هل تكفي «التوفيقية والتلفيقية» لاختبار فكر محمود محمد طه؟#زهير عثمان

هل تكفي «التوفيقية والتلفيقية» لاختبار فكر محمود محمد طه؟#زهير عثمان


09-08-2026, 08:04 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788894249&rn=0


Post: #1
Title: هل تكفي «التوفيقية والتلفيقية» لاختبار فكر محمود محمد طه؟#زهير عثمان
Author: زهير ابو الزهراء
Date: 09-08-2026, 08:04 PM

08:04 PM September, 08 2026

سودانيز اون لاين
زهير ابو الزهراء-السودان
مكتبتى
رابط مختصر



المقال الثالث في سلسلة قراءة نقدية لطرح الدكتور عبدالله الفكي البشير


في المقال السابق، حاولنا التمييز بين الحكم التقريري والقراءة النقدية، وقلنا إن المشكلة في دراسة المفكرين لا تكمن دائماً في الاختلاف معهم، وإنما في الطريقة التي نصل بها إلى هذا الاختلاف. فالحكم الذي لا يمر عبر النصوص والمفاهيم والسياقات قد يكون موقفاً مشروعاً، لكنه لا يصبح برهاناً لمجرد أنه صيغ بلغة حاسمة.

في هذا المقال ننتقل من المنهج إلى التطبيق, ومن بين الأوصاف التي استُخدمت في تناول فكر محمود محمد طه وصفه بأنه طغت عليه (النزعة التوفيقية والتلفيقية) ,  وليس المقصود هنا إعادة محاكمة هذا الحكم بمعيار الإعجاب أو الرفض، وإنما طرح سؤال أكثر تحديداً- هل يكفي هذا الوصف، في ذاته، لاختبار مشروع فكري مركب مثل مشروع محمود محمد طه؟ , السؤال مهم لأن الكلمات التي نصف بها الأفكار ليست بريئة دائماً من الافتراضات. فحين نصف تركيباً فكرياً بأنه «تلفيق»، فنحن لا نصف مجرد عملية جمع بين , عناصر مختلفة، بل نفترض ضمنياً أن هذه العناصر جُمعت من غير وحدة نظرية كافية، أو أن الروابط التي أقيمت بينها ضعيفة أو مصطنعة. ومن ثم فإن «التلفيق» لا ينبغي أن يكون نهاية البرهان، بل موضوعاً للبرهان نفسه.

من التسمية إلى التبرير

حين يقول الباحث إن مشروعاً ما «توفيقي»، فإنه مطالب بتحديد عناصر هذا التوفيق: بين ماذا وماذا؟ وكيف جرى الجمع؟ وما المقدمات التي جعلت هذا الجمع ممكناً؟

وحين يستخدم وصف «التلفيق»، يصبح السؤال أكثر صرامة: أين يقع التلفيق تحديداً؟ وما طبيعة التناقض بين العناصر التي جُمعت؟ وهل أثبت الباحث أن العلاقة بينها غير منطقية أو غير منسجمة، أم اكتفى بافتراض ذلك؟

هذه ليست شكليات أكاديمية. فالتاريخ الفكري نفسه يقوم في جانب كبير منه على التفاعل مع أفكار سابقة، وعلى إعادة ترتيب المفاهيم وتوسيعها ونقلها من سياق إلى آخر. والمفكر لا يبدأ من الصفر، كما أن الأصالة لا تعني أن ينتج الإنسان أفكاره من فراغ

الأصالة يمكن أن تكون في السؤال الجديد، أو في طريقة بناء العلاقة بين مفاهيم قديمة، أو في إعادة تعريف مشكلة ظلت قائمة دون حل , ولهذا فإن مجرد وجود عناصر متعددة في مشروع فكري لا يثبت أنه «توفيقي»، ومجرد الجمع بين مفاهيم ذات أصول مختلفة لا يثبت أنه «تلفيقي» , الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نسأل- هل أنتج هذا الجمع بناءً فكرياً قابلاً للفحص؟

