Post: #1
Title: سنُجبر البرهان.. كلمة واحدة أسقطت كل خطابات قادة الجيش! كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 09-15-2026, 07:45 PM
07:45 PM September, 15 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
لا غرابة في أن يتحدث عسكريٌّ سوداني عن السلطة بوصفها حقا مكتسبا، فهذه عادةٌ قديمة في بلد حكمه العسكر معظم عمر استقلاله، الغرابة الحقيقية في المفردة التي اختارها رئيس هيئة الأركان الفريق ياسر العطا (سنُجبر البرهان على السلطة). لم يقل سنُرشّحه، ولا سندعمه، ولا سنحتكم فيه إلى الناخب، بل قال سنُجبره، وهي كلمة لا تستقيم في أي قاموس ديمقراطي على وجه الأرض، لأن السلطة في الأنظمة السليمة تُمنح من الشعب ولا تُفرض عليه، وتُنتزع بالصندوق لا بإرادة القيادة العامة. الرجل لم يُفلت منه اللسان، لقد قال بدقة ما يعتقده، أن مؤسسةً عسكرية تملك حق إجبار بلد كامل على رئيسها، وأن الأربعين مليونا مجرد جمهور يُبلَّغ بالنتيجة بعد أن تُحسم في غرفة مغلقة. وفي المقابلة ذاتها، وعلى مسافة أسطر قليلة، يقول إن الجيش لا يريد حكم البلاد، إذ كيف يجتمع النقيضان في نص واحد؟ من لا يريد الحكم لا يحدّد من يحكم، ولا يعدّ الدورات الانتخابية سلفا، ولا يرسم صلاحيات الجهاز التنفيذي، ولا يتعهّد بتقوية أحزابه. هذا التناقض ليس خطأ في الصياغة، بل هو جوهر المشروع المعروض على السودانيين، حكمٌ عسكري بلا مسؤولية عسكرية، وسلطةٌ بلا مساءلة، ووصايةٌ ترتدي بدلة مدنية عند الحاجة وتخلعها عند الحاجة. عن أي انهيار قادم يتحدث العطا؟ الحجة المعلنة هي الخوف على كيان الدولة من الانهيار، وهي أكثر عبارة سريالية في الحوار كله، لأن الانهيار ليس خطرا مستقبليا يُتحدَّث عنه بصيغة التحذير، إنه واقعٌ حدث بالفعل تحت إدارة أصحاب هذا الخطاب. العاصمة القومية نفسها صارت ميدان قتال، ومؤسسات الدولة المركزية نُهبت وأُحرقت وهُجرت، وتقديرات الأمم المتحدة تتحدث عن أكثر من اثني عشر مليون مُهجَّر داخليا وخارجيا في أكبر أزمة تهجير يعرفها العالم اليوم. المجاعة لم تبقَ نبوءةً يجادل فيها المجادلون، بل أُعلنت رسميا في مناطق سودانية بالاسم، وأولها مخيمات النازحين في دارفور وكردفان وولخ، وهناك انقسام فعلي في الإدارة والعملة والولاءات بين شرق البلاد وغربها، وحكومتان تتنازعان تمثيل السودان، وحصارٌ وفظائع موثّقة في الفاشر وقبلها الجنينة وغيرهما، ودراسات بحثية مستقلة قدّرت أن وفيات ولاية الخرطوم وحدها في الأشهر الأولى تتجاوز عشرات الآلاف، أي أضعاف الأرقام الرسمية المعلنة، فأي كيان بقي ليُخاف عليه؟ من يتحدث عن الخوف من الانهيار وهو جالس على رُكامه، إما لا يرى، أو يرى ويفترض أن السودانيين لا يرون، والحقيقة أن عبارة منع انهيار الدولة في هذا السياق ليست تشخيصا لحالة، بل لافتةٌ لتسويق البقاء في الكرسي، وهي اللافتة نفسها التي رُفعت في نوفمبر 1958، وفي مايو 1969، وفي يونيو 1989؛ ثلاث مرات بحجّة إنقاذ الدولة من الفوضى والأحزاب، وثلاث نتائج كارثية، والحصيلة النهائية أننا فقدنا ثلث الوطن جنوبا، واحترقت دارفور، وأُنهك الاقتصاد، وانتهى الأمر بحرب بين جيشين وُلدا كلاهما في حضن السلطة ذاتها. من فتح باب الانهيار قبل أن يزعم أنه يسدّه؟ هنا السؤال الذي يتهرّب منه العطا بعناية: من أوصل الدولة إلى الحافة التي يخشاها الآن، لأن قوات الدعم السريع لم تهبط بالمظلات صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023؟ إنها بناءٌ تراكمي مُنِح الشرعية القانونية بقانون خاص في 2017، ثم تضخّم بعد أبريل 2019 على يد الشراكة التي كان البرهان رأسها وكان ياسر العطا أحد أعمدتها في مجلس السيادة. في تلك السنوات جُلس قائد الميليشيا على كرسي نائب رئيس مجلس السيادة، أي في قمة هرم الدولة الرسمي، وتُركت له موارد الذهب وشبكات الشركات وحرية التجنيد وشراء السلاح، دون أن يتقدّم أحد بمشروع جدي لتفكيك هذا الاقتصاد الموازي الذي كان يُنتج جيشا موازيا، واستُخدمت قواته في تصفية الحساب مع الشارع، وأشهرها فضّ الاعتصام في الثالث من يونيو 2019، ولم يُحاسب أحد، ثم كانت الذروة في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، حين أُطيح بالحكومة المدنية بتحالف مباشر بين البرهان وحميرتي، وتلك اللحظة تحديدا، لا لحظة أخرى، هي التي دفنت الترتيب الدستوري وجعلت البندقية الحَكَم الوحيد في البلاد، ومن يُجعل حَكَما وحيدا سينزل يوما إلى الملعب لاعبا. فلمّا اختلف الشريكان على الدمج والترتيبات الأمنية، لم يجدا محكمةً ولا برلمانا ولا دستورا يحتكمان إليه، لأنهما هدما ذلك كله بأيديهما، فاحتكما إلى المدفع فوق رؤوس المدنيين. عزيزي القارئ.. من مكّن الجنجويد عسكريا واقتصاديا وسياسيا حتى صاروا قوة موازية متوحشة، لا يصلح شاهدا على إنقاذ الدولة، بل يصلح متهما أول في ملف انهيارها، ومكانه الطبيعي في أي دولة تحترم نفسها، ليس قصر الرئاسة لأربع دورات قادمة، بل في قاعة تحقيق ومساءلة تُجيب على أسئلة معلّقة على رقبة القيادة كلها؟ ومن يتحمّل مسؤولية سقوط منشآت استراتيجية في الساعات الأولى، ولم يحسم الحرب رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات، ولم يشكل لجنة التحقيق المستقلة التي كان يجب أن تُشكَّل، لا يطلب إعادة تعيينه في المنصب نفسه لأربع دورات أخرى، بل يُطرد من الخدمة للأبد. حتى نقوّي أحزابنا.. اعترافٌ كامل بالجريمة!! عزيزي السوداني.. كان يجب أن تتوقف كل غرف الأخبار عند كلمة واحدة في لقاء ياسر العطا، وهي (أحزابنا)، إذ منذ متى كان للقوات المسلحة أحزاب؟ الجيش الوطني في أي بلد سليم لا يملك أحزابا، ولا يُقوّي أحزابا، ولا يوزّع صكوك الوطنية على بعضها ويحجبها عن غيرها، وفي اللحظة التي يقول فيها قائدٌ عسكري (أحزابنا)، يكون قد أعلن بلسانه أن المؤسسة تحوّلت من حامل للسلاح باسم الشعب إلى فاعلٍ حزبي يهندس خريطة السياسة قبل أن تُطبع بطاقة اقتراع واحدة. والأخطر أن هذه الجملة تفضح سلفاً طبيعة الانتخابات الموعودة، فانتخاباتٌ تُحضَّر أحزابها في غرفٍ عسكرية، ويُحدَّد رأس الدولة فيها قبل التصويت، ليست انتخابات؛ إنها استفتاء تصفيق، وهذا بالضبط ما جرى في 1996 و2010 و2015، حين كان الصندوق أداةً لتجميل حكم فرد لا لتغييره. أما اختصار الديمقراطية إلى انتخابات، كما فعل العطا، فهو أقدم حيلة في كتاب الاستبداد والديكتاتورية، لأن الانتخابات آخر خطوة في سلسلة طويلة وليست السلسلة نفسها، قبلها دستور مُتفق عليه، وفصلٌ للسلطات، وقضاء مستقل، وحريات صحافة وتنظيم وتظاهر، وسجل مدني ومعالجة لملف النزوح، ومفوضية محايدة، ورقابة، وحيادٌ كامل للجيش، أما إجراء تصويت في بلد ثلث سكانه مُهجَّر، ومناطق واسعة منه خارج سيطرة الدولة والصحافة مكمومة، ورأس الدولة محدَّد سلفا بقرار عسكري، فهو ليس تحويلا للسلطة إلى الشعب، بل إعادة تدوير لها داخل الثكنة بشهادة ميلاد مدنية. ولا يصلح قوله، إن هناك رئيس وزراء مدني حاليا دليلا على شيء، فرئيس الوزراء الحالي معيَّن لا منتخب، ومصدر شرعيته هو القرار العسكري نفسه لا صندوق ولا برلمان. المدنية ليست وجها في صورة جماعية ولا مقعداً في مجلس، إنها مصدر السلطة، وحين يكون مصدر تعيين المدني هو العسكري، فالمدني موظفٌ لا شريك، ويُستدعى ليمنح الغطاء ويُصرف حين ينتهي دوره. سأكون مدنيا بعد المعاش، فهل يمنعني القانون؟ هذا السؤال الذي يبدو بريئا هو أخطر ما في المقابلة، لأنه يشرّع التلوين، أي أن تدير الحرب والسلطة بالبدلة العسكرية، ثم تخلعها في اللحظة المناسبة لتقطف الثمرة السياسية بوصفك مدنيا. والجواب المباشر على السؤال، هو، نعم، هناك مانع، ومن أكثر من وجه، مانعٌ دستوري، فالوثيقة التي شرعنت وجود الجيش في مجلس السيادة حظرت على أعضائه الترشح في الانتخابات التالية للفترة الانتقالية، فإن كانوا يحتجّون بالقانون فليكن ذلك في الحالتين، لا في الحالة التي يخدمهم وحدهم. وهناك مانعٌ أخلاقي، فمن كان طرفا في إدارة حرب ما زالت مشتعلة لا يكون خصما وحَكَما في انتخاباتها، ولا يجوز أن يترشح المرء أمام جمهور يحمل هو سلطة السلاح عليه. ومانعٌ آخر مؤسسي، فالقائد الذي يعلن اليوم طموحه للحكم غدا، يُفسد حياد المؤسسة كلها، لأن الترقيات والولاءات والقرارات العسكرية تصبح استثماراً في مستقبله السياسي لا في أمن البلد، وهذا هو الطريق نفسه الذي سلكه المشير الذي أصبح رئيساً لثلاثين عاماً، وانتهى بنا إلى ما نحن فيه. ثم إن قوله إن رؤيته الشخصية هي أن يكون القائد العام رأساً للدولة أياً كان اسمه، يكشف أن المسألة لا تتعلق بالبرهان كشخص، إذ المطلوب تثبيت قاعدة دائمة تجعل رأس الدولة حقا مكتسبا لقائد الجيش، أي وصايةً أبدية مكتوبة في صلب النظام لا استثناءا طارئا تفرضه الحرب، لأن حين تُضاف إليها عبارة ثلاث أو أربع دورات، فنحن نتحدث عن خمسة عشر إلى عشرين عاما مقبلة من حكم عسكري مقنّع، تُقدَّم لشعب أُبيدت مدنه وأُحرقت أسواقه بوصفها هديةً لإنقاذه. البديل ليس فراغا.. سيُقال، كما يُقال دائماً، وما البديل، نتركها