Post: #1
Title: محمود طه - المثقفون الذين قرأوه - الإنسان الذي يمكن أن نعيد قراءة الإسلام من خلال تجربته#
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 09-14-2026, 03:37 PM
03:37 PM September, 14 2026 سودانيز اون لاين زهير ابو الزهراء-السودان مكتبتى رابط مختصر
من -الرسالة الثانية- إلى الإسلام الإنساني- تلقي المثقفين السودانيين لمشروع محمود محمد طه سؤال ما بعد المؤسس في الذكرى الحادية والأربعين لإعدامه، لا يزال محمود محمد طه (1909-1985) حاضراً في الوعي السوداني بوصفه أحد أكثر المفكرين إثارة للجدل في تاريخ السودان الحديث لكن السؤال الذي يستحق الطرح اليوم ليس ماذا قال طه، بل ماذا فعلت فكرته في الآخرين؟ وكيف تحوّل من مفكر ومؤسس حركة إلى رمز اشتباك معقد، تتداخل فيه أسئلة الهوية والسلطة والحرية والحداثة؟ يقدّم هذا المقال أطروحة مركزية- لم يعد مشروع محمود محمد طه ملكاً لصاحبه ولا للجمهوريين وحدهم؛ لقد تحوّل إلى سؤال ثقافي سوداني مفتوح , ومهمة المقال ليست الدفاع عنه أو إدانته، بل تتبّع كيف قرأه المثقفون السودانيون، ولماذا بقي النقاش أسيراً للحكم على الرجل بدلاً من اختبار الفكرة المحور الأول-- محمود محمد طه في الوعي الثقافي السوداني وُلد محمود محمد طه عام 1909، وأسّس الحزب الجمهوري في 26 أكتوبر 1945 كحزب يدعو لاستقلال السودان والنظام الجمهوري لكن المشروع تحوّل في الخمسينيات من ناشط سياسي يسعى للاستقلال إلى منظمة لنشر ×الرسالة الثانية×و نشر طه كتابه الأهم «الرسالة الثانية من الإسلام» عام 1967 وقدّم فيه فكرة جريئة تقوم على أساس أن هناك «إسلامين»- إسلام مكّي هو الأصل والجوهر، وإسلام مدني هو الطارئ والمرحلي أُعدم طه في 18 يناير 1985 بعد محاكمة بتهمة الردة، في سابقة نادرة في التاريخ الإسلامي الحديث حيث يُعدم مفكر رسمياً بسبب آرائه , و لكن إعدامه لم يُنهِ الفكرة، بل حوّله إلى رمز اشتباك معقد يتجاوز الأطر التنظيمية الضيقة للحركة الجمهورية إلى فضاء أوسع من الجدل والتأمل المحور الثاني- خرائط التلقي — لا قراءة واحدة لم يُقرأ محمود محمد طه بالطريقة نفسها قط. يمكن تقسيم هذا التلقي — دون ادعاء حصر — إلى خمسة مسارات- أولاً- القراءة الدينية/الفقهية الناقدة وتتناول أطروحاته من زاوية الأصول الفقهية والعقائدية التقليدية من أبرز نماذجها دراسة إسماعيل صديق عثمان «محمود محمد طه بين الشهادة والردة»، التي تنطلق من المنظومة الفقهية التقليدية لتفنيد دعوى «الرسالة الثانية» ثانياً- القراءة الصوفية والروحية تنظر إلى مشروعه كامتداد للتجربة العرفانية الباحثة عن الجوهر لا الشكل. يؤكد محمد محمود في دراسته الأكاديمية «Quest for Divinity» أن طه طرح نظريات في الحرية الإنسانية ورسالة اجتماعية تقوم على المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. هذا البعد العرفاني هو ما يجعل تجربته قابلة للقراءة خارج السياق السوداني الضيق ثالثاً- القراءة الحداثية تراه محاولة جادة للتوفيق بين الإسلام والحداثة ومشكلات العقل المعاصر. يتجلى هذا في دراسات عبد الله الفكي البشير، الذي خصص كتابه «صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون- قراءة في المواقف وتزوير التاريخ» لرصد مظاهر تغييب فكر طه من الرسائل الجامعية وكتب تاريخ الحركة الوطنية والتراجم رابعاً- القراءة السياسية تركز على اشتباك المشروع بقضايا الدولة والحرية وحقوق الإنسان. النور حمد، أحد أبرز قيادات الفكرة الجمهورية الذي تتلمذ على يد طه بين 1972 و1985، طرح قراءة نقدية جذرية رأى فيها أن «فكرة الحزب الجمهوري تحولت لعقيدة جامدة تتطلب التفكير والتقييم النقدي»، وأن «طه جاء ليصنع مفكرين وليس أتباعاً» خامساً- القراءة الإنسانية تتجاوز الانتماء التنظيمي لتلامس الأسئلة الكبرى للوجود والتحرر. هذا المسار هو الأكثر قدرة على تحرير الفكرة من سياقها المحلي الضيق المحور الثالث- لماذا بقي النقاش أسير الحكم على الرجل؟ طالما دارت الرحى حول ثنائيات حادة: «كافر/مسلم»، «صحيح/باطل»، «شريعة/إلغاء الشريعة». يكشف الفكي البشير عن «معضلة تتجاوز مجرد الاختلاف حول أفكاره، لتثير أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة إنتاج المعرفة في السودان، وآليات الاعتراف بالإسهامات الفكرية، وحدود الموضوعية في التعامل مع الأطروحات الخارجة عن السائد», الأمر اللافت أن معظم ما كُتب عن طه في السودان «يتراوح بين الضعف والإهمال، والركاكة والسذاجة، بينما ينطوي كثير منه على مزاعم لا تستند إلى بحث موثق». هذا الضعف في الكتابة النقدية هو نفسه جزء من المشكلة- عندما يغيب النقد الرصين، يملأ التكفير أو التقديس الفراغ المحور الرابع- ما «الإسلام الإنساني»؟ من التعريف إلى الضبط ربما يمكن النظر إلى تجربة محمود محمد طه باعتبارها محاولة إنسانية لإعادة اكتشاف الإسلام من داخل تجربة الإنسان التاريخية والروحية , ولكن العبارة نفسها تحتاج إلى دقة. , «الإسلام الإنساني» في سياق طه ليس شعاراً عاطفياً، بل مشروع معرفي محدد يقوم على ثلاث ركائز- أولاً، المساواة الكاملة بين الرجال والنساء، وهو ما كتبه طه صراحة- «إن الأصل في الإسلام هو المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة». ثانياً، حرية الفرد، إذ يؤكد طه أن «تحقيق حرية الفرد يقتضي تحقيق حرية الجماعة، لأن الفرد لا يستطيع أن يمارس حريته في مجتمع غير حر». ثالثاً، النص كأداة تحرر لا كأداة سلطة القيمة الإنسانية لمشروع طه لا تكمن في نتائجه، بل في الأسئلة التي يطرحها: كيف يمكن للإنسان أن يعيش إسلامه في التاريخ دون أن يتحول الدين إلى سلطة قاهرة على الإنسان؟ وكيف يمكن أن يظل النص حياً دون أن يصبح التاريخ سجناً له؟ المحور الخامس- القراءة من الخارج — تونس وسؤال السياق في حديث مع بعض الأصدقاء والمثقفين في تونس، بدا أن النظر إلى محمود محمد طه لم يكن محكوماً بالثنائيات السودانية القديمة بالدرجة نفسها. هذه الملاحظة ليست مجرد انطباع شخصي، بل تعززها وقائع النشر- كتاب عبد الله الفكي البشير الأخير «محمود محمد طه- من أجل فهم جديد للإسلام» صدر عن دار محمد علي للنشر في صفاقس، تونس، بالتعاون مع مؤسسة الانتشار العربي في بيروت, النشر في تونس ليس مصادفة؛ إنه يعكس مناخاً ثقافياً أكثر انفتاحاً على القراءة النقدية للفكر الإسلامي الإصلاحي يطرح هذا التباين سؤالاً جوهرياً- لماذا يمكن أن تُقرأ التجربة من الخارج باعتبارها أفقاً إنسانياً فسيحاً، بينما تُستعاد داخل السودان كثيراً بوصفها معركة استقطاب حادة حول صحة الرجل وخطئه؟ الجواب جزئياً يكمن في أن السياق السوداني محمّل بتاريخ من الصراع بين الدولة والمؤسسة الدينية، وبين النخبة السياسية والمجتمع المدني، وبين خطاب التكفير وخطاب التحديث- أما السياق التونسي، فرغم تعقيده، لا يحمل العبء التاريخي نفسه تجاه هذه القضية تحديداً المحور السادس- هل يمكن فصل الفكرة عن صاحبها؟ هذا سؤال فلسفي عميق هو هل نستطيع قراءة «الرسالة الثانية» دون افتراض سلطة شخصية لمحمود محمد طه؟ وماذا يبقى من المشروع إذا فصلنا التجربة الروحية الخاصة عن البناء الفكري الخالص؟ النور حمد، الذي كان من أقرب المقربين إلى طه، يقدّم إجابة نقدية- «فكرة الحزب الجمهوري تحولت لعقيدة جامدة» و بمعنى أن الإشكالية ليست في طه نفسه، بل في العلاقة التي نشأت بين الفكرة والمؤسس، وبين المؤسس والأتباع. عندما يتحول المفكر إلى «مرجعية مكتملة ومغلقة»، تتجمد الفكرة وتفقد قدرتها على الحياة , السؤال الأصعب: هل يمكن لباحث آخر أن يستفيد من أسئلة طه دون أن يصبح جمهورياً؟ هذا ممكن فقط إذا نجحنا في تحرير الأسئلة من الأجوبة الجاهزة، وفي تحويل المشروع من «عقيدة» إلى «منهج» المحور السابع- من المشروع الجمهوري إلى أسئلة القرن الحادي والعشرين بدلاً من السؤال المغلق «هل نعتنق فكر محمود محمد طه؟»، يمكن طرح سؤال أوسع- ماذا يمكن أن يقدم هذا التراث للنقاش المعاصر حول الإسلام؟ يمكن إيجاز الإسهامات المحتملة في خمسة مستويات-الحرية الفردية والمجتمعية- العلاقة الجدلية بين حرية الفرد وحرية الجماعة , المساواة والعدالة الاجتماعية- المساواة الكاملة بين الرجال والنساء كأصل لا كاستثناء -موقع الفرد في المنظومة الدينية والسياسية- و كيف يتحرر الفرد من سلطة التأويل المغلقة؟ _طبيعة الدولة وعلاقة النص بالتاريخ- الإسلام المكّي كأفق، والإسلام المدني كواقع مرحلي- العيش المشترك في مجتمع متعدد: التسامح وقبول الآخر كجوهر لا كتكتيك -في هذا السياق، يتحول محمود محمد طه من «إجابة جاهزة» إلى «موضوع للنقاش والاختبار» المحور الثامن- بين التقديس والرفض — نحو قراءة نقدية هل نحتاج حقاً إلى تحرير محمود محمد طه من أنصاره وخصومه معاً؟ أنصاره قد يقعون في فخ تحويله إلى مرجعية مكتملة ومغلقة، بينما يحوّله خصومه إلى حكم تاريخي انتهى أمره. وحدها القراءة النقدية قادرة على وضعه في مكان ثالث- مفكر يُقرأ، ويُختبر، ويُختلف معه الفكي البشير، الذي كرّس ثلاثة عقود لدراسة هذا الفكر، يخلص إلى أن ضعف الكتابات السودانية عن طه «لا يعود إلى ضعف الاهتمام بالفهم الجديد للإسلام وحده، بل يرتبط أيضاً بأنماط من التجاهل والإغفال والاستبعاد المتعمد من الفضاء الأكاديمي ودوائر حوارات المثقفين», و هذا التشخيص ليس مجرد شكوى، بل دعوة إلى إعادة بناء العلاقة بين المثقف السوداني وتراثه الفكري، بعيداً عن ثنائيات التكفير والتقديس من (محمود) إلى الإنسان نعود إلى السؤال الأول- هل كان مشروع محمود محمد طه محاولة لصياغة «الإسلام الإنساني»؟ , لا نعطي إجابة قاطعة، بل نقول إن قيمة التجربة ربما لا تكمن فقط في أن نقبل نتائجها أو نرفضها، وإنما في أنها دفعت الفكر السوداني إلى طرح أسئلة ظلت مفتوحة- كيف يمكن للإنسان أن يعيش إسلامه في التاريخ دون أن يتحول الدين إلى سلطة قاهرة على الإنسان؟ وكيف يمكن أن يظل النص حياً دون أن يصبح التاريخ سجناً له؟ وربما كان التحدي الحقيقي اليوم ألا نسأل فقط ماذا أراد محمود محمد طه أن يقول عن الإسلام، بل ماذا يمكن أن يقول الإسلام، من خلال تجربته، عن الإنسان.
|
|