​إضاءات وشروحات في الصراع السوداني والقصص القرآني عند الدكتور التجاني عبد القادر سلسلة جواهر المعار

​إضاءات وشروحات في الصراع السوداني والقصص القرآني عند الدكتور التجاني عبد القادر سلسلة جواهر المعار


09-17-2026, 01:23 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789604611&rn=0


Post: #1
Title: ​إضاءات وشروحات في الصراع السوداني والقصص القرآني عند الدكتور التجاني عبد القادر سلسلة جواهر المعار
Author: يوسف ارسطو
Date: 09-17-2026, 01:23 AM

01:23 AM September, 16 2026

سودانيز اون لاين
يوسف ارسطو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



​إضاءات وشروحات في الصراع السوداني والقصص القرآني عند الدكتور التجاني عبد القادر
سلسلة جواهر المعارف السودانية للأطفال والناشئة
يوسف أرسطو
(104)
​مصطلحات ومفاهيم مفتاحية:
​مقاربة: مُماثلة بين أمرين لاتحادهما في الطبيعة والجوهر.
​الموسومة: المعنونة أو ذات العلامة الشارحة.
​فرضية المقاربة: الصراع القرآني بين موسى وفرعون هو النموذج المعياري للصراع الأزلي بين الحق والباطل، والذي ينتهي بحتمية انتصار الحق وفق سنن الاجتماع البشري.
​في دراسته الموسومة بـ "مستقبل اتفاق العسكر وقحت" المنشورة بتاريخ 4 يوليو 2019م، تنبأ المفكر والأكاديمي الإسلامي الدكتور التجاني عبد القادر بفشل الشراكة بين المكون العسكري وقوى الحرية والتغيير (قحت). وعزا ذلك إلى كون هذا التحالف يقوم على ثنائية (العسكر والمثقفين)، متجاوزاً الضلع الثالث والأهم في المعادلة: الجماهير العريضة (الشعب).
​وفقاً لاستقراء د. التجاني لعدد من التجارب الثورية، يسعى "العسكري" في هذه التحالفات إلى توظيف "المثقف" كأداة لتجميل وتثبيت السلطة دون حاجة للتحول الديمقراطي، بينما يطمح "المثقف" لاستخدام "العسكري" كأداة لفرض الأيديولوجيا دون المرور بصناديق الاقتراع؛ مما يجعل الصدام بينهما حتمياً، وهو ما تجسد واقعاً في قرارات وانقلاب 25 أكتوبر وما تبعها احداث حسام،ظلت جاثمة علي المشهد.
​أولاً: تفكيك البنية الفلسفية للمقاربة (موسى وفرعون)
​كان د. التجاني قد حدد منذ دراسته المبكرة عام 1982م (أصول الفكر السياسي في القرآن المكي) أربعة متغيرات تُشَكِّل أبعاد النزاع بين نبي الله موسى (عليه السلام) وفرعون، وهي: الرؤية، الأرض (مصادر الثروة)، والناس (القوى العاملة والجماهير).
​متغيرات الصراع وتوازن القوى: امتلك فرعون ثلاثة متغيرات (الأرض، والناس، والسلاح/السلطة) مقابل امتلاك موسى (عليه السلام) لـ "الرؤية" فقط. وتأسيسًا على ذلك، فإن الرؤية البديلة في النص القرآني لم تكن مجرد موقف أيديولوجي، بل كانت تفكيكاً لشرعية فرعون القائمة على ادعاء الملك والتأليه (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي)*. وهنا يتبدى دور "المثقف العضوي" أو الفئات الواعية في تجريد السلطة الغاشمة من شرعيتها الأخلاقية والفكرية قبل إسقاطها المادي.
​استراتيجية فرعون في الاستقطاب والتفتيت: يمارس النظام السلطوي أداة الاستخفاف والتجهيل: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ)**، إلى جانب شق الصف الجماهيري وتفتيته: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا)***. وهو ما يتطابق تماماً مع التحذير من انحراف تحالفات (العسكر والجماهير) نحو التجييش القبلي والعائلي والطائفي لضمان بقاء السلطة.
​ثانياً: قراءة في مثلث هنتنغتون ومأزق الانتقال السياسي