الديمقراطية والاشتراكية- نموذج للاختبار

يمكن اختبار المسألة بصورة أكثر وضوحاً في موقف محمود محمد طه من الديمقراطية والاشتراكية , ففي نص له يعود إلى عام 1964، يربط طه بين الديمقراطية والاشتراكية ربطاً لا يقدمهما فيه بوصفهما تقنيتين سياسيتين منفصلتين، وإنما باعتبارهما عنصرين متلازمين في تكوين المجتمع الحر. ويرفض، في هذا السياق، تصور الديمقراطية منفصلة عن العدالة الاجتماعية، كما يرفض الاشتراكية إذا طُبقت في ظل الاستبداد , يمكن بالتأكيد الاعتراض على هذا التصور من مداخل فلسفية واقتصادية وسياسية متعددة  ويمكن مساءلة مفهوم الديمقراطية الذي استخدمه طه، ومقارنته بالديمقراطية الليبرالية، أو بالاشتراكية الديمقراطية، أو بالنماذج السياسية التي نشأت في القرن العشرين , لكن الاعتراض شيء، والقول إن الديمقراطية عنده مجرد «استعارة» من الحضارة الغربية شيء آخر, حتى نثبت الاستعارة أو النقل، نحتاج إلى دراسة مفهوم الديمقراطية عند طه، ومصادره التي استند إليها، وطريقة إعادة صياغته داخل رؤيته الإسلامية. أما الاكتفاء بتشابه المصطلح فلا يرقى إلى هذا المستوى من الإثبات , وهنا تكتسب قراءة توماس شميدينغر أهمية منهجية، ليس لأنه يملك الكلمة النهائية في تفسير طه، وإنما لأنه تعامل مع الديمقراطية والاشتراكية باعتبارهما جزءاً من شبكة مفاهيم داخل المشروع , و فقد تتبع علاقتهما بمفهوم الرسالتين، وبالأسس الأخلاقية والسياسية لفكر طه، ثم وضع المشروع في أفق أوسع ربطه بما سماه لاهوت التحرر , وهنا يظهر الفرق بين الوصف والتحليل , الوصف يقول- طه اشتراكي وديمقراطي , أما التحليل فيسأل- ماذا يعني طه بالاشتراكية؟ ماذا يعني بالديمقراطية؟ ولماذا ربط بينهما؟ وكيف أدخلهما في بنيته الفكرية؟

والسؤال الثاني هو الذي ينتج معرفة قابلة للنقاش , «الرسالة الثانية»- هل نحن أمام مزج أم أمام نظرية؟ , تزداد المسألة أهمية حين نصل إلى مفهوم «الرسالة الثانية من الإسلام»

من الممكن أن يرفض الباحث نظرية طه في الرسالتين، وأن يرى في تمييزه بين المكي والمدني إشكالاً تاريخياً أو أصولياً أو تشريعياً. لكن رفض النظرية يحتاج إلى الدخول في آلياتها الداخلية: كيف يفسر طه العلاقة بين المرحلتين؟ ما معيار التمييز بين النص التاريخي والنص الذي يحمل قيمة تشريعية أوسع؟ كيف يتعامل مع النسخ؟ وما موقع السنة في عملية إعادة بناء التشريع؟

هذه هي الأسئلة التي تسمح لنا باختبار النظرية , أما أن نقول إن طه حاول «توفيق» الإسلام مع الحداثة ثم نعتبر هذا الوصف دليلاً على خطأ النظرية، فإننا نكون قد أقمنا النتيجة على مقدمتها , وهذا بالضبط ما يجب أن تتجاوزه القراءة النقدية.

فالقول إن مشروعاً ما «توفيقي» قد يكون وصفاً له؛ لكنه لا يصبح نقداً له إلا إذا أُثبت أن التوفيق أفسد البناء النظري أو أدى إلى تناقضات لا يمكن حلها , وهذا فرق بالغ الأهمية بين وصف طبيعة المشروع وإثبات ضعفه , المشكلة في كلمة «التلفيق»

قد تبدو كلمة «التلفيق» في ظاهرها أكثر حسماً من كلمة «التوفيق»، لكنها في الحقيقة تحتاج إلى برهان أكبر , فإذا أخذنا المعنى المنهجي للمصطلح، فإن التلفيق يفترض أن عناصر مختلفة جرى ضمها من غير رابط نظري حقيقي. وعليه لا يستطيع الباحث أن يثبت التلفيق بمجرد عرض قائمتين من المفاهيم: إسلام، ديمقراطية، اشتراكية، حرية، تصوف، حداثة

