكتبتى رابط مختصر
يُنسب إلى كريستين لاغارد، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، قولٌ مفاده إن الحرب لا تستهدف الأرض وحدها، وإنما تستهدف اقتصاد الدول وإضعافها وإفقار شعوبها، وتجريدها من قوتها المالية، وصولًا إلى إضعاف قدرتها على حماية نفسها والوفاء بالتزاماتها الأساسية.
وبعيدًا عن دقة نسبة هذا القول إلى صاحبته، فإن الفكرة التي يعبر عنها تستحق التوقف عندها؛ فالحروب الحديثة لا تُخاض بالأسلحة وحدها، وإنما تُخاض كذلك عبر الاقتصاد، والموارد، والعقوبات، وتعطيل الإنتاج، وإضعاف مؤسسات الدولة.
وعندما ينهار الاقتصاد، تصبح الدولة أكثر هشاشة، ويصبح المواطن أول من يدفع الثمن.
السودان.. نزيف لا يتوقف
ما يحدث في السودان اليوم من حرب طاحنة وانهيار اقتصادي وتدهور معيشي يمثل واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، وإنما تحولت إلى أزمة شاملة تمس الدولة والمجتمع والاقتصاد ومستقبل الأجيال.
المصانع توقفت، والإنتاج تراجع، والبنية التحتية تعرضت لأضرار جسيمة، والأسواق اضطربت، وفرص العمل تقلصت، فيما وجد ملايين السودانيين أنفسهم أمام واقع قاسٍ عنوانه النزوح والخوف والفقر وانعدام الأمن.
والسؤال المؤلم هنا: إلى أين يقودنا استمرار هذا النزيف؟
عانى السودان، عبر عقود، من أزمات سياسية واقتصادية متلاحقة، ومن عقوبات وضغوط دولية في مراحل مختلفة، فضلًا عن تراكم الديون والاختلالات الاقتصادية.
ومع مرور السنوات، أصبح الاقتصاد أكثر هشاشة، فيما ظلت البلاد عاجزة عن استثمار إمكاناتها الكبيرة بالشكل الذي يمكن أن يحول مواردها إلى تنمية حقيقية يستفيد منها المواطن.
ولا يمكن اختزال الأزمة السودانية في عامل واحد أو طرف واحد؛ فهي حصيلة تراكمات طويلة، تداخلت فيها الصراعات السياسية الداخلية مع الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الأمنية، إلى جانب عوامل وضغوط إقليمية ودولية.
بلد غني.. وشعب فقير
ربما تكون أكبر مفارقات السودان أن بلدًا يمتلك كل هذه الإمكانات الزراعية والمعدنية والبشرية والجغرافية، يعيش فيه ملايين المواطنين تحت ضغط الحاجة وتدهور الخدمات.
السودان يمتلك الأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعادن ومقومات زراعية ضخمة، فضلًا عن موقع استراتيجي مهم. لكن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة تحقيق التنمية.
فالموارد تحتاج إلى دولة مستقرة، والاستقرار يحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات تحتاج إلى بيئة سياسية تسمح لها بالعمل بعيدًا عن الصراعات والاستقطاب.
الحرب لا رابح فيها
قد يعتقد البعض أن الحروب تحسم الخلافات، لكن التجارب أثبتت أن الحروب الطويلة تترك الجميع أمام فاتورة باهظة.
حتى من يخرج من المعركة متقدمًا عسكريًا، يجد نفسه أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء، واقتصاد يحتاج إلى سنوات لاستعادة عافيته، ومجتمع أنهكته الانقسامات والنزوح والفقر.
أما المواطن البسيط، فلا يعنيه كثيرًا استمرار المعركة بقدر ما يعنيه أن يجد الأمان، والغذاء، والدواء، والتعليم، والعمل، وأن يستطيع أن يعيش مع أسرته بعيدًا عن الخوف.
ماذا نحن فاعلون؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: ماذا نحن فاعلون للخروج من عنق الزجاجة؟
قد تكون البداية في الاتفاق على ميثاق وطني يضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والشخصية، ويؤكد أن الوطن ليس ملكًا لفئة أو حزب أو جماعة، وإنما هو ملك لجميع السودانيين.
نحتاج إلى أن نتعاون معًا من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وحماية الاقتصاد، واستعادة الإنتاج، وتوفير البيئة التي تسمح للسودان باستثمار موارده بدلًا من استنزافها في الصراع.
السياسة حق.. والوطن أولوية
ليس المطلوب أن يتوقف السودانيون عن الاختلاف السياسي؛ فالاختلاف والتنافس جزء طبيعي من الحياة السياسية.
لكن المطلوب هو أن نفرق بين التنافس السياسي الشريف والمشروع وبين الصراع الذي يهدد وجود الدولة نفسها.
يمكن أن نختلف في البرامج والرؤى والسياسات، ويمكن أن نتنافس على إدارة البلاد، لكن يجب أن نتفق على أن السودان نفسه خط أحمر، وأن مؤسسات الدولة ومواردها ووحدة المجتمع ليست أوراقًا للمساومة السياسية.
فبناء الوطن لا يتعارض مع التنافس السياسي، بل إن التنافس السياسي الحقيقي يجب أن يكون وسيلة لتقديم الأفضل للوطن والمواطن.
السودان أولًا
السودان اليوم بحاجة إلى لحظة تاريخية تتقدم فيها مصلحة الوطن على المصالح الضيقة.
كما أنه بحاجة إلى مشروع وطني يعيد بناء الدولة، ويوقف نزيف الاقتصاد، ويعيد النازحين إلى مناطقهم، ويعيد عجلة الإنتاج، ويهيئ بيئة آمنة للاستثمار، ويحفظ موارد البلاد للأجيال المقبلة.
السودان ليس فقيرًا بالموارد، وإنما يعاني من سوء توظيف إمكاناته ومن أزمات متراكمة عطلت قدرته على النهوض.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية التي تستحق أن نخوضها اليوم هي معركة البناء لا الهدم، والإنتاج لا الاستنزاف، والوحدة لا الانقسام، والدولة لا الفوضى.
الكلمة الأخيرة
لن ينهض السودان إذا ظل أبناؤه ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم خصومًا دائمين، ولن يخرج من أزمته إذا أصبح الخلاف السياسي سببًا لتدمير الاقتصاد وتمزيق المجتمع.
الاختلاف السياسي يمكن أن يبقى، والتنافس مشروع، لكن الوطن يجب أن يبقى فوق الجميع.
فاللبنة الأولى للنهوض بالسودان هي أن ندرك جميعًا أن بناء الدولة مسؤولية مشتركة، وأن التنافس السياسي الشريف يجب أن يكون من أجل الوصول إلى الأفضل، لا من أجل إسقاط الوطن. ولا بد من مضاعفة الجهود لتحويل الإدارات الأهلية من رأسمال اجتماعي مهدر إلى ركيزة حقيقية لإدارة التنوع دون أن تكون أداة استقطاب سياسي، وأي عمل تخطيطي مؤسس لا بد من ربطه بالمساءلة دون الاكتفاء فقط بتقديم وثائق للوزارات تسترشد بها، نحتاج لإجراء عصف ذهني من أجل دعم الإصلاحات المؤسسية وتعزيز علاقة البلاد بالمؤسسات المالية الدولية بغرض الوصول إلى التمويل التنموي الخارجي؛ ووضع استراتيجية وطنية متكاملة لمكافحة ما تعانيه البلاد من تعثرات اقتصادية، والعمل على دمج الأعراف القبلية المحلية في إطار قانوني، بدلًا من تركها بمعزل عن الدولة؛ وأن تكون لدينا إرادة سياسية واستراتيجية وطنية تضع مواجهة التحديات الاقتصادية في قلب سياسات وبرامج الحكومة، وأن تكون هذه الاستراتيجية ذات أهداف قابلة للقياس والتقويم الموضوعي؛ مع وضع برامج ونظم ومؤسسات تنفيذية تترجم هذه الاستراتيجية إلى واقع حقيقي دون أن تبقى الخطط حبرًا على ورق. السودان بحاجة إلى أن يتوقف نزيفه، وأن يستعيد عافيته، وأن يفتح صفحة جديدة عنوانها: السودان أولًا.. ثم تأتي بعد ذلك كل الخلافات.
|
|