​استشهد الكاتب بكتاب (النظام السياسي في مجتمعات متغيرة) للمفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون، الذي يرى أن الاستقرار السياسي يستلزم وجود تحالف بين فئتين من ثلاث: العسكر (حاملو السلاح)، والمثقفون (أصحاب العقول)، والجماهير (الشعب). وبإسقاط ذلك على الواقع السوداني نجد:
​أزمة "التحالف الهش" (العسكر + المثقفين): ينطلق الفشل الهيكلي لهذا التحالف من تناقض غايات طرفيه؛ فالعسكري يتعامل مع الانتقال كـ "عملية تكتيكية" لإعادة إنتاج النظام بوجوه جديدة، بينما يتعامل المثقف مع التحالف كـ "رافعة أيديولوجية" للوصول إلى السلطة دون تفويض جماهيري. هذا الانسداد هو ما ينتج الانقلابات الشمولية متى ما استنفد أحدهما حاجته من الآخر، كما حدث في التجربة التركية الأتاتوركية وفي تجربة (قحت والمؤسسة العسكرية).
​ثنائية (العسكر + الجماهير) وابتلاع الدولة: يُظهر التاريخ العربي والسوداني أن التحالفات المباشرة بين المؤسسة العسكرية والجماهير عبر الشعارات الشعوبية (كتجارب عبد الناصر، والقذافي، والبشير بعد المفاصلة) تنتهي دائماً بـ تغييب الشارع وتجهيله ورهنه للمؤسسة الأمنية، مما يحول دون بناء مؤسسات مدنية مستدامة، ويُغرق البلاد في دورات متجددة من الاستبداد والحروب الأهلية.
​ثالثاً: التحالف الثالث (المثقفون + الجماهير) والكتلة الحرجة
​يمثل النموذج الثالث الحل الوحيد لكسر الدائرة الخبيثة لـ "تجريب المُجرَّب الفاشل"، وتتأكد صحته من خلال الآتي:
​جذرية اللاءات الثلاث: لا تعبر اللاءات الثلاث (لا تفاوض، لا اعتراف، لا مساومة) عن موقف راديكالي معزول، بل عن وعي تراكمي بفشل مقاربات "الهبوط الناعم" والحلول الجزئية التي أثبتت التجربة التاريخية أنها لا تؤدي إلا لإعطاء مهلة إضافية للسلطة لتجديد أدواتها.
​بناء "الكتلة التاريخية": إن نجاح هذا المسار مشروط بتحول "المثقف" من واعظ نخبوي إلى فاعل ميداني يلتقي مع أشواق الجماهير وحاجاتها الاقتصادية والاجتماعية، لتحويل الرؤية البديلة إلى "مشروع نهضوي مجتمعي" قادر على تحييد أدوات البطش وتفكيك بنية الدولة الشمولية وإرساء قيم الحرية والسلام والعدالة.
​سبق التحليل الوطني: يجدر بالذكر أن تحليلات الحزب الشيوعي السوداني، إلى جانب أصوات وطنية وفكرية أخرى، كانت قد قرأت المشهد مبكراً في بواكير الشراكة، وحذرت بدقة من المنزلقات التي أدت للانهيار الحالي.
​خاتمة واستشراف
​إن الانتصار الحاسم في القصص القرآني لم يكن معجزة مجردة عن سنن الاجتماع البشري، بل كان نتيجة ثبات صاحب الرؤية (موسى ومن معه) واستمرار انحيازه للمستضعفين، مقابل التآكل الذاتي لمنظومة الاستبداد (فرعون) بسبب الطغيان والفساد.
​ومع أن مآلات الأمور في السودان قد ذهبت إلى أدوار معقدة بعد انهيار الوثيقة الدستورية والاتفاق السياسي، إلا أن استشراف النصر للشعب والجماهير العريضة ليس مجرد أمنية عاطفية، بل هو استقراء علمي لسنن التاريخ والمجتمعات: فالسلطة التي تفتقر إلى الشرعية والشعبية والمشروع الفكري، تظل آيلة للسقوط مهما امتلكت من أدوات البطش والتنكيل، وإيمان الشارع يستمد نوره دائماً من بيت الشاعر أبي القاسم الشابي:
​إذا الشّعْبُ يَوْماً أَرَادَ الْحَيَاةَ ... فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيبَ الْقَدَر
وَلا بُدَّ لِلَّيْلِ أَنْ يَنجَلِي ... وَلا بُدَّ لِلْقَيْدِ أَنْ يَنَكَسِر
* سورة الزخرف الآية (51)
**سورة الزخرف الآية (54)

يوسف ارسطو