رقصة الجياع علي طبول الهادية: سقوط السحر وألم الإستفاقة كتبه أبشر الحاج

رقصة الجياع علي طبول الهادية: سقوط السحر وألم الإستفاقة كتبه أبشر الحاج


09-17-2026, 01:28 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789604911&rn=0


Post: #1
Title: رقصة الجياع علي طبول الهادية: سقوط السحر وألم الإستفاقة كتبه أبشر الحاج
Author: د. أبشر الحاج
Date: 09-17-2026, 01:28 AM

01:28 AM September, 16 2026

سودانيز اون لاين
د. أبشر الحاج-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





تجلت الحكمة الجماهيرية ذات يوم في اختزال الوجود المادي بكامله في صرخة واحدة، صرخة لم تكن تبحث عن المعنى بقدر ما كانت تبحث عن حطب إضافي لتغذية الحريق. كان العقل حينها يبدو زيتا يسكب على مشاعل الهستيريا، وكانت الأصوات التي تحذر من السير الأعمى نحو الهاوية تعامل كمرتادي الكنائس القديمة الذين يرتكبون إثم التفكير وسط قبيلة تعبد الطبول. لقد جرى الاتفاق الضمني، في لحظة تجلي الجمعي، على تشفير المستقبل كله في معادلة بسيطة: إما أن نلغي الواقع ومواضيع التداول العقلاني، أو يلغينا الهتاف الحماسي.

​واليوم، بعد أن خفتت جوائز العزف وأغلقت المسارح الصاخبة، يكتشف السحرة أن التعاويذ التي أطلقوها لم تكن تطرد الأرواح الشريرة، بل كانت تسحب السقف الخرساني ببطء فوق رؤوس البناة والمصفقين على حد سواء. إن السحر الأيديولوجي، بطبيعته الملتوية، يمتلك مدة صلاحية محددة؛ ينتهي مفعوله المخدر فور أن تلامس الأقدام الحافية شوك الانهيار المادي. لقد قيل قديما إن الجوع يفهم اللغة الوحيدة التي يتقنها الجسد، وهأنذا أرى الوعي المستفيق يحاول جاهدا فك رموز الفاتورة: كيف أصبحت تلك اللحظات المجيدة من الاندهاش الحماسي تترجم اليوم في النشرات المالية إلى أرقام خرافية تتسامى متجاوزة السحاب، لتجعل القوت اليومي أمنية عصية المنال؟

​اللافت في هذا المسرح الرمزي الممتد ليس سقوط الستارة، بل سلوك المخرجين ومهندسي الديكور؛ أولئك الأنبياء الجدد الذين يمارسون التبشير بالاستبسال عن بعد، من وراء شاشات مطعمة بالدانتيل ومحاطة بالقهوة الساخنة في الملاجئ الدافئة خلف البحار. يبعثون بركائز الإيمان الوطني وصكوك التضحية عبر الأثير، فيما تظل أجساد المخدوعين في الداخل هي الوقود الحيوي الوحيد المعد للاحتراق في هذه التجربة المعملية. إنه نموذج فذ من التضحية بالخراف، حيث تكتفي النخبة المترفة بتوزيع السكاكين وتحديد اتجاه القبلة، ثم تعود بهدوء لمتابعة المشهد عبر البث المباشر وهي تحتفل بسلامة ممتلكاتها ورغد عيشها.

​إن الخطاب الشعاراتي لا يكتفي بإشعال النار، بل يقنع الضحايا بأن الدخان الناجم عنها هو عطر المرحلة. لكن الرئة، حين تضيق بالهواء، لا تعود تهتم بأشعار المصفقين. لقد تحولت المأساة إلى طقس مألوف، حيث يطلب من الجمهور أن يصفق لمشهد دهسه الخاص، وأن يبدي الامتنان التام للمطحنة لأنها تمنحه فرصة الدخول في التاريخ كرماد مقدس. هكذا تصنع الأساطير المزيفة: تسلب من الإنسان لقمته وأمانه، ويعطى بدلا منهما قصيدة تحثه على تجرع الصبر حتى يتحول هو نفسه إلى أثر بعد عين.

​إن الوعي المستورد عبر الأثير هو بضاعة فاسدة تباع دائما بأسعار باهظة للفقراء، بينما يستمتع التجار بأرباحها في العواصم الهادئة. هؤلاء الموجهون القابعون في أطراف العالم، الذين يكتبون خطابات الصمود بين جدران المكيفات الفاخرة، يمارسون رياضة الفن للفن؛ يلعبون بالنرد السياسي لأنهم يعلمون تماما أن خسارة الرقعة لن تطال منازلهم أو أرصدتهم البنكية. أما الحطب الحقيقي، فهو أولئك الذين ألقوا بعقولهم في نهر التبعية، وساروا خلف التنوير الزائف نحو الخلاء، يعتقدون أنهم يسيرون نحو الفردوس، حتى أدركوا أن الطريق لم يكن سوى متاهة دائرية تعود بهم دائما إلى نقطة الصفر: الجوع، والعرى، والانهيار.

​إن اللعبة الرمزية قد اكتملت أركانها، والمأساة لم تعد في الانهيار المادي ذاته، بل في دهشة الذين شيدوا الهاوية بأيديهم ثم تعجبوا من قسوة القاع. لا داعي الآن للانزعاج أو فتح بيت للعزاء، ولا معنى لممارسة دور الضحية المنكوبة التي تفاجأت بالطقس؛ فالذي يبتاع تذكرة لرحلة إلى الجحيم باختياره الكامل، لا يحق له أن يشتكي من ارتفاع درجات الحرارة في الداخل.

​تجرعوا رحيق خياراتكم بكبرياء متصنع، واحتفلوا بالحكمة الفذة التي قادتكم إلى هذا النعيم، واشربوا نخب الفهم العظيم الذي أورثكم الخراب. فالذي يسلم مقوده لسراب الخلاء ويتبع قطاع الطرق، عليه أن يملك الشجاعة الكافية ليقتنص العطش حتى الثمالة دون أن يزعج العالم بصراخه.