السؤال ليس- هل توجد هذه المفاهيم معاً؟

السؤال هو- ما العلاقة التي أقامها المشروع بينها؟

قد تفشل هذه العلاقة، وقد تنجح جزئياً، وقد تنتج تركيباً جديداً رغم بقاء نقاط ضعف داخله , و لكن كل احتمال من هذه الاحتمالات يحتاج إلى قراءة وليس إلى تصنيف مسبق , ولهذا فإن استخدام مصطلح «التلفيق» بوصفه حكماً نهائياً يختصر خطوة كاملة كان ينبغي أن تكون هي موضوع البحث , التجربة الروحية: من المعرفة الذاتية إلى الحجة العامة , ويظهر الأمر نفسه عند تناول البعد الصوفي في مشروع طه.

يمكن للناقد أن يسأل سؤالاً قوياً: كيف تنتقل التجربة الروحية الخاصة من مجال المعرفة الذاتية إلى مجال الحجة العامة؟ وما الوسائط التي تجعل استنتاجاً نابعاً من تجربة باطنية قابلاً للمناقشة من شخص لم يشارك صاحب التجربة فيها؟ , هذا سؤال معرفي مشروع، بل ضروري

لكن الإجابة عنه لا تكون بإسقاط التجربة الروحية من حساب الفكر، وإنما بتحليل الطريقة التي وظف بها طه هذه التجربة في بناء حجته- ما الذي يبقى فيها تجربة شخصية؟ وما الذي يتحول إلى مفهوم؟ وما الذي يتحول بعد ذلك إلى حكم تشريعي أو اجتماعي أو سياسي؟

هنا تحديداً يصبح النقد أكثر قوة، لأنه يختبر مسار إنتاج المعرفة داخل المشروع بدلاً من الاكتفاء برفض مصدر من مصادرها

ماذا تفعل الشهادات المختلفة؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن وجود شهادات مختلفة حول طه يخلق معركة بين مؤيدين وخصوم. لكن القراءة الأجدى هي أن نستخدم هذا الاختلاف لاختيار أدوات اختبار أفضل

ففي مقابل الحكم الذي يصف مشروع طه بالتوفيقية والتلفيقية، هناك قراءات بحثت في بنيته الداخلية ورأت فيه محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الإسلام والحرية والديمقراطية والتغيير الاجتماعي. وقد ذهبت قراءات أخرى إلى ربط مشروعه بالتجديد الديني وبأفق تحرري أوسع

أما كورنيل وست، فقد قرأ كتابات طه في سياق إعادة التفكير في مستقبل الإسلام وعلاقته بالديمقراطية، ووضع مشروعه ضمن محاولات بناء رؤية ديمقراطية جديدة في العالم الإسلامي , لكن لا ينبغي أن نستبدل حكماً بحكم

فوجود ناقد يرى في المشروع «توفيقية» لا يثبت ذلك، كما أن وجود مفكر آخر يراه «ثوريّاً وثرياً» لا يثبت عكسه. قيمة هذه القراءات أنها تفتح أمامنا أسئلة مختلفة يمكن العودة بها إلى النص الأصلي, وهذا هو الاستخدام الصحيح للشهادات الفكرية: أن تساعدنا في فتح النص، لا أن تغلقه , مفارقة سمير أمين , ربما تكشف حالة سمير أمين هذه المسألة بأوضح صورة , ففي المادة التي تناولت طه، يظهر حكم نقدي على فكره بوصفه مشبعاً بالنزعة التوفيقية والتلفيقية. لكن أمين، في الوقت نفسه، لم يتعامل مع مشروع طه باعتباره مادة لا تستحق الدراسة؛ بل ارتبط بتقديم الترجمة الفرنسية لكتاب «الرسالة الثانية من الإسلام»، وطرح في مقدمته سؤالاً عن إمكان ظهور «لاهوت تحرير إسلامي»، كما وضع محاولة طه في سياق التجديد الإسلامي والقطيعة مع المحافظة الدينية

هذه المفارقة لا تعني أن أمين ناقض نفسه، ولا أنها تثبت صحة مشروع طه. وإنما تكشف شيئاً أكثر أهمية: يمكن للمفكر أن يختلف مع مشروع وأن يعترف في الوقت نفسه بأهميته الفكرية, وهذه قاعدة ينبغي أن نستعيدها في ثقافتنا النقدية.

فالاعتراف بأهمية السؤال الذي يطرحه المفكر لا يلزمنا بالقبول بجميع إجاباته، كما أن نقد بعض إجاباته لا يبيح لنا اختزال مشروعه كله في صفة واحدة , من نقد طه إلى نقد طريقة قراءته , ومن هنا يتضح أن القضية التي نناقشها ليست في النهاية مجرد دفاع عن محمود محمد طه , قد يكون في مشروعه ما يستحق النقد، وقد توجد في نظريته نقاط ضعف حقيقية، وقد يفشل بعض استدلاله في الانتقال من المقدمة إلى النتيجة. لكن اكتشاف ذلك يحتاج إلى عمل أكثر صعوبة من إطلاق صفة , نحتاج إلى النص , نحتاج إلى تحديد المفهوم , نحتاج إلى معرفة السياق , نحتاج إلى تتبع المقدمات. , ثم نحتاج إلى الوصول إلى النتيجة التي تبرر الحكم , عندها فقط تصبح كلمة «التوفيقية» أو «التلفيقية» نتيجةً لعملية نقدية، لا بديلاً عنها _ هل تكفي «التوفيقية والتلفيقية»؟ _ الإجابة، في تقديري، هي- لا , لا تكفي لأنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: كيف بُني المشروع؟ وهل نجح البناء أم أخفق؟ , وقد يكون من الممكن في نهاية دراسة طويلة أن نصل بالفعل إلى أن بعض عناصر المشروع توفيقية، أو أن بعض علاقاته الداخلية لم تنجح في تجاوز التناقض. لكن هذه ستكون نتيجة بحثية وليست نقطة انطلاق , وهنا أعود إلى السؤال الذي وضعناه في المقال السابق- هل يسمح النقد للنص بأن يغير موقفنا؟ , هذه هي المحك الحقيقي , فإذا دخلنا إلى نصوص محمود محمد طه ونحن نعرف مسبقاً أنه «توفيقي وتلفيقي»، فلن نقرأ النص إلا بحثاً عما يثبت حكمنا , أما إذا دخلنا إليها باعتبارنا لا نعرف بعد ما إذا كان هذا الحكم صحيحاً، فإننا نمنح النص فرصة أن يقودنا إلى نتيجة قد تؤيد الحكم، أو تعدله، أو ترفضه , وهذه هي روح البحث , وهنا - الاختلاف يحتاج إلى برهان - ليس المطلوب أن نتفق مع محمود محمد طه , ولا المطلوب أن نبرئ مشروعه من النقد - وليس المطلوب كذلك أن نعتبر كل قراءة خارجية له أكثر صحة من القراءات السودانية , المطلوب أبسط وأكثر صعوبة في الوقت نفسه- أن نقرأه كما نقرأ أي مفكر آخر، بالنص، والسياق، والمفهوم، والحجة , فإن وجدنا تناقضاً، سميناه تناقضاً وأثبتناه , وإن وجدنا استعارة، تتبعنا مصدرها وأثبتناها- وإن وجدنا تركيباً ناجحاً، اعترفنا بذلك حتى لو كنا نختلف مع نتائجه , أما أن نستخدم كلمة «تلفيق» لإثبات التلفيق، أو «توفيق» لإثبات ضعف التوفيق، فذلك يعيدنا إلى النقطة التي بدأنا منها- الحكم الذي لا يحمل برهانه معه ليس نقداً، بل نتيجة تنتظر البرهنة عليها , وربما تكون هذه هي الفائدة الأهم من الجدل حول محمود محمد طه: أن نعيد اكتشاف أخلاق الاختلاف الفكري في السودان , أن نختلف دون أن نختزل.

أن ننقد دون أن نشيطن , وأن نترك للنص فرصة أخيرة ليفاجئنا - فالاختلاف مع محمود محمد طه حق فكري، لكن امتلاك البرهان هو الذي يجعل اختلافنا نقداً، لا مجرد حكم.