Post: #1
Title: مسجد د. عون الشريف قاسم ... وليلة من نور في حلفاية الملوك كتبه عبد الكريم ابراهيم
Author: عبد الكريم ابراهيم
Date: 09-16-2026, 01:04 AM
01:04 AM September, 15 2026 سودانيز اون لاين عبد الكريم ابراهيم-السودان مكتبتى رابط مختصر
في مساءٍ تزيّن بالذكر ، وتعطّر بالصلاة والسلام على خير الأنام ، اجتمعت القلوب قبل الأجساد في ساحة مسجد د. عون الشريف قاسم بحلفاية الملوك ، حيث شهدت الساحة الإثنين الموافق 14 سبتمبر 2026م احتفالاً كبيراً بمناسبة المولد النبوي الشريف ، في مناسبة سنوية درج أهالي المنطقة على إقامتها ، وظلت واحدة من المحطات التي يستعيد فيها المجتمع ذاكرته الروحية ، ويجدد فيها صلته بسيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وجاء الاحتفال وسط حضور لافت ومشرف من أهالي ومواطني حلفاية الملوك والمناطق المجاورة ، وبمشاركة كريمة من أئمة المساجد والعلماء والشيوخ ، في مشهد عكس المكانة التي تحتلها المناسبات الدينية في وجدان المجتمع السوداني ، وقدرتها على جمع الناس حول قيم المحبة والتراحم والتكافل ، خصوصاً في أوقات الأزمات والمحن . وازداد الاحتفال بهجة وثراء بمشاركة ممثلين لمسيد الشيخ البشير بشمبات ، إلى جانب رابطة الطريقة الختمية بحلفاية الملوك ، لتلتقي في ساحة واحدة روافد متعددة من الموروث الديني والروحي ، وتتآلف الأصوات في مدح المصطفى وذكر سيرته العطرة . وتضمن برنامج الاحتفال تلاوة آيات من الذكر الحكيم ، وقراءة المولد العثماني للسيد محمد عثمان الميرغني ، إلى جانب الإنشاد والمدائح النبوية والدعاء ، فضلاً عن محاضرة تناولت جوانب من سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قدمها الخليفة مأمون مبارك بابكر ، مستعرضاً ما تزخر به السيرة النبوية من قيم الرحمة والصبر وحسن الخلق والتسامح والتكافل والمعجزات ، وهي قيم تزداد الحاجة إليها في مجتمع أنهكته الحرب وأثقلت كاهله المحن . ولم يكن الاحتفال مجرد مناسبة دينية عابرة ، بل بدا وكأنه استعادة لروح المكان وذاكرته ، فحين يجتمع أهل الحلفاية في ساحة مسجد حول القرآن والدعاء والمديح والسيرة فإنهم يستعيدون جانباً أصيلاً من شخصية مجتمع ارتبط عبر تاريخه بالعلم والمساجد والخلاوي والمجالس ، وظلت المناسبات الدينية فيه مساحة للتواصل بين الأجيال وتعزيز أواصر المجتمع ، وفي لفتة حملت الكثير من الوفاء والحنين ، هاتف المحفل من مقر إقامته عبر هاتف الخليفة ناظم ابو الفتح موسى راعي الأسرة والأب الروحي لمسجد د. عون الشريف قاسم ، الأستاذ القامة صلاح أحمد الجيلاني ، معبراً عن بالغ فرحته بإقامة الاحتفال ، ومشيداً بالجهد الذي بذلته المجموعة المنظمة ، وما حققته من نجاح في إخراج المناسبة بالصورة التي تليق بالمولد النبوي الشريف وبالمسجد وأهل المنطقة ، وأعرب الجيلاني عن أمله في أن يعود قريباً إلى أرض الوطن ، ليواصل إسهامه في رفعة وتطوير المسجد والمنطقة ، بعد أن حالت ظروف الحرب دون بقائه بين أهله ودياره كغيره من مواطني الحلفاية ، وفي كلمته بدا الحنين إلى الوطن واضحاً ، ذلك الحنين الذي لا تختصره المسافات ، ولا تطفئه الغربة ، لأن الإنسان قد يبتعد عن المكان ، لكنه لا يستطيع أن ينتزع المكان من قلبه . وتكتسب هذه المشاركة الهاتفية دلالة خاصة في ظل الظروف التي فرضتها الحرب على ملايين السودانيين ، وأجبرت كثيراً من الأسر على مغادرة ديارها ، وأبعدت الناس عن أحيائهم ومساجدهم ومجالسهم وذكرياتهم ، ولذلك بدا صوت الجيلاني من خارج البلاد وكأنه صوت كل من فرّقتهم الحرب عن أوطانهم ، لكنه ظل متصلاً بها وجداناً وذاكرةً وأملاً في العودة مع اسرته الكريمة ، وربما كان أجمل ما حملته المناسبة أنها جاءت في زمن تحاول فيه الحرب أن تفرض على الناس لغة الخوف والفقد والتباعد ، بينما اختار أهل الحلفاية أن تكون لغتهم في هذا اليوم هي الذكر والمحبة والاجتماع . فحين ترتفع الصلاة والسلام على النبي الكريم في وقت ارتفعت فيه أصوات البنادق ، فإنها تذكّر بأن للإنسان صوتاً آخر غير صوت الحرب ، صوتاً يقول إن الرحمة أقوى من القسوة ، وإن المحبة أبقى من الكراهية ، وإن المجتمعات لا تستطيع أن تستعيد عافيتها إلا حين تتمسك بالقيم التي تجمع أبناءها ولا تفرقهم ، وللمساجد في الذاكرة السودانية مكانة تتجاوز كونها مواضع للعبادة ، فهي منارات للعلم ، ومجالس للذكر ، وملتقيات للأهل، وفضاءات للتواصل ، وحافظة لجزء كبير من ذاكرة المدن والقرى ، ومن هنا تأتي أهمية استمرار مثل هذه المناسبات ، لأنها تمنح المكان فرصة لاستعادة حيويته ورونقه ، وتمنح المجتمع مساحة للقاء ، وتترك للأجيال القادمة ذاكرةً عن أيام اجتمع فيها الناس على الخير والمحبة . وفي حلفاية الملوك ، حيث تتكئ الحاضر على ذاكرة عريقة ، يصبح الاحتفال بالمولد النبوي مناسبة تتقاطع فيها ذاكرة المكان مع وجدان الإنسان ، فالمولد ليس تاريخاً في التقويم فحسب ، وإنما موعد متجدد مع المحبة والذكر والسيرة ، وفرصة لاستعادة دفء المجتمع في زمن قست فيه الظروف على الجميع . إن استحضار السيرة النبوية في مثل هذه الظروف ليس مجرد احتفاء بالماضي ، وإنما تذكير بالقيم التي يحتاج إليها الحاضر بشدة ، قيم الرحمة والتسامح والصبر والعفو والتكافل وحفظ كرامة الإنسان ، وهي معانٍ لا تزال قادرة على أن تمنح المجتمع السوداني شيئاً من القوة في مواجهة واقع أنهكته الحرب وأرهقته الأحزان . وهكذا لم تكن ساحة مسجد د. عون الشريف قاسم مكانا احتضن برنامجاً احتفالياً وشارك فيه كذلك الأطفال والنساء وإنما كانت فضاءً اجتمعت فيه الذاكرة والروح والمجتمع ، اجتمع فيه أهل الحلفاية وما جاورها ، واجتمعت فيه أصوات القرآن وابتهالات الدعاء والمديح والإنشاد ، وحضر فيه الغائبون بقلوبهم وإن حالت بينهم وبين المكان المسافات. و كما ذكرنا سلفا جاء صوت صلاح أحمد الجيلاني ليؤكد أن المسافات لا تستطيع أن تقطع صلة الإنسان بمكانه ، وأن الوطن قد يغيب عن العين ، لكنه لا يغيب عن القلب ، وفي الحلفاية كانت الساحة تقول بدورها إن الحياة ، مهما قست عليها الظروف ، قادرة على أن تجد لنفسها نافذة يدخل منها الضوء. انفضّ الجمع ، وانتهت فقرات الاحتفال ، لكن أثر المناسبة سيظل حاضراً في ذاكرة المكان وأهله ، فبعض المناسبات لا تنتهي بانتهاء برنامجها ، وإنما تترك وراءها إحساساً عميقاً بأن المجتمع ما زال قادراً على الاجتماع ، وأن الذاكرة ما زالت حية ، وأن المحبة قادرة على أن تشق طريقها وسط ركام الأزمات. سلامٌ على حلفاية الملوك وأهلها ، وسلامٌ على كل من اجتمع في رحاب الذكر محبةً في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسلامٌ على السودان وأهله ، حتى يأتي اليوم الذي تعود فيه البيوت إلى أصحابها ، والمساجد إلى روادها وعمارها ، والطرقات إلى أهلها ، وتعود الحياة إلى طبيعتها ، ويعلو صوت السلام فوق كل أصوات الحرب . اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين .
|
|