استكمالاً لا مصادمة من لماذا عجزنا؟ إلى كيف نبني؟ قراءة في مقال د. الهادي عبدالله أبوضفائر: "ال

استكمالاً لا مصادمة من لماذا عجزنا؟ إلى كيف نبني؟ قراءة في مقال د. الهادي عبدالله أبوضفائر: "ال


09-10-2026, 01:25 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1789043127&rn=0


Post: #1
Title: استكمالاً لا مصادمة من لماذا عجزنا؟ إلى كيف نبني؟ قراءة في مقال د. الهادي عبدالله أبوضفائر: "ال
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 09-10-2026, 01:25 PM

01:25 PM September, 10 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



استكمالاً لا مصادمة
من "لماذا عجزنا؟" إلى "كيف نبني؟"
قراءة في مقال د. الهادي عبدالله أبوضفائر: "الوطن الذي لم نتعلّم كيف نبنيه"

د. على عبدالله الخليفة طه

يطرح د. الهادي عبدالله أبوضفائر في مقاله سؤالاً أسبق من كل نقاش حول لجان الحوار واتفاقاته: لماذا عجزنا، عبر عقود، عن بناء وطن مستقر؟ وهو سؤال لا يطلب إجابة سياسية سريعة، بل يستدعي وقفة عند المفهوم نفسه: ما الدولة؟ وكيف تتمايز عن السلطة والنظام؟ هذه المقالة لا تأتي لتُجادل هذا التشخيص، فهو تشخيص دقيق يستحق التوقف عنده طويلاً، وإنما لتُكمل مساره: من السؤال الفلسفي إلى الآلية التي تجيب عليه عملياً، بوصفنا جميعاً ، كما يقول المقال نفسه، شركاء في مواجهة سؤال واحد لم نجرؤ بعد على تغييره.

الدولة والسلطة والنظام: من التمييز الفلسفي إلى الجدار المؤسسي

يضع أبوضفائر إصبعه على أخطر التباسات تجربتنا السياسية حين يفصل بين الدولة التي تبقى، والنظام الذي يتغير، والحكومة التي تتبدل. هذا التمييز، رغم صحته ووضوحه كفكرة، ظل عبر تاريخنا السياسي بلا سند مؤسسي يحميه من الانهيار عند أول أزمة. فكل تغيير سياسي تحوّل إلى زلزال، كما يصف المقال بدقة، لأن المؤسسات لم تُبنَ لتصمد أمام تقلبات السلطة، بل بُنيت غالباً كامتداد لها.
الجدار المؤسسي في إطار الميثاق هو المحاولة العملية لترجمة هذا التمييز الفلسفي إلى بنية قانونية وإدارية فعلية: فصل مؤسسات الخدمة المدنية والقضاء والأمن والمال العام عن دورة الصراع السياسي، بحيث لا يستطيع تغيّر النظام أن يُسقط معه القانون والمؤسسة، كما يخشى المقال. فالمطلوب ليس فقط أن نُدرك الفرق بين الدولة والنظام، بل أن نصمم جداراً مؤسسياً يمنع تسرّب أزمات النظام إلى جسد الدولة.

العقد الاجتماعي الغائب: من الفرض إلى الشرعية الصاعدة

يشخّص المقال جذر الأزمة بدقة حين يقول إننا بنينا المؤسسات قبل أن نبني الإنسان، وكتبنا الدستور قبل أن نبني الثقة بين السلطة والناس. هذا البناء من أعلى، كما يصفه، أنتج نسقاً يبحث منذ ولادته عن مضمون. والمواطن الذي طُلب منه أن يدفع الثمن دون أن يكون له صوت في القرار، لم ينفصل عن الدولة عبثاً، بل لأن العلاقة بينهما لم تُبنَ يوماً على تراكم ثقة حقيقي.
الشرعية الوظيفية الصاعدة تحاول الإجابة على هذا العطب من زاوية مختلفة عن الفرض من أعلى: أن تُبنى شرعية السلطة تصاعدياً من أداء وظيفي ملموس ومتراكم، لا من مرسوم أو انتصار عسكري أو تفاهم نخبوي مؤقت. فالثقة، كما يشير المقال ضمناً، لا تُصنع بقرار، بل تُكتسب بالممارسة المتكررة التي تُثبت للمواطن أن صوته له أثر فعلي في القرار الذي يخصّه.

المواطنة شراكة لا طاعة: الركيزة الرابعة والافتقار

من أهم ما يطرحه المقال أن الطاعة تصنع تابعاً لا مواطناً، وأن المواطنة تنشأ من شعور عميق بالشراكة في المكان والقرار والمصير. هذا التوصيف الدقيق للمواطنة كشراكة، لا كعلاقة رأسية بين حاكم ومحكوم، هو نفسه الأساس الذي تقوم عليه فكرة الافتقار في الإطار السياسي للميثاق: أن الجماعات والأقاليم المختلفة في السودان مرتبطة بعلاقة اعتماد متبادل بنيوي، لا يستطيع فيها أحد أن يستقر بمعزل عن استقرار غيره.
الركيزة الرابعة تترجم هذا المبدأ إلى آلية تمثيل وزني عبر ستة أقاليم وظيفية، تأخذ في الحسبان الكثافة السكانية ومؤشرات التهميش التاريخي معاً، بحيث لا تبقى فكرة "الشراكة في القرار" التي يدعو إليها المقال شعاراً أخلاقياً معلقاً، بل تتحول إلى صيغة عملية لتوزيع التمثيل والموارد. فالمواطنة التي وصفها أبوضفائر بأنها "حقٌّ يُصان لا مِنّة" تحتاج إلى صيغة حسابية تضمن هذا الحق، لا تكتفي بإعلانه.

الخوف من السؤال: المساءلة كأساس للعدالة الانتقالية

يلمس المقال جرحاً عميقاً حين يربط بين تربيتنا الاجتماعية التي تُجرّم السؤال والاختلاف والنقد، وبين عجزنا السياسي عن تخيّل مستقبل مغاير. فالهشاشة، كما يصفها، تخاف من السؤال كما يخاف الجدار المتصدع من أن يلمسه أحد. وهذا الخوف، حين يُترجم سياسياً، ينتج ثقافة إفلات من المساءلة تجعل كل محاسبة تهديداً وجودياً بدل أن تكون ممارسة طبيعية لدولة القانون.
العدالة الانتقالية الثلاثية تحاول كسر هذه الحلقة عبر مسار متدرج: مجالس مصالحة محلية تعالج الجراح القريبة من الناس، ولجنة حقيقة وتعويض تُوثّق وتُنصف دون إسقاط الجميع في دائرة اتهام واحدة، وغرفة قضائية للجرائم الكبرى بلا عفو عام. هذا التدرج ليس تهرباً من المساءلة، بل محاولة لجعلها ممكنة اجتماعياً وسياسياً، بحيث تصبح المساءلة ركناً في بناء الدولة لا أداة انتقام تُغذي دورة الخوف التي وصفها المقال.

من التشخيص إلى الآلية: لا اتفاق جديد، بل سؤال جديد

يختم أبوضفائر مقاله بتحذير بالغ الدقة: أن تدخل لجنة الحوار بالسؤال القديم وتخرج بالإجابة القديمة، فتُضيف اتفاقاً جديداً إلى سجل الاتفاقات دون أن تُغيّر شيئاً. وهذا بالضبط ما يحاول الميثاق أن يتجنبه حين يقدّم نفسه لا كاتفاق سياسي بين نخب متنافسة على السلطة، بل كإطار مؤسسي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن من أساسها.
مبادرة الجسر الانتقالي والنفير الوطني الكبير هما محاولة لتحويل سؤال "أي وطن نريد؟" الذي يطرحه المقال إلى فعل تعبوي جامع، لا إلى مجرد صياغة نظرية تُضاف إلى أدبيات الحوار. فبروتوكول التفعيل يضع خطوات ملموسة وتسلسلاً زمنياً لتفعيل هذه المبادئ، بحيث لا يبقى السؤال الفلسفي الذي طرحه أبوضفائر معلقاً في فضاء التنظير، بل يتحول إلى مسار قابل للتنفيذ والمراجعة.
إن ما يقدمه أبوضفائر هو تشخيص ضروري لا غنى عنه: فلا يمكن بناء آلية سليمة لدولة لم نتفق بعد على معناها. وما يحاول الميثاق أن يضيفه هو أن هذا الاتفاق على المعنى لا يكتمل إلا حين يتحول إلى بنية مؤسسية تحمي هذا المعنى من الانهيار عند أول اختبار سياسي. فالسؤال الذي طرحه المقال ، أي وطن نريد؟ يبقى بحاجة إلى إجابة مؤسسية تصونه، لا مجرد قناعة أخلاقية نعلّقها على جدار الأمل.