Post: #1
Title: توثيق أسباب نكسة جماعة مسرح السودان الواحد كتبه يوسف أرسطو
Author: يوسف ارسطو
Date: 09-08-2026, 00:31 AM
00:31 AM September, 07 2026 سودانيز اون لاين يوسف ارسطو-السودان مكتبتى رابط مختصر
يمكن تلخيص جملة قولنا في هذا المقال في: التباين بين طموح التأسيس وضغوط الواقع ودافعية العضوية. 1. النشوء الطلابي، ضغوط المعاش، واستحقاق الإعداد البنيوي بدأت "جماعة مسرح السودان الواحد" كحراك فكري وإبداعي تشكّل في أوساط الطلاب؛ وهو ما جعل العضوية في جيلها الأول في حاجة ماسة وأولية لتطوير أدواتها الإبداعية وقدراتها البحثية الخاصة، قبل القدرة على النهوض بعبء "إعادة تأسيس الدراما السودانية". ورغم النجاح اللامع الذي حققته الورشة الأولى — نظراً للاستعانة بخريجين لتقديم الدراسات النظرية، وتقديم تجربة مختلفة حملت الكثير من الأمل عبر عروض تجريبية مدهشة على مستوى الأداء بالمركز الثقافي الفرنسي فيما أسميناه ورشة "استنطاق جسد الممثل" (التمثيل الصامت والرقص) خلال الفترة من 4 إلى 14 أبريل 2004م، والتي تكللت بعرض خلاصة تلك التجارب في 26 سبتمبر 2004م على مسرح المركز نفسه — إلا أن الواقع المعيشي القاسي سرعان ما فرض أحكامه: التسرب الاضطراري تحت ضغط الواقع: طفح التحدي المعيشي على السطح، وابتعد نصف الممثلين ليس عزوفاً عن المسرح ولا زهداً في الفكرة، بل تحت وطأة ضغوط الحياة وانعدام العائد المادي من العمل المسرحي؛ في ظل دولة لا تشجع ولا تدعم الفنون والإبداع إلا بقدر ما تُدغدغ به مشاعر الجمهور وتنتزع تصفيقه، محاصِرةً المبدع بين نارين: إما العطاء في ظل العدم، أو الانزواء والابتعاد النهائي عن المشهد. لقد أُجبر المبدعون على التخلي عن التمثيل الجاد الذي يتطلب البحث والتنقيب؛ حيث اتجه نفر من المؤسسين لدراسة التمريض والالتحاق بمهنة تسد الرمق قبل أن يهاجروا بشهاداتهم الصحية، بينما اضطر آخرون لدخول "السوق" وتوفير لقمة العيش، بعد أن أصبحت أسرهم — التي أنفقت على تعليمهم — في حاجة ماسة لدعمهم لمواجهة متطلبات المعيشة والمساهمة في تعليم إخوانهم والأخذ بأيديهم، خاصة مع عجز الجماعة عن توفير نثريات التدريب والبروفات والبحوث. استنزاف الجهد النظري وتسرب النقاد: نظراً لأن الجماعة تراهن بالأساس على العلم والمعرفة، فقد عملت للتعامل مع هذا التحدي على استعراض عشرات الكتب والوقوف على عوامل نجاح التجارب الرائدة ومواجهة مصاعبها للوصول إلى التمازج المنشود. هذا الطرح النظري أثرى تجارب الجماعة وجذب الكثير من طلبة قسم النقد الذين وجدوا فيها فضاءً كثيفاً لتطوير إمكاناتهم النقدية، غير أن الكثير منهم غادر الجماعة بمجرد امتلاك الأدوات ليمارس المنافