Post: #1
Title: لجنة دقلو في كاودا.. كيف سلمت الحركة الشعبية ملف النوبة لميليشيات دقلو؟ كتبه عبدالغني بريش فيوف
Author: عبدالغني بريش فيوف
Date: 09-09-2026, 02:55 AM
02:55 AM September, 08 2026 سودانيز اون لاين عبدالغني بريش فيوف -USA مكتبتى رابط مختصر
في واحدة من أكثر اللحظات السياسية غرابة في مسار الأزمة السودانية الراهنة، طالعتنا الساحة بمشهد يختزل حجم التردي الذي آلت إليه التحالفات والتوازنات السياسية والميدانية، إذ جلس قائد ميليشيا الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، محاطا بأبهة سياسية متكلفة، ليشهد أداء اليمين لما سُمي بآلية حل النزاع في مقاطعة هيبان بإقليم جنوب كردفان/جبال النوبة. كيف لمدينة كاودا، التي استعصت على طائرات الأنتينوف وصمدت في وجه ترسانة النظام البائد لعقود طويلة، أن تُفتح أبوابها اليوم ليُقام فيها سرادق الصلح تحت رعاية من تلطخت يداه بدماء أهل السودان؟ هذا الاختراق الفاضح، يطرح تساؤلا جوهريا حول موقع قيادة الحركة الشعبية، وتحديدا السيد عبد العزيز الحلو، من هذه المهزلة التي تُلغي سيادة الحركة وتطعن في كبريائها النضالي في مقتل. ********* لنقرأ معا بتمعن ذلك البيان الذي زُفّ إلى الأغبياء والإنتهازيين بعبارات دبلوماسية منمقة لا تخلو من سخرية الأقدار، والذي أعلن أن آلية حل النزاع في مقاطعة هيبان بإقليم جنوب كردفان قد أدت اليمين أمام رئيس المجلس الرئاسي لتحالف ما يسمى بتأسيس، الفريق أول محمد حمدان دقلو، إيذانا ببدء أعمالها في مدينة كاودا. يا لها من مفارقة مبكية حد الضحك، فالرجل الذي فشل فشلا ذريعا في ابتلاع الدولة السودانية بأكملها، والذي ارتدت طموحاته الإمبراطورية إلى نحره لينحصر نفوذه في ولايات دارفور، تاركا خلفه رمادا ودمارا، يأتي اليوم ليُنصّب نفسه حمامة سلام ومُصلحا اجتماعيا في جبال النوبة. كيف لمن عجز عن إطفاء الحرائق التي أشعلها بنفسه في حواضنه القبلية في دارفور، ولم يتمكن يوما من السيطرة على التفلتات والنزاعات الأهلية التي تتغذى عليها ميليشياته، أن يمتلك الوصفة السحرية لحل النزاع النوبي النوبي؟ إن البيان الفج، يكمل مسرحيته غير المضحكة، بتأكيد رئيس المجلس الرئاسي على أهمية دور الآلية في ترسيخ الاستقرار ووقف نزيف الدماء. وهنا عزيزي القارئ، تفقد الكلمات معانيها وتنتحر اللغة خجلا حين ينطق بها من ارتبط اسمه تاريخيا وحاضرا بالاستباحة، والنهب، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية. إن فاقد الشيء لا يعطيه، ومن احترف صناعة الموت وتسبب في تشريد الملايين من أبناء النوبة ودارفور وكل السودان، لا يمكنه أن يكون مهندسا للسلام أو طرفا في حل أي نزاع، ولو كان شجارا لصغار الأطفال في قرى كاودا. ********* إن العنوان الأبرز والأكثر إيلاما في هذه المهزلة، هو الغياب المريب للسيد عبد العزيز الحلو، إذ كيف تسمح الحركة الشعبية لتحرير السودان، بكل إرثها النضالي الطويل، وتاريخها المكتوب بدماء الشهداء، وعقيدتها العسكرية والسياسية الصلبة، أن تتنازل عن دورها السيادي في إدارة خلافات مكوناتها الداخلية، لتُسلم هذا الملف الحساس لزعيم الجنجويد؟ هل أصاب الوهن قيادة الحركة إلى هذا الحد، أم أن هناك صفقات سياسية ومالية مشبوهة تُحاك في غرف مظلمة يدفع ثمنها المواطن النوبي البسيط من كرامته وأمنه؟ إن هذا الصمت المدقع، والسماح لآلية تدين بالولاء وتؤدي القسم أمام قائد ميليشيا بالتدخل في شؤون مقاطعة هيبان، يطرح تساؤلات كارثية حول ما إذا كانت الحركة الشعبية قد فقدت السيطرة الفعلية على كاودا. هل أصبحت العاصمة المحررة مخترقة لدرجة أن الهمباتة وقطاع الطرق، ينصبون أنفسهم أوصياء على الشعب والإرث والتاريخ النوبي؟ إن هذا الغياب ليس حكمة سياسية ولا تكتيكا تفاوضيا، بل هو إما تواطؤ صريح أو عجز فاضح، وكلاهما يمثل خيانة لا تغتفر لمبادئ التحرير التي رفعتها الحركة لعقود. لو كان يوسف كوة حيا.. في وسط هذا الركام الأخلاقي والسياسي، يقفز إلى الأذهان طيف القائد الرمز يوسف كوة مكي، ذلك القائد والمفكر الذي بنى الوجدان النوبي الحديث، وجمع شتات القبائل ووحدها تحت راية الكرامة والاعتزاز بالهوية، ورفض بصلابة لا تلين كل أشكال الوصاية والاستعلاء. يتساءل المرء بحرقة وألم، هل كان يوسف كوة سيقبل بهذه المسخرة، هل كان سيسمح لميليشياوي لا يمتلك أي رصيد في النضال ولا وعي بمفهوم الدولة، ناهيك عن أي إرث ثقافي وحضاري، أن يتدخل في شؤون النوبة الداخلية؟ الإجابة تأتي مدوية "بلا" قاطعة بحجم جبال النوبة، إذ لو كان يوسف كوة حيا يرزق، لكان قد اعتبر مجرد طرح هذا الأمر خيانة عظمى تستوجب المحاكمة. إن يوسف كوة، الذي علم النوبة كيف يرفعون رؤوسهم عالية أمام طغيان الأنظمة المركزية الاستبدادية، لم يكن لينحني قيد أنملة أمام زعيم عصابة متفلتة. إن السماح للجنجويد بالتدخل في هيبان وكاودا، هو في جوهره رقص على قبر يوسف كوة، وتدنيس لتراب الآلاف من المناضلين الذين سقطوا وهم يدافعون عن هذه الأرض ضد ذات الميليشيات التي تأتي اليوم متخفية بثوب لجان الصلح. ***** دعونا نُشرّح بتجرد، هذه الآلية التي أدت القسم، تشير المعطيات بقوة إلى أن هذه اللجنة التي تقف خاشعة أمام زعيم الجنجويد، تتكون في كلها من أبناء حواضن تحمل إرثا معقدا من العداء التاريخي لشعب النوبة. إنها ذات المكونات التي لطالما نظرت إلى أرض النوبة بعين الطمع، وإلى ثرواتها الزاخرة بعين النهب، وإلى إنسانها بنظرة الاستعلاء والإقصاء منذ أن وطأت أقدامهم تلك الجبال الشامخة، فأي حياد يُرتجى من لجنة يؤدي أعضاؤها القسم أمام قائد ميليشياوي، وينتمون لخلفيات لا تعترف أصلا بالحق التاريخي للنوبة في أرضهم؟ يتبجح البيان الصادر عنهم، بالقول إن أعضاء الآلية أكدوا التزامهم بالعمل وفق الأطر القانونية والأعراف المحلية، والوقوف على مسافة واحدة من جميع المكونات، لكن السؤال هو، عن أي أطر قانونية يتحدث هؤلاء؟ لكن عن أي قوانين، هل هي قوانين الهمبتة التي تحكم ميليشياتهم، أم أعراف الغاب التي طبقوها بحذافيرها في المدن السودانية التي دخلوها؟ إن دعوى الوقوف على مسافة واحدة ليست سوى ذر للرماد في العيون، فهذه اللجنة ليست إلا حصان طروادة يُراد منه اختراق نسيج المجتمع النوبي، وتفكيك لحمته الاجتماعية، وإيجاد موطئ قدم استخباراتي وعسكري للجنجويد داخل العاصمة كاودا تحت مسوغات حل النزاع القبلي. إن تدخل الجنجويد في النزاع النوبي النوبي ليس صحوة ضمير متأخرة لمجرمي الحرب، بل هو تكتيك خبيث ومكشوف، فبعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت في محاولاتهم اليائسة للسيطرة على كل السودان، وبعد أن أصبحت قواتهم منبوذة في كل مكان، يبحث محمد حمدان دقلو بلهفة عن أي نصر سياسي زائف، وعن اختراق استراتيجي في مناطق آمنة ومستقرة نسبياً مثل كاودا. الجنجويد لا يبحثون عن السلام لمدينة هيبان، بل تشرئب أعناقهم نحو الذهب، والأراضي الزراعية الخصبة، ويسعون لتشتيت الانتباه عن هزائمهم، والأهم من ذلك محاولة إخضاع الحركة الشعبية وتدجينها عبر اختراق مكوناتها الاجتماعية. إنهم يدخلون من باب الخلافات الداخلية ليزرعوا الفتنة العميقة، فسياسة تفريق الصفوف هي العقيدة الوحيدة التي يتقنونها بامتياز، والسماح لهم بلعب دور الوسيط، هو بمثابة تسليم طوعي لمفاتيح القلعة للعدو الذي يتربص خلف الأبواب. ****** أمام هذا المنعطف الخطير، تتجلى حقيقة واحدة لا تقبل القسمة، وهي إن ما يحدث الآن من خلط للأوراق، هو فضيحة مجلجلة يجب أن تُقرع لها طبول الرفض في كل قرية، وكل واد، وكل جبل من جبال النوبة. إن مسؤولية التصدي لهذا الاختراق السافر لا تقع على عاتق جهة بعينها، بل هي أمانة في أعناق أبناء النوبة الأحرار في الجيش الشعبي، وشيوخ القبائل وحكمائها، والمثقفين، والشباب، وكل من يحمل في قلبه ذرة من كرامة وانتماء لهذه الأرض الطاهرة. يتحتم على الجميع الرفض القاطع والمطلق لأي تدخل من قبل محمد حمدان دقلو أو أي آلية تابعة له في شؤون جبال النوبة، واعتبار كل قراراتها ومساعيها باطلة ولا تُمثل إلا من شارك فيها وباع قضيته. النزاع النوبي النوبي، كأي خلاف أسري كبير، يجب أن يُحل بأيدي النوبة أنفسهم وفي داخل بيتهم، حيث تمتلك المنطقة من الحكماء والأعيان والإدارات الأهلية العريقة ما يكفي لطي صفحة أي خلاف، وتضميد أي جراح دون الحاجة المذلة لوصاية من قتلة وهمباتة الأمس واليوم. كما يجب على قواعد الحركة الشعبية والجيش الشعبي أن تضع القيادة أمام مسؤولياتها التاريخية، وتطالبها بتوضيحات شفافة حول هذا التراخي الذي سمح لمن لا دين لهم ولا أخلاق بتدنيس سيادة كاودا. إن التاريخ قاض لا يرحم، والذاكرة النوبية حية وعصية على النسيان، وإن من يقبل اليوم بأن يكون تابعا ومقادا بلجان الجنجويد، سيذكره التاريخ في أحلك صفحات الخذلان والعار. هذه الأرض ارتوت بدماء الأبطال الصادقين، ولا ينبغي لها أبداً أن تدنس بأقدام الميليشيات تحت أي ذريعة كانت، فليكن الصوت واحدا ومدويا: لا للجنجويد في أرض النوبة، وحتما وألف حتما، لا للجنجويد في كاودا العاصمة، ولتبقَ كاودا عصية، حرة، ومستقلة بقرارها، وليذهب الهمباتة ولجانهم الزائفة إلى مزبلة التاريخ التي تتسع لكل طغاة ومجرمي هذا العصر. *************** في نهاية هذا المشهد الملتبس الجبان، لا يعود السؤال الحقيقي، من سيحل نزاع مدينة هيبان، بل يصبح السؤال الأشد إلحاحا، هو، من يملك حق فتح أبواب كاودا أمام من لا يملك شرعية أخلاقية أو سياسية أو تاريخية للتدخل في شؤونها؟ إن هذا البيان الجنجويدي، ليس مجرد بيانا بروتوكوليا، ولا جلسة أداء قسم يمكن تجاوزها بالصمت أو التبرير، بل القضية تتعلق بمعنى السيادة، وبحدود القرار النوبي، وبالخط الفاصل بين المصالحة التي يصنعها أهل الأرض، والوصاية التي تتسلل إلى البيوت من نوافذ الخلافات الداخلية. قد يختلف أبناء النوبة في الرأي، وقد تتعدد قراءاتهم لمستقبل الحركة الشعبية ومسارها السياسي، وقد تتعقد النزاعات المحلية وتتشابك مصالحها، لكن اختلافهم لا يمنح أي قوة مسلحة أو سياسية غريبة، حق التحول إلى حكم ووسيط وراع في آن واحد، فالسلام الذي يُفرض من خارج المجتمع ليس سلاما، بل ترتيب مؤقت للهيمنة، والوساطة التي تبدأ بأداء قسم أمام قائد همباتي، لا يمكن أن تدّعي الحياد على الإطلاق، واللجنة التي تدخل من بوابة الانقسام قد تخرج منها وهي تحمل مفاتيح البيت كله. إن كاودا ليست مساحةً سائبة في خريطة النفوذ، وليست جائزةً سياسية تبحث عنها القوى المتنازعة، وليست مختبرا لتجريب تحالفات الحرب على حساب كرامة السكان. إنها ذاكرة مقاومة، وعنوان صمود، وموضع تضحيات لا يجوز تحويله إلى منصة علاقات عامة لمن يبحث عن شرعية مفقودة أو انتصار رمزي بعد عجزه عن فرض مشروعه بالقوة، ومن يظن أن أبناء النوبة يمكن استدراجهم إلى قبول الوصاية عبر شعارات المصالحة، يسيء قراءة شعب خبر طويلا معنى أن تُرفع الكلمات الجميلة فوق سياسات الإقصاء والنهب والتغول. لكن رفض التدخل الخارجي لا يعني إنكار الخلافات الداخلية، ولا يبرر إسكات الأصوات المختلفة، ولا يحوّل القيادة إلى كيان فوق النقد، على العكس، فإن حماية كاودا تبدأ بمكاشفة صريحة داخل الحركة، وبإعلان واضح لا يحتمل التأويل حول حقيقة ما جرى، والجهة التي سمحت به، والحدود التي تقف عندها أي آلية للصلح، فالصمت، في لحظة كهذه، لا يبدو حيادا، بل قد يُقرأ قبولا، وربما تفويضا، وربما عجزا عن حماية القرار، لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد لجنة أو بيان، بل ضد عقلية ترى في شعب النوبة فراغا قابلاً للاحتلال السياسي، وفي خلافاتهم جسرا للنفاذ إلى أرضهم، وعلى أبناء النوبة أن يرفضوا أن يكونوا وقودا لمشروعات الآخرين، وأن يجعلوا من خلافاتهم شأنا داخليا تُدار معالجته بالشفافية والعدل والحكمة، لا بالاستقواء على بعضهم بعضا. كاودا لا تحتاج أوصياء، بل تحتاج قيادةً شجاعة، ومؤسسات واضحة، ومجتمعا يقظا، وقرارا لا يُستعار من أحد، ومن أراد السلام فليأتِ بلا أجندة، ومن أراد الوساطة فليبدأ باحترام أصحاب الأرض، ومن أراد مدخلا إلى كاودا، فليعلم أن أبوابها لا تُفتح لمن يحمل راية الخلاص بيد، ومفاتيح الهيمنة باليد الأخرى، فالكرامة ليست بنداً تفاوضيا، والسيادة ليست منحة، وكاودا مهما اشتدت عليها العواصف ليست للبيع.
|
|