من السلام التأسيسي إلى الميثاق: حين يلتقي التنظير بالآلية قراءة في مقال "السلام التأسيسي.. من وقف ا

من السلام التأسيسي إلى الميثاق: حين يلتقي التنظير بالآلية قراءة في مقال "السلام التأسيسي.. من وقف ا


09-18-2026, 11:15 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789726548&rn=0


Post: #1
Title: من السلام التأسيسي إلى الميثاق: حين يلتقي التنظير بالآلية قراءة في مقال "السلام التأسيسي.. من وقف ا
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 09-18-2026, 11:15 AM

11:15 AM September, 18 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



من السلام التأسيسي إلى الميثاق: حين يلتقي التنظير بالآلية
قراءة في مقال "السلام التأسيسي.. من وقف الحرب إلى تأسيس العقد الوطني الجديد" لزكريا آدم علي

د. علي عبدالله الخليفة طه •

يطرح الكاتب زكريا آدم علي في مقاله تمييزاً نظرياً بالغ الأهمية بين "بناء السلام الليبرالي" كما استقر في أدبيات العلاقات الدولية، وبين ما يسميه "السلام التأسيسي": مشروع ينقل السلام من مستوى التسوية السياسية المؤقتة إلى مستوى إعادة بناء الأساس الذي تقوم عليه الدولة نفسها. هذا التمييز ليس ترفاً مفاهيمياً، بل يمس جوهر المأزق السوداني: دورة الحرب والسلام والانتقال والانهيار التي ظل يشخصها كثير من الكتاب دون أن تتوقف. والمقال محق في وضع إصبعه على السبب: السودان ظل يعالج نتائج أزماته بدل جذورها.
من موقع مشروع "ميثاق النجاة وبناء الدولة"، فإن هذا المقال يستحق قراءة متأنية، لأن غايته الكبرى تلتقي مع الغاية التي انطلق منها الميثاق منذ تأسيسه؛ غير أن المسافة بين التشخيص الصحيح والآلية القابلة للتنفيذ تبقى المحك الحقيقي لأي طرح سياسي جاد.

أولاً: نقاط الالتقاء

يصيب المقال في أربع ملاحظات جوهرية تتقاطع تماماً مع منطلقات الميثاق:
١. رفض اختزال السلام في وقف القتال. تمييز الكاتب بين "اتفاق يوقف القتال" و"عملية سياسية تؤسس لقواعد جديدة" هو بالضبط الفارق الذي ينطلق منه الميثاق بين التسوية المؤقتة والتأسيس الدائم. فوقف الحرب شرط ضروري، لكنه ليس كافياً، وهذه نقطة اتفاق كامل.
٢. الفدرالية كأداة إعادة توزيع لا كترتيب إداري. حين يكتب الكاتب أن الفدرالية "ليست مجرد ترتيب إداري، وإنما وسيلة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم"، فهو يقترب من المنطق الذي يقوم عليه مبدأ التمثيل الإقليمي في الميثاق، القائم على أن شكل الدولة قرار سياسي بقدر ما هو قرار إداري.
٣. توسيع مفهوم العدالة إلى ما هو أبعد من المحاسبة الجنائية. موقف الكاتب من أن العدالة يجب أن "تمتد إلى معالجة الاختلالات التاريخية في توزيع السلطة والثروة والتنمية والفرص" يتطابق مع الأساس الذي تقوم عليه فكرة العدالة الانتقالية الثلاثية في الميثاق، التي ترفض حصر العدالة في بُعد قضائي واحد.
٤. الاعتراف بالتعدد كأساس استقرار لا كتهديد. طرح الكاتب لمسألة الروافد السودانية المتعددة، ورفضه فكرة إخضاع هذا التنوع لمركز ثقافي أو سياسي واحد، ينسجم مع الموقف التأسيسي للميثاق من التنوع بوصفه مادة بناء الدولة لا عائقاً أمامها.
هذا التقاطع في المنطلقات الكبرى يجعل من المقال أرضية فكرية صالحة لطرح السؤال التالي: كيف تتحول هذه المبادئ الصحيحة إلى مسار تنفيذي فعلي؟ وهنا تبدأ الفجوات.

ثانياً: الفجوات البنيوية بين التنظير والتنفيذ

الفجوة الأولى: غياب آلية إدارة ( الحوار السوداني الشامل) .
يدعو المقال إلى حوار يشمل ( القوى السياسية والمجتمعية والأقاليم وسائر الروافد السودانية) ، لكنه لا يجيب على الأسئلة العملية التي تُسقط أي حوار سوداني سابق: من يملك حق التمثيل؟ من يحدد الأطراف؟ كيف تُدار المفاوضات بين فاعلين غير متكافئين في القوة؟ الميثاق يجيب على هذه الأسئلة عبر مبادرة الجسر الانتقالي ، التي لا تكتفي بالدعوة إلى الحوار، بل تحدد مراحله الزمنية، وآلية تمثيل الأقاليم والروافد فيه، وشروط الانتقال من مرحلة إلى أخرى.
الفجوة الثانية: غياب معيار قياس ( التوافق السياسي والاجتماعي) .
يشترط المقال أن تقوم الانتخابات والدستور والمؤسسات على ( توافق سياسي واجتماعي حول قواعد الدولة) ، لكنه لا يطرح كيف يُقاس هذا التوافق أو يُبنى تدريجياً. هذه بالضبط الفجوة التي يعالجها مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة في الميثاق: شرعية لا تُعلن دفعة واحدة عبر وثيقة أو انتخابات، بل تُبنى تراكمياً من أداء المؤسسات الانتقالية نفسها، بحيث تكتسب الثقة بالتدريج بدل افتراضها سلفاً.

الفجوة الثالثة: غياب الرافعة الاقتصادية للعدالة التوزيعية.
حديث المقال عن ( توزيع السلطة والثروة والتنمية) يبقى عند مستوى المبدأ العام دون آلية تنظيمية محددة تدير موارد الأطراف ومناطق التماس بين المركز والأقاليم. مفهوم اقتصاد البوابات في بروتوكول التفعيل يترجم هذا المبدأ إلى آلية إدارية ملموسة لضبط تدفق الموارد وتوزيع عوائدها.

الفجوة الرابعة: غياب الإطار المؤسسي لإدارة التنوع. الاعتراف بالروافد السودانية، كما يطرحه المقال، مبدأ صحيح لكنه بلا جسد مؤسسي. مبدأ الركيزة الرابعة في الميثاق يمنح هذا الاعتراف صيغة تمثيلية محددة داخل هيكل الدولة، بدل أن يبقى التزاماً أخلاقياً عاماً عرضة للتأويل السياسي.

الفجوة الخامسة: غياب آلية فصل المؤسسات عن الولاءات القائمة.
دعوة المقال إلى إعادة بناء الجيش والشرطة والقضاء على ( أساس قومي ومهني) صحيحة كهدف، لكنها لا تحدد الآلية التي تفكك الولاءات الحزبية والمناطقية المتجذرة داخل هذه المؤسسات. مفهوم الجدار المؤسسي في الميثاق يقدّم هذه الآلية: عزل بنيوي بين الوظيفة المهنية والانتماء السياسي، لا مجرد نداء بالحياد.

ثالثاً: الميثاق كإطار تنفيذي للسلام التأسيسي

القيمة الحقيقية لمقال زكريا آدم علي أنه يقدّم صياغة نظرية رشيقة لمفهوم لا يزال غائباً عن كثير من الطروحات السودانية: أن السلام مشروع تأسيس لا نتيجة اتفاق. غير أن أي مفهوم سياسي، مهما بلغت دقته النظرية، يظل عرضة لأن يتحول إلى شعار إذا لم يُترجم إلى آليات قابلة للتفاوض والتطبيق. وهذا بالضبط موضع التكامل لا التعارض بين الطرحين: فـ"السلام التأسيسي" يمنح الإطار المفاهيمي والمبرر النظري، بينما يقدّم ميثاق النجاة وبناء الدولة الهندسة التنفيذية لهذا الإطار عبر آلياته الخمس: الجسر الانتقالي لإدارة الحوار، والشرعية الصاعدة لبناء الثقة تدريجياً، واقتصاد البوابات لإدارة الموارد، والركيزة الرابعة لتمثيل التنوع، والجدار المؤسسي لحماية المؤسسات من الاستقطاب.

خاتمة: من الفكرة إلى الآلية

يستحق مقال زكريا آدم علي أن يُقرأ بوصفه إضافة نظرية أصيلة إلى حقل إعادة تأسيس الفكر السياسي السوداني، لا بوصفه طرحاً منافساً لمشروع الميثاق. فالمسافة الفاصلة بين الطرحين ليست مسافة اختلاف في الغاية، وإنما مسافة انتقال من التنظير إلى التنفيذ. والسودان، كما يقول الكاتب محقاً، لا يحتاج إلى العودة إلى الحياة السياسية التي سبقت الحرب، بل إلى تأسيس حياة سياسية جديدة. وهذا بالضبط ما يسعى الميثاق إلى تقديمه: ليس بديلاً عن فكرة السلام التأسيسي، بل الجسر الذي يحوّلها من أفق نظري إلى مسار قابل للسير عليه.