صحفى دردقنى فى النجيلة كتبه الأمين مصطفى

صحفى دردقنى فى النجيلة كتبه الأمين مصطفى


09-14-2026, 12:11 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789384283&rn=0


Post: #1
Title: صحفى دردقنى فى النجيلة كتبه الأمين مصطفى
Author: الأمين مصطفى
Date: 09-14-2026, 12:11 PM

12:11 PM September, 14 2026

سودانيز اون لاين
الأمين مصطفى-السودان
مكتبتى
رابط مختصر




في صباحٍ لا يعرف أحد لماذا بدأ، استُدعيَت مجموعة من صحفيين وصحفيات الانقلاب إلى مبنى رماديّ يطل على شارعٍ رماديّ، تتوسطه حفرةٌ كبيرة حتى إن موظف الاستقبال كان يسميها، بفخر، «المَعْلَم السياحي».
قال الرجل الذي استقبلهم:
— عندنا مهمة وطنية صغيرة.
نظر الصحفيون إلى بعضهم.
كانوا يعرفون أن كلمة «صغيرة» في قاموس سلطة الأمر الواقع تعني عادةً شيئًا يحتاج إلى سبع سيارات دفع رباعي وثلاثة بيانات صحفية.

أخرج المسؤول ورقة.

— انتشرت أخبار عن استعمال سلاح الكلور.

سأل صحفي شاب:

— وما المطلوب منا؟

ابتسم المسؤول ابتسامةً رسمية:

— تنفوا.

— وكيف؟

— انزلوا إلى الشوارع، شوفوا بأنفسكم، واكتبوا أن كل شيء طبيعي.

تدخلت صحفية:

— لكن أين آثار الاستعمال؟

قال المسؤول:

— هذا هو السؤال الخطأ.

— وما السؤال الصحيح؟

— كيف نثبت أنه لم يحدث؟

ساد الصمت.

ثم صفق المسؤول لنفسه مرة واحدة، باعتبار أن الجملة تستحق التصفيق.

خرج الوفد الصحفي في سيارات متعبة. لم تكن السيارات مجهزة بأجهزة قياس الغازات، ولا بأقنعة واقية، ولا حتى بإطارات احتياطية كاملة.

لكن كان لديهم شيء أهم: بيان صحفي جاهز.

في الصفحة الأولى عنوان كبير:

«جولة ميدانية تؤكد عدم وجود ما يثير القلق».


وفي أسفل الصفحة، بخط صغير:

«الجولة لم تشمل الأماكن التي قد تثير القلق».


بدأوا جولتهم من حديقة عامة.

كانت الحديقة خالية إلا من كيس بلاستيك يطاردُه الهواء، وكرسي مكسور، وشجرة نجيلة شديدة الاصفرار تنظر إلى الجميع كأنها فقدت الثقة في الطبيعة نفسها.

قال المصور:

— صوّروا الحديقة.

— لماذا؟

— لأن وجود حديقة يعني أن الحياة مستمرة.

— لكنها خالية.

— أفضل. لا أحد سيظهر في الصورة ويسألنا عن الكلور.

التقط صورة واسعة.

ثم قال:

— ممتاز. اكتبوا: «المواطنون يمارسون حياتهم الطبيعية».

سألت الصحفية:

— لكن أين المواطنون؟

أجاب:

— خارج الكادر.

انتقلوا إلى شارع آخر.

كان الشارع مليئًا بالحفر والمطبات حتى بدا كأنه مشروع هندسي تجريبي لدراسة قدرة الصحفي على الارتجاج.

قفزت السيارة فوق مطب.

ثم هبطت.

