استكمالاً لا مصادمة عندما تُصبح الأسئلة المؤجَّلة بنيةً سياسية: قراءة في مقال "أسئلة التوافق المؤجل

استكمالاً لا مصادمة عندما تُصبح الأسئلة المؤجَّلة بنيةً سياسية: قراءة في مقال "أسئلة التوافق المؤجل


09-19-2026, 12:49 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789818551&rn=0


Post: #1
Title: استكمالاً لا مصادمة عندما تُصبح الأسئلة المؤجَّلة بنيةً سياسية: قراءة في مقال "أسئلة التوافق المؤجل
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 09-19-2026, 12:49 PM

12:49 PM September, 19 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



استكمالاً لا مصادمة
عندما تُصبح الأسئلة المؤجَّلة بنيةً سياسية: قراءة في مقال "أسئلة التوافق المؤجلة" ليوسف الغوث

بقلم: د. علي عبدالله الخليفة طه

مدخل: أطروحة تستحق الإصغاء

يقدّم الأستاذ يوسف الغوث في مقاله "أسئلة التوافق المؤجلة" واحدة من أكثر القراءات تماسكًا لمسار الصراع المسلح في السودان، إذ يربط بخيط تحليلي واحد بين حرب الجنوب عام 1955 وحرب الخرطوم عام 2023، ويرفض اختزال الحرب الراهنة في كونها حدثًا طارئًا أو انزلاقًا عرضيًا. هذه المقالة لا تأتي لمصادمة تلك الأطروحة، بل لاستكمالها؛ فالتشخيص الذي يقدّمه الكاتب دقيق في جوهره، لكنه، كغيره من القراءات التشخيصية، يقف عند حدود السؤال "لماذا تكرر الفشل؟" دون أن يمتد إلى سؤال "كيف يُبنى ما لا يتكرر فشله؟".

أولاً: مواطن القوة في التشخيص

1. التسلسل التاريخي كدليل تراكمية لا عرضية

يرصد الكاتب بدقة النمط المتكرر عبر المحطات الانتقالية المتعاقبة: من استقلال 1956 إلى ثورة أكتوبر 1964، ومن انقلاب مايو 1969 إلى انتفاضة أبريل 1985، ومن ثورة ديسمبر 2019 إلى انقلاب 2021. هذا الرصد يفكك بشكل مقنع الرواية السائدة التي تعامل كل أزمة كحدث منفصل، ويؤسس بدلًا منها لفهم الأزمة السودانية كبنية متكررة تُعاد إنتاجها في كل مرة تُختزل فيها قضايا الوطن الكبرى في معارك آنية على السلطة.

2. تفكيك العاملين المتشابكين

يميّز المقال بوضوح بين عاملين اثنين غذّيا استمرار الأزمة: الخطاب الديني المسيّس الذي تحوّل من رؤية إصلاحية إلى أداة نفوذ وهيمنة، والمحيط الإقليمي الذي وظّف الانقسامات الداخلية لخدمة أجنداته الجيوسياسية. هذا التمييز بين العامل الداخلي والعامل الخارجي، وربطهما معًا في معادلة واحدة، يقترب من منطق العلاقات المتبادلة الذي تقوم عليه أطر التحليل البنيوي للصراعات الممتدة.

3. الخلاصة الاستفزازية

تختتم المقالة بعبارة بليغة تختصر أطروحتها بأكملها: "الأسئلة التي لا تُجاب بصدق، تُجاب بالرصاص". هذه الصياغة لا تكتفي بالتشخيص، بل تحمل إنذارًا ضمنيًا بأن استمرار التهرب من الأسئلة المؤسسة سيبقي البلاد رهينة لدائرة العنف ذاتها.

ثانياً: من التشخيص إلى البناء، الفجوات البنيوية

قوة أي تشخيص تُقاس في نهاية المطاف بقدرته على توليد مسار عملي للخروج من الأزمة التي يصفها. وهنا تبرز خمس فجوات بنيوية في مقال الأستاذ الغوث، لا تُنقص من قيمته التحليلية، بل تفتح الباب لاستكماله.

