لغات منطقة البحر الأحمر: الروابط التاريخية والسمات اللغوية (4) كتبه د. حسن علي أدروب

لغات منطقة البحر الأحمر: الروابط التاريخية والسمات اللغوية (4) كتبه د. حسن علي أدروب


09-11-2026, 00:51 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789084294&rn=0


Post: #1
Title: لغات منطقة البحر الأحمر: الروابط التاريخية والسمات اللغوية (4) كتبه د. حسن علي أدروب
Author: د.حسن علي أدروب
Date: 09-11-2026, 00:51 AM

00:51 AM September, 10 2026

سودانيز اون لاين
د.حسن علي أدروب-عمان
مكتبتى
رابط مختصر





د. حسن علي أدروب
9 سبتمبر 2026

يهتم الشعب السوداني، كغيره من الشعوب، بالاطمئنان على الآخرين، ويحرص على السلام والتحية والمجاملة عند اللقاء. وقد ترسخت هذه العادة بصورة خاصة لدى سكان منطقة البحر الأحمر، حيث لا يقتصر اللقاء، سواء بين الأقارب أو الغرباء، على إلقاء السلام والتحية، بل يتبعه غالبًا سؤال عن الحال والصحة والسلامة، وتبادل عبارات تتجاوز معناها المباشر لتكشف عن عمق ثقافي ولغوي متوارث.

ومن خلال اهتمامي بلغات منطقة البحر الأحمر، استوقفتني بعض المفردات والتعابيرالتي تتكرر في أحاديث أهل المنطقة، وحاولت الوقوف على معانيها وأصولها والعلاقة المحتملة بينها. ومن أبرز هذه التعبيرات كلمتان ظل الأستاذ الجليل محمد أحمد طه المقيم بسلطنة عمان، أطال الله عمره وحفظه، يستخدمهما في حديثه معي( دهني إيتا) /dhani eita/ في بداية الحديث، وعبارة (إمدهنوك)/im-dhanok/ عند نهاية خديثي معه.

ويرتبط استخدام الأستاذ محمد أحمد طه لهاتين العبارتين عند لقائي الاول به منذ عشرون عاماً بتجربة حياته في منطقة هيا وخور عرب بولاية البحر الاحمر، حيث نشأ جزء من حياته حين كان والده الذي ينحدر من منطقة حلفا القديمة ولكنه عمل بالسكة الحديد في تلك المناطق. وقد أثارت هذه المفردات اهتمامي، لا سيما أنني أعرفها وأسمعها من كبار السن في المنطقة، إلا أن استخدامها في حديث الأستاذ محمد كان له وقع خاص، لأنه أعاد إليّ كلمات بجاوية قديمة كنت أسمعها بصورة متفرقة، ودفعني إلى التأمل في معانيها ووظائفها الثقافية.

تستخدم عبارة (دهني إيتا) /dhani eita/ في سياق الاطمئنان على الشخص عند بداية اللقاء، ويمكن أن تحمل معنى قريبًا من: (هل أنت حي؟ هل أنت بخير؟ هل أنت سالم؟). ولذلك فهي ليست مجرد تحية عابرة، وإنما تعبير عن الرغبة في التأكد من سلامة الشخص وحاله قبل الدخول في الحديث. وهنا تكمن أهمية هذه المفردة؛ فالمعنى المرتبط بها لا ينفصل عن ثقافة مجتمع عاش تاريخيًا في بيئة قاسية، حيث كانت السلامة والصحة والبقاء موضوعات حاضرة في الحياة اليومية. ومن الطبيعي في مثل هذه البيئات أن تتطور عبارات التحية والاطمئنان حول مفاهيم مثل الحياة والسلامة والعافية.

وقد أشار الشاعر البجاوي حسن أوريت إلى المفردة في شعره، كما وردت في ما نقله هدسون (2012)، في سياق يؤكد حضورها في الاستعمال في الادب البجاوي. وهذا الاستعمال الشعري مهم؛ لأنه يدل على أن الكلمة ليست مجرد صيغة حديثة أو فردية، بل لها امتداد في الثقافة اللغوية البجاوية.

ومن هنا يبدأ السؤال اللغوي: عن سر اهتمامي بأصل كلمة (دهني)؟ وهل هي كلمة بجاوية أصيلة، أم أنها نتيجة تفاعل لغوي قديم بين البجاوية والعربية؟

من الصعب الوصول إلى أصل الكلمة بمجرد التشابه الصوتي بينها وبين كلمة عربية، لأن التشابه بين اللغات لا يعني بالضرورة وجود اقتراض مباشر. ولذلك ينبغي التعامل مع أصل (دهني) بوصفه مسألة بحثية مفتوحة تحتاج إلى المقارنة بين البجاوية وفروع أخرى من اللغات الأفروآسيوية، إضافة إلى تتبع أقدم أشكال الكلمة واستعمالاتها.

ومع ذلك، يمكن طرح عدد من الفرضيات.

إحدى الفرضيات تنطلق من العلاقة الدلالية بين الحياة والسلامة، وما يرتبط بها من ألفاظ عربية مثل (حي) و(الحياة). وإذا افترضنا وجود انتقال تاريخي بين العربية والبجاوية، فمن الممكن أن تكون الكلمة قد خضعت لتغيرات صوتية أثناء انتقالها بين النظامين اللغويين.

غير أن القول بأن )دهني(هي يمكن ان تعجمت في تطور لغوي مباشر من كلمة (حي) العربية وهنا أدلة تاريخية وصوتية أقوى. فالتغير من /ح/ إلى /هـ /يمكن أن يحدث في بعض البيئات اللغوية، لكن ذلك وحده لا يكفي لإثبات أصل الكلمة. كما أن إضافة أصوات أخرى أو تغير البنية الصرفية للكلمة يحتاج إلى مقارنات مع أمثلة مماثلة في البجاوية.

وهناك فرضية أخرى تربط الكلمة بجذر عربي آخر هو (دهر)، الذي يرتبط في العربية بالزمن ومدة (الحياة والعمر). ومن الناحية الدلالية يمكن ملاحظة تقاطع بين الدهر، والعمر، والحياة؛ لكن هذا التقاطع الدلالي لا يثبت وحده أن (دهني) مشتقة من (دهر). فغياب /ر/ في الصورة البجاوية المفترضة، وظهور /ن/، يحتاجان إلى تفسير صوتي وصرفي موثق.

لذلك، فإن العلاقة بين (دهني) و(حي) من جهة، وبين (دهني) و(دهر) من جهة أخرى، تظل فرضيتين تستحقان الدراسة، وليس من المنهج العلمي الجزم بإحداهما قبل توفر الأدلة المقارنة. ويزداد الموضوع إثارة مع وجود لفظ بجاوي قريب من (دهي)، يتقاطع صوتيًا مع العربية (دَهِيَ)، أي اتصف بالفطنة والذكاء والدهاء. وهنا يبرز سؤال آخر: هل (دهني) و(دَهِيَ) من أصل واحد، أم أن التشابه بينهما صوتي فقط؟

إن العلاقة بين الذكاء والنجاة في البيئة التقليدية يمكن أن تكون ذات دلالة ثقافية؛ فالإنسان الفطن هو القادر على معرفة المخاطر وتجنبها وحماية نفسه وأسرته. وفي بيئة تتطلب الصبر والخبرة والقدرة على التعامل مع الطبيعة، تصبح الفطنة إحدى وسائل البقاء. و لكن هذا التقاطع الثقافي لا يكفي لإثبات الاشتقاق اللغوي. فالتشابه في الأصوات والمعاني يحتاج إلى أن تدعمه أنماط أخرى من المقارنة، مثل تشابه التغيرات الصوتية، والبنية الصرفية، ووجود كلمات مقابلة في لغات قريبة.

ومن هنا يمكن أن تكون (دهني) كلمة ذات جذور بجاوية قديمة، أو كلمة تأثرت بالعربية في مرحلة من مراحل التفاعل اللغوي الطويل بين سكان المنطقة، أو ربما تكون هناك صلة أقدم تعود إلى المستوى الأفروآسيوي المشترك. وهذه الاحتمالات الثلاثة تستحق الدراسة ولا ينبغي إقصاء أي منها مسبقًا.

تأخذ العبارة بعدًا ثقافيًا أكثر وضوحًا في التعبير البجاوي (دهني فِري) /Dhni Firey/، الذي يمكن فهمه في سياق الدعاء بالولادة الحية أو السلامة، أي التمني بأن تأتي الولادة بخير وأن تبقى الأم والطفل على قيد الحياة. وتكشف هذه العبارة عن مكانة مفهوم الحياة في الثقافة المحلية لمنطقة البحر الأحمر. فالولادة في المجتمعات الريفية القديمة لم تكن حدثًا عاديًا تمامًا؛ إذ كانت مرتبطة بمخاطر صحية حقيقية، خصوصًا في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية وبعد المناطق الريفية عن المرافق الصحية.

ولهذا ارتبطت الولادة بكثير من العادات والدعوات والأمنيات التي تعبر عن الرغبة في السلامة. ومن العادات التي تُروى في بعض البيئات البجاوية إعداد الطعام وإطعام الطفل، ثم مشاركته رمزياً بالجري حول البيت والدعاء لهما بالحياة والسلامة، وفي ذلك ترديد عبارة (دهني فِري). ويمكن النظر إلى الحركة الدائرية حول البيت باعتبارها رمزًا ثقافيًا يحتمل أكثر من تفسير. فقد ترمز الدائرة إلى الاستمرار وتجديد دورة الحياة ، كما يمكن أن تكون مجرد ممارسة اجتماعية مرتبطة بالدعاء والفرح بالولادة.