للانهيار؟. البديل معروف وليس أضغاث أحلام، وهو اعطاء أولويةٌ مطلقة لإيقاف الحرب وحماية المدنيين وفتح المسارات الإنسانية بلا مقايضات سياسية، فهذا يسبق كل جدل عن الدورات الانتخابية، ثم إعلانٌ صريح ومكتوب بحياد المؤسسة العسكرية وخروجها من الاقتصاد والسياسة وإخضاعها لسلطة مدنية منتخبة، ثم ترتيبات انتقالية بسلطة مدنية كفؤة، مهمتها العدالة والإغاثة وعودة النازحين وإعادة بناء ما تهدّم من مؤسسات، ثم عدالة انتقالية لا تستثني أحدا، لا الميليشيا ولا من صنعها ورعاها ومنحها الشرعية، وأخيرا انتخابات في نهاية الطريق لا في بدايته، بعد أن يعود الناس إلى بيوتهم ويستعيدوا أصواتهم. أما أن يخرج علينا رئيس هيئة الأركان بمشروعٍ لإجبار بلد منكوب على رئيسٍ لأربع دورات، بحجة الخوف من انهيار وقع فعلا على أيديهم، فهذا ليس دفاعا عن الدولة السودانية، إنه دفاع عن الكراسي التي جلسوا فوق أنقاضها، ومن تسبّب في انهيار الدولة لا يمكنه الاستمرار في السلطة، وهذا ليس هتافا ثوريا، بل أبسط قاعدة في الإدارة والسياسة والأخلاق، إذ من أسقط البيت لا يُسلَّم مفاتيح إعادة بنائه. ************ في النهاية، تبقى كلمة واحدة هي مِفتاح كل هذا الخطاب: "سنُجبر"، فِعلٌ لا يُقال إلا في حضرة مغلوب على أمره، لا في حضرة شعب يُستشار، وهي الكلمة التي أسقطت، في لحظة واحدة، كل ما بُني حولها من لغة منمّقة عن الدولة والمؤسسات والانتقال والاستقرار، إذ ما دام الأمر يحتاج إلى إجبار، فقد اعترف صاحبه سلفا بأن الرضا غير متوفّر، وأن الشعب في هذه المعادلة ليس مصدرا للسلطة، بل عقبةٌ يُبحث في كيفية تجاوزها. ولذلك، فإن ما عُرض على السودانيين في تلك المقابلة ليس مشروع إنقاذ، بل مشروع تأبيد، لا يخوض معركةً مع الانهيار، بل معركةً على ما تبقّى من رُكامه، ومن يُحصي الدورات الانتخابية قبل أن يُحصي القتلى، ويرسم صلاحيات الحاكم قبل أن يفتح طريقا لرغيف إلى مخيّم، إنما يُخبر السودانيين بأولوياته بوضوح لا يحتاج إلى تفسير، فليكن الجواب بالمفردة ذاتها، مقلوبةً على وجهها الصحيح: الشعب أيضا سيُجبر، لكن على غير ما أراد. سيجبر البندقية على العودة إلى ثكناتها، والسياسة على العودة إلى أصحابها، والسلطة على العودة إلى مصدرها الوحيد الذي لا يُعوَّض ولا يُنتحل: أربعون مليون سوداني لم يُهجَّروا من بيوتهم ليُهجَّروا من حقّهم في اختيار من يحكمهم. أما البرهان، فلن يُجبَر أحدٌ على قبوله، ولا على رفضه، لأن هذه ليست مسألة تُحسم بالإجبار من أي جهة. إنها مسألةٌ تُحسم بصندوق نظيف، في بلد آمن، بشعب عاد إلى دياره، وبمؤسسة عسكرية لا تملك فيه حزبا ولا مرشّحا ولا رأيا. وحتى تأتي تلك اللحظة، فليعلم كل من أخذ الميكروفون ليخطُب في الناس عن إنقاذ الدولة أن السودانيين يُحسنون القراءة، وأنهم قرأوا هذه المرة ما بين السطور وما فوقها: من هدم البيت لا يُسلَّم مفاتيحه، ومن أراد أن يُجبر شعبا على حاكم، فقد نزع عن نفسه بلسانه لا بلسان خصومه آخر ما تبقّى له من صفة الوطنية.
|
|