الأرباب تيفرا‏ سلطنة سنار والتأثيرات الخارجية كتبه د. محمد عبد الله الحسين

الأرباب تيفرا‏ سلطنة سنار والتأثيرات الخارجية كتبه د. محمد عبد الله الحسين


09-15-2026, 00:56 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789430218&rn=0


Post: #1
Title: الأرباب تيفرا‏ سلطنة سنار والتأثيرات الخارجية كتبه د. محمد عبد الله الحسين
Author: د.محمد عبدالله الحسين
Date: 09-15-2026, 00:56 AM

00:56 AM September, 14 2026

سودانيز اون لاين
د.محمد عبدالله الحسين-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



‏


تصدير:‏
يتناول هذا المقال شخصية كان لها دور عسكري وسياسي كبير في لحظة مفصلية من تاريخ سلطنة سنار. يتم ‏تناول هذه الشخصية ضمن تأثيرات علاقات الجوار الإقليمية وكذلك الاستمرار التاريخي لبعض الهياكل ‏والتكوينات العسكرية والإدارية في المشهد السياسي الحالي في السودان.‏
مقدمة:‏
تتميز فترة سلطنة سنار بزخم من مثير من الأحداث وتعدد الشخصيات الزعامية كما تتميز بشيء من الغرابة ‏خاصة خلال الفترة الأخيرة من حكم السلطنة. وفي هذا السياق يصف جي سبولدينق تلك الفترة بعصر البطولة ‏وشبَّه شخصياته المتنافسة على الحكم بفترة الجاهلية من حيث الفروسية والمغامرات التي ميَّزت تلك الفترة. من ‏جانب آخر لا زالت كثير من أحداث تلك الفترة يشوبها الغموض ومناط لاختلاف الآراء والتفسيرات مما يحتاج ‏لكثير من الجهد لإماطة الغموض الذي لازم تلك الفترة. فشخصية تيفرا ا(‏‎ Tefera‏)على سبيل المثال رغم أنه ‏تسنَّم القيادة وترقى من سفح العبودية حتى هضبة القيادة لم تجد ما تستحقه من الإضاءة الكافية.. خاصة أن ‏شخصية تيفرا تعتبر المثال الساطع لتقلب الظروف وغرابة الأحداث خلال فترة سلطنة سنار. ‏
علاقات التخوم والتأثير الإقليمي: ‏
من ناحية أخرى فإن موضوع المقال وإن كان يتناول شخصية فرد إلا أنه من الأهمية بمكان عدم قراءة شخصية ‏مثل تيفرا بمعزلٍ عن الظروف التاريخية والسياسية المحلية والسياق الاجتماعي المحلي الذي وُجِدت فيه. لذا ‏كان من الضروري استصحاب الظروف السياسية والاجتماعية والعسكرية الإقليمية عند النظر الى شخصية ‏الأرباب تيفرا وما قام به. بعبارة أخرى لا يمكن أن تُتناول هذه الشخصية بالدراسة والتحليل ولا الأحداث السابقة ‏واللاحقة لفترته دون الإشارة إلى تأثير العلاقات التاريخية للتخوم لكل من الجارتين الحبشة ومصر. حيث تشير ‏كثير من الشواهد التاريخية إلى تأثير علاقات التخوم والتجاور بما اشتملت عليه من تداخل وتنافس وما نتج عنه ‏من تأثيرات اجتماعية وسياسية وعسكرية وحتى ثقافية. ‏
‏ قد يكون المثال التالي خير دليل على ما ذكرنا، وهو أن اسمي قائدين كبيرين خلال فترة سلطنة سنار مثل ‏عمارة دونقس و(تيفرا) يحملان ملمح واضح لهذا التأثير. وقبل أن نتجاوز هذه النقطة نشير إلى أن اسم تيفرا ‏Tefera‏ حسب ما وجدت خلال بحثي يعني باللغة الأمهرية المهاب أو المبجل أو المحترم. ولعل المصادر ‏التاريخية والإخبارية تحفظ ظهور اسم قائد عسكري في انقلاب الدرك في فترة السبعينات(تيفري بنتي). من ‏ناحية أخرى لم أجد ما يؤكد وجود الاسم في اللهجات السودانية المحلية.‏
من ناحية أخرى كان لعلاقات التخوم والتجاور مع مصر المملوكية (وكذلك العثمانية لاحقا) دور كبير في تشابه ‏بعض من أنظمة الحكم أو التنظيم الإداري والعسكري في سلطنة سنار وهو ما أشرت إليه في عدة مقالات سابقة. ‏يتعلق بالتأثير في جانب التنظيم العسكري، نأخذ مثالا واحدا فقط في هذا المقال من بين عدة أمثلة أخرى وردت ‏وسترد في مقالات لي لاحقا. فقد أخذ نظام الفونج بنظام التجنيد العسكري للأرقاء كما حدث خلال فترة المماليك. ‏حيث تم الأخذ بنظام تجنيد الأرقاء كفِرق عسكرية ضمن الحرس السلطاني لحماية ولحفظ النظام وقمع التمرد إذا ‏استدعى الأمر. ‏
وقد لا نبالغ إن قلنا إن نظام وأسلوب التجنيد العسكري وتنظيم الفرق العسكرية ونظام الفروسية يماثل تماما نظام ‏عهد المماليك في مصر. الغريب في الأمر أن تمرد الفرق العسكرية الذي حدث في نهاية دولة الفونج حدث الأمر ‏نفسه بتمرد الجنود المماليك. ‏
الجيش السلطاني:‏
اعتمد الحكم في سلطنة سنار في حفظ البلاط والنظام في السلطنة على الجمود المنحدرين من الاسترقاق أو من ‏أصول مسترقة. وكانوا موضع ثقة الحكم وكانت علاقاتهم قائمة على السمع والطاعة لذا اهتمت بهم البلاط من ‏حيث التدريب والتنظيم والتجهيز. وهذا الوضع يشبه وضع الرقيق الأبيض المماليك المنحدرين من آسيا ‏الوسطى. فهم يحملون ثقافة مناطقهم التي انحدروا منها بالإضافة لتقاربهم في الأعمار. فكان ذلك مساعدا في ‏تكوين وجدان وتفكير متشابه. أما الجانب الأهم فهو تشابههم في التنظيم والتدريب والتجهيز. ومان كذلك لكلا الجيشين، ‏السناري والمملوكي لديهم مرجعية متشابهة من حيث الاسترقاق ووجود إرث من الثقافة المحلية. ولكن هذا ‏الإرث تم إحلاله بثقافة وتفكير يقوم على الفكر والتنشئة العسكرية. بالتالي يمكن القول بان التشابه المشار إليه ‏يؤكد إلى تأثر سلطنة سنار بنظام الجندية المعمول به في الدولة المملوكية في مصر من قبل منذ مئات السنين. ‏
فيما يخص فرق الجنود الأرقاء ظل وضعهم قائما على الانقياد والسمع والطاعة ومُحافظٌ عليه حتى نهاية القرن ‏الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر في سلطنة سنار. حيث بدأ تماسك الدولة يتضعضع مع ظهور التنافس ‏المحموم بين الأمراء وتكالبهم على السلطة. فتفرقوا أيدي سبأ كل بفرقته العسكرية. وكانت النتيجة المحتومة ‏ضعف وتفكك الدولة كاشفا خطورة الوضع الكارثة المُحدِقة بالدولة والحكم. وهكذا أدت الظروف وبلوغ ‏الأزمة إلى قمتها بروز شخصية مثل تيفرا كانت منزوية وذلك بحكم التراتبيات الطبقية والنظام الاجتماعية القائم ‏في ذلك الوقت. بالرغم من أن معايير المجتمع والتقسيم الطبقي السائد تُحتِّم عليه أن يقف في الحدود التي خطتها ‏التراتبيات والنظام الاجتماعي. إلا أن الوضع الاستثنائي الخطير أسهم في بروز شخصية مثل تيفرا. وهي ‏شخصية تملك روح المسئولية بجانب كاريزما كشف عنها ذلك الوضع. وقد ارجع جي سبولدينق(بأنه كان يمتاز ‏برؤية استراتيجية وفطنة سياسية لوقف الحرب الأهلية واستعادة الدولة) .‏
ظهور القائد تيفرا
‏ولكن خطورة الوضع وما كان يمكن أن تؤول إليه الأحداث جعلت روح المسئولية والصفات القيادية لقائد مثل ‏تيفرا أن يخطو خطوة للأمام لإنقاذ الموقف. وقد حدث ذلك تماما.ولكنه أيضا إلى حد وفق معايير المجتمع التي ‏أرساها النظام المتواتر على مدى حوالي ثلاثة قرون.‏
بالتالي يمكن القول أن الخطوة التي قام بها القائد تيفرا هي برغم كل شيء خطوة محسوبة لظهور الكاريزما ‏مؤقتا لإحداث التوازن وتعديل كفة الميزان نحو الاستقرار وفق مفهوم نفس المجتمع. وهنا لابد من القول بأن ‏القائد تيفرا بحكم موهبته القيادية وقراءته الحصيفة للأحداث يُدرِك أنه عليه ألا يتجاوز في اتخاذه تلك الخطوة ‏المصيرية الكبيرة النقطة الوازنة.‏
‏ كما تقدم في المقدمة كان تيفرا قائدا عسكريا ومسترقا سابقا ليتم استيعابه ضمن الفرق العسكرية التابعة للسلطان. ‏يدل تاريخه وما قام به لاحقا على ذكاء حاد وبصيرة متقدة ونظرة متعقلة. حيث لعب تيفرا دورا بارزا خلال ‏الفترة الأخيرة لحكم الهمج(والتي سماها جي سبولدينق بعصر البطولات). وهي التي اتسمت بتراخي قوة الدولة ‏المركزية وانغماس القادة المحليين وأمراء الحرب في صراعات وحروب أهلية للسيطرة على الحكم والحصول ‏على المكاسب المُمكنة.‏
بعد سيطرة الهمج على حكم سنار صار الحكم منذ ظهور الوزير أبولكيلك بيد الوزراء وليس بيد السلاطين. وفي ‏تلك الفترة انفرد كل وزير بمجموعة خاصة به من فرق الأرقاء العسكرين. وفي أتون الصراع بين الوزراء ‏تمردت الفرق العسكرية للأرقاء بقيادة تيفرا على مستعبديهم وصارت لهم الكلمة. وفي تلك الفترة تصرف تيفرا ‏بتعقلٍ كامل ومسئولية تامة نحو فرض الأمن وحفظ النظام. ‏
وكمكافأة لصنيع تيفرا منحه محمد ود عدلان مرتبة السيادة الكاملة أي المتصرف في شؤون الدولة ومنحه اللقب ‏السامي في ذلك العهد وهو لقب "الأرباب"،‎.‎الذي لا يُمنَح إلا للمقربين وذوي الشأن وأصحاب النفوذ. ولا ‏يُمنح ‏إلا لملوك المقاطعات، أو كبار مستشاري السلطان، أو أفراد العائلة الحاكمة وجهاء المجتمع‎.‎
وجد "ود عدلان" في القائد "تيفرا" وجيشه المتمرد حليفاً عسكرياً لا يُستهان به. ‏انضم تيفرة وجيشه المتمرد إلى ‏صفوف ود عدلان، وشكّلوا معاً القوة الضاربة التي حسمت الحروب ‏الأهلية الطاحنة لصالح ود عدلان عام ‏‏1808م‎. ‎‏ في تلك الفترة التي كان فيها "محمد ود عدلان" (أحد أقوى وزراء الهمج وأبرز رجالات تلك ‏الفترة) ‏مقد قضى على منافسيه من أبناء عمومته وأمراء الفونج‎.‎‏ كان لتيفرة وقواته الدور الأكبر في إخماد الفتن ‏الداخلية، وتأمين العاصمة سنّار، ‏وإعادة فرض هيبة الدولة ‏‎.‎
‎وهكذا ارتقى تيفرة من قائد لكتائب متمردة إلى رقيب وأمين ‏على الدولة وصانعا للسلاطين. أسبغ محمد ود ‏عدلان على تيفرا كمكافأة له لقب "الأرباب". كم منحه ‏سلطات واسعة وُصِفَت "بالسيادة الكاملة"، والتي قد تشمل ‏مسئولية بسط الأمن والنظام المسئولية عن الشؤون العسكرية في السلطنة.‏
قضى الأرباب تيفرا الذي تمكَّن بكفاءته ‏العسكرية من تجاوز قيود الرق والتمرد بقية سنوات حياته، متمتعا ‏بالثروة والجاه والنفوذ ‏السياسي، بتقدير كبير من الحكام كواحد من أبطال وقادة العصر العسكريين، وظل كذلك ‏حتى قُبيل ‏سقوط السلطنة ودخول جيوش محمد علي باشا عام 1821م.‏
في الختام فإن سيرة تيفرة والأحداث التي رافقت ظهوره يمكن قراءتها من عدة وجوه. أولا إن تأثيرات الجوار ‏الإقليمي حقيقة لا يمكن إنكارها كما أوردنا ذلك آنفا. من ناحية أخرى يكاد التاريخ أن يكرر نفسه من خلال عدة ‏صور. فظهور نموذجٍ استثنائيٍ مثل تيفرا، الذي تخطى التراتبيات الاجتماعية القائمة ليفرض نفسه على المشهد ‏ويُتوج قائدا‎.‎‏ بالإضافة إلى ذلك ظهور المليشيات بسبب ضعف الدولة أو الجيش خير دليل على ذلك. حيث شهد ‏السودان خلال السنوات الفائتة (2019) وضعا مشابها، وكأن التاريخ يؤكد انه يمكن أن يتكرر بنفس الصورة ‏إن تكررت نفس الظروف والمعطيات. ‏
‏ mohabd505@gmail.com