ومن الجميل في هذه الممارسات أن اللغة لا تظهر فيها بوصفها وسيلة للتواصل فقط، وإنما بوصفها جزءًا من الفعل الثقافي نفسه. فالكلمة تُقال في لحظة معينة، وفي سياق معين، وبنية اجتماعية محددة، فتكتسب معناها من الثقافة بقدر ما تكتسبه من المعجم.

أما التعبير الآخر الذي استوقفني فهو (إمدهنوك) /im-dhahok/، وهو التعبير الذي يستخدمه أستاذ الاجيال الاخ محمد أحمد طه عند نهاية حديثي معه. وفي السياق الذي أستمع فيه إلى العبارة، تبدو مرتبطة بالتمني للشخص بالسلامة والحياة والعافية، ويمكن تقريب معناها في العربية بعبارات مثل: (تدوم حيًا سالمًا) ، أو (حفظك الله وأطال عمرك).

وتزداد أهمية العبارة من الناحية اللغوية عند النظر إلى بنيتها الصوتية. فالمقطع الأخير /hnok/ يبدو مرتبطًا بالمخاطب، وهو ما يفتح باب المقارنة مع أنظمة الضمائر في اللغات المحيطة، ومنها العربية.

لكن من الضروري هنا أيضًا عدم افتراض أن )الكاف( العربية هي بالضرورة المصدر المباشر لهذا الجزء من الكلمة مثل كلمة (أبوك واخوك ونحوهما). فالتشابه بين صيغة المخاطب في لغتين يمكن أن يكون نتيجة الاقتراض، أو التطور المستقل، أو وجود أصل أقدم مشترك. ولذلك فإن تحديد وظيفة /ك/ أو (هنوك)/hnok/ في البجاوية يحتاج إلى دراسة صرفية مستقلة تشمل جميع الضمائر وصيغ المخاطب والغائب في اللغة. ومع ذلك، فإن التشابه في الوظيفة التواصلية يظل لافتًا؛ فالتعبير يستخدم لتوجيه الدعاء أو التمني إلى شخص بعينه، وهو ما يجعله جزءًا من التفاعل الاجتماعي الأوسع من مجرد تركيب لغوي.

تكشف هذه الأمثلة الصغيرة أن العلاقة بين العربية والبجاوية لا يمكن النظر إليها فقط من زاوية (كلمات دخلت من لغة إلى أخرى). فالتفاعل اللغوي في منطقة البحر الأحمر كان جزءًا من تاريخ طويل من التواصل والهجرة والتجارة والمصاهرة والتجاور. واللغات التي تعيش جنبًا إلى جنب لفترات طويلة لا تتبادل المفردات فقط؛ بل يمكن أن تتأثر في النطق، والتعبير، وأنماط الخطاب، والمفاهيم الثقافية، وحتى في الطرق التي يعبر بها الناس عن التحية والدعاء والمجاملة.

ولهذا فإن عبارات مثل (هني إيتا) او (إمدهنوك) تستحق الدراسة بوصفها وحدات لغوية وثقافية في الوقت نفسه. فهي لا تخبرنا فقط عن معنى (الحياة)، وإنما تكشف عن قيمة الحياة في وجدان مجتمع جعلت البيئة القاسية فيه السلامة والعافية موضوعًا دائم الحضور في الحديث اليومي.

وعندما كنت أستمع إلى الأستاذ محمد أحمد طه وهو يبدأ حديثه معي بعبارة (دهني إيتا)، ثم يختم حديثه بقوله (إمدهنوك)، كنت أبتسم؛ لأنني كنت أعرف أن وراء هاتين الكلمتين شيئًا من لغة الآباء وكبار السن في المنطقة، وشيئًا من تاريخها الثقافي الذي لا يظهر دائمًا في الكتب. أما ردي عليه فكان بالعربية( بارك الله فيك) أو(أطال الله عمرك).

وهنا تكمن المفارقة الجميلة: كلمتان من لغتين مختلفتين ظاهريًا، لكنهما تؤديان وظيفة إنسانية واحدة؛ أن تبدأ اللقاء بالدعاء للآخر بالسلامة، وأن تنهيه بالتمني له بالحياة والعافية. ولعل هذه هي إحدى أجمل سمات لغات البحر الأحمر: أنها لا تحفظ تاريخ الكلمات فحسب، بل تحفظ أيضًا تاريخ العلاقات بين الناس.

إن البحث في مثل هذه المفردات الصغيرة قد يقود إلى أسئلة أكبر حول تاريخ التفاعل بين العربية والبجاوية، وحول ما يمكن أن تكشفه لغات البحر الأحمر عن الروابط القديمة داخل الأسرة الأفروآسيوية. ومن هنا، فإن (دهني) ليست بالنسبة لي مجرد كلمة. إنها مدخل إلى سؤال أكبر: كيف تختزن اللغة ذاكرة مجتمع كامل، وكيف يمكن لكلمة واحدة أن تحمل في داخلها معنى الحياة، والسلامة، والدعاء، والتواصل، وربما شيئًا من التاريخ الذي لم يُكتب بعد؟