1. التشخيص دون آلية تنفيذية

يدعو المقال إلى "مواجهة جريئة للأسئلة المؤسِّسة" وصياغة "عقد اجتماعي جديد"، لكنه لا يحدد من يملك سلطة صياغة هذا العقد، ولا الآلية التي تمنع تكرار "التوافقات الإجرائية الهشة" التي يذمّها الكاتب نفسه بوصفها سببًا للأزمة.
مدخل الميثاق: تسدّ هذه الفجوة فكرة الجدار المؤسسي، وهو فصل بنيوي بين سلطة صياغة العقد الاجتماعي والقوى المسلحة أو الفصائلية التي أفشلت التوافقات السابقة تاريخيًا. فبدون هذا الجدار، تظل صياغة أي عقد اجتماعي رهينة لموازين القوة العسكرية اللحظية، وهو بالضبط ما وصفه الكاتب بأنه "توافقات إجرائية هشة".

2. غياب مسار تدرّجي لبناء الثقة

يطرح المقال "بناء الدولة" كهدف نهائي دون تحديد مسار وسيط يبني الثقة تراكميًا بين الأطراف المتصارعة والمجتمع. الانتقال المباشر من التشخيص إلى الهدف الكلي يكرر خطأ التجارب الانتقالية السابقة التي راهنت على إعلانات دستورية فوقية بدل مسارات تدرّجية مثبتة.
مدخل الميثاق: مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة يعالج هذه الفجوة بجعل الشرعية نتاجًا لأداء متدرّج وقابل للتحقق ميدانيًا، لا لإعلان دستوري يُفرض من أعلى. الثقة هنا تُبنى من القاعدة صعودًا، عبر محطات أداء ملموسة، لا تُستورد من نص قانوني وحده.

3. الخطاب الديني المسيّس كعرض لا كبنية اقتصادية

يعالج المقال تسييس الخطاب الديني بوصفه ظاهرة خطابية بالدرجة الأولى، لكنه لا يربطها بالبنى المادية ، توزيع الموارد، شبكات الريع، المحسوبية ، التي تمنح هذا الخطاب قوته الفعلية على الأرض.
مدخل الميثاق: مفهوم اقتصاد البوابات يفسر كيف تتحول السيطرة على موارد الدولة ومنافذها إلى أداة لإدامة الانقسامات التي يوظفها الخطاب الديني المسيس والتدخل الإقليمي معًا. فتفكيك الاستقطاب الخطابي دون تفكيك اقتصاد السيطرة على البوابات يُبقي الخطاب أداة قابلة لإعادة التوظيف عند كل أزمة.

4. معالجة الإرث دون آلية عدالة

تشير عبارة "دماء السودانيين ومستقبلهم" ضمنًا إلى تراكم مظالم غير معالجة عبر عقود من الحروب المتعاقبة، لكن المقال لا يقترح آلية محددة لمعالجة هذا الإرث كشرط مسبق لأي عقد اجتماعي جديد.
مدخل الميثاق: إطار العدالة الانتقالية الثلاثية يوفر هذا المسار عبر معالجة المستويات الثلاثة للمظالم ، الفردي والجماعي والبنيوي ، في آن واحد، بما يمنع تحوّل ملف العدالة إلى ورقة ضغط سياسية جديدة تُضاف إلى الأسئلة المؤجلة بدل أن تُغلقها.

5. التدخل الإقليمي: تشخيص دون بروتوكول احتواء

يدعو المقال إلى "رسم حدود صارمة للتدخلات الإقليمية"، وهو مطلب مشروع، لكنه يبقى شعارًا سياسيًا ما لم تُترجم هذه الحدود إلى آلية تنفيذية قابلة للتفعيل والمراقبة.
مدخل الميثاق: يحدد بروتوكول التفعيل كيف تُترجم هذه الحدود إلى إجراءات عملية مرتبطة بمحطات زمنية ومؤسسية واضحة، بدل أن تبقى مبدأً عامًا عرضة للتأويل أو التجاوز عند كل تبدّل في موازين القوى الإقليمية.
خاتمة: من الرصاص إلى الآلية
خلص الأستاذ الغوث إلى أن "الأسئلة التي لا تُجاب بصدق، تُجاب بالرصاص"؛ وهذه المقالة تضيف إليها أن الصدق وحده لا يكفي لإيقاف الرصاص ما لم يُترجم إلى آلية. فالأسئلة المؤجلة التي يصفها الكاتب ، هوية الدولة، علاقة المركز بالهامش، شكل الحكم، طبيعة المواطنة، لن تُجاب بإعادة صياغتها بلغة أكثر وضوحًا فحسب، بل بإنشاء البنية المؤسسية التي تحول الإجابة من نية سياسية إلى واقع قابل للتحقق والمساءلة. وهذا بالضبط ما يطمح إليه ميثاق النجاة وبناء الدولة: ليس بديلًا عن التشخيص الذي قدّمه الكاتب، بل استكمالًا له.