ثم قفزت مرة أخرى.
قال السائق:
— هذه ليست مطبات.
قال الصحفي:
— وما هي إذن؟
— مؤامرة جغرافية.
في المطب الثالث، طار جهاز التسجيل من يد الصحفية وسقط تحت المقعد.
قالت:
— وجدنا الدليل!
توقف الجميع.
— أي دليل؟
— أن الطريق غير صالح للسير.
فكروا لحظة.
ثم قرروا بالإجماع ألا يذكروه.
وصلوا إلى شارع خالٍ.
لا محال مفتوحة.
لا سيارات.
لا أطفال.
لا بائع خضار.
ولا حتى قطة مستعدة لتقديم شهادة مجانية.
قال أحدهم:
— المكان هادئ جدًا.
قالت صحفية:
— الهدوء دليل على الأمن.
رد آخر:
— أو على الخوف.
نظر الجميع إليه.
قال بسرعة:
— أقصد الأمن طبعًا.
أخرج المسؤول الإعلامي هاتفه وقال:
— لا تستخدموا كلمة «خوف». هذه كلمة سلبية.
— وماذا نستخدم؟
— «هدوء مجتمعي».
سجلها أحدهم في دفتره.
«هدوء مجتمعي».
وتحتها:
«لا تسأل عن السبب».
في منتصف الجولة، شعر أحد الصحفيين بحكة في ساقه.
قال:
— شيء ما عضني.
رفع بنطاله قليلًا.
كان هناك أثر أحمر على ساقه.
قالت الصحفية:
— ربما بعوضة.
قال المصور:
— لا تتسرعوا. يمكن أن يكون أثرًا كيميائيًا.
اقترب المسؤول.
نظر إلى العلامة.
ثم قال:
— لا تصوروا هذا.
— لماذا؟
— لأنه قد يُفهم خطأ.
— وما التفسير الصحيح؟
— لا يوجد تفسير صحيح في الصورة إذا كانت الصورة لا تخدم الرواية.
كان ذلك أعمق تصريح صحفي سمعه الفريق طوال اليوم.
بعد ثلاث ساعات من التجوال بين الحدائق والشوارع الخالية، لم يجد الصحفيون شيئًا.
وهذا بالضبط ما كانت السلطة تحتاجه.
عادوا إلى المبنى.
استقبلهم المسؤول بحماس:
— ها؟
قال رئيس الوفد:
— لم نجد أي دليل.
تهلل وجه المسؤول.
— رائع!
قالت صحفية:
— لكننا لم نبحث بحثًا علميًا.
— لا مشكلة.
— ولم تكن معنا أجهزة قياس.
— ممتاز.
— ولم ندخل بعض المناطق.
— أفضل.
ثم فتح درج مكتبه وأخرج مسودة بيان.
— كنت قد أعددته مسبقًا.
قرأ الصحفي:

«بعد جولة ميدانية شاملة قامت بها نخبة من الصحفيين المستغلين"، تأكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الأخبار المتداولة حول استعمال الكلور لا أساس لها من الصحة.»

رفع أحدهم يده.
— لكننا لسنا مستقلين.
نظر إليه المسؤول طويلًا.
ثم قال:
— هذه أول مرة أسمع فيها أن الصحفي يحتاج إلى الاستقلال كي يكون صحفيًا.
ثم أضاف:
— وقّعوا هنا.
في اليوم التالي ظهرت الصور.
حديقة فارغة.
شارع مليء بالحفر.
رصيف مكسور.
سيارة صحفية تقف أمام جدار.
وعنوان ضخم:
«الحياة طبيعية.. ولا صحة للشائعات».
تحت العنوان صورة للصحفيين وهم يقفون أمام حفرة عملاقة.
كتب المحرر:
«وأكد الوفد أن جولته الميدانية لم ترصد أي مظاهر غير طبيعية.»
في تلك اللحظة اتصل صحفي من الفريق بالمحرر.
— ألا ترى الحفرة؟
— طبعًا.
— أليست غير طبيعية؟
سكت المحرر قليلًا.
ثم قال:
— في بلدنا؟
سكت الصحفي.
قال المحرر:
— الحفرة هي الشيء الطبيعي الوحيد الذي يمكننا ضمان وجوده.
ثم أغلق الهاتف.
في المساء، عاد الصحفي الذي عضته الحشرة إلى منزله.
كان يشعر بالحكة نفسها.
فتح التلفزيون.
ظهر المسؤول الإعلامي مبتسمًا:
«لقد أثبتت الجولة الصحفية أن الحديث عن الكلور مجرد شائعة مغرضة، وأن الأوضاع مستقرة تمامًا.»
نظر الصحفي إلى ساقه.
ثم إلى الشاشة.
ثم إلى ساقه مرة أخرى.
وفكر أن هناك شيئًا واحدًا فقط كان ينقص الجولة:
صحفي يستطيع أن يفرق بين ما رآه بعينيه، وما طُلب منه أن يراه.
وفي صباح اليوم التالي، وجد على مكتبه تكليفًا جديدًا:

«مهمة عاجلة: إثبات أن البلاد لا تعاني من أزمة صحافة.»

رفع الصحفي رأسه نحو زملائه.
قال:
— هل نخرج في جولة؟
قالت الصحفية:
— إلى أين؟
أجاب:
— إلى أقرب حديقة.
— ولماذا؟
ابتسم:
— لأن الشوارع فيها حفر كثيرة، والحدائق أقل خطرًا على الحقيقة.
ومن بعيد، كان صوت سيارة السلطة يقترب.
ثم ارتطمت بمطب.
دردقنى.
ارتفعت السيارة قليلًا، وهبطت.
ثم جاء مطب آخر.
دردقنى.
وهكذا، للمرة الأولى، أصبح للصحافة في المدينة إيقاعها الرسمي.
دردقنى.. دردقنى.. دردقنى.

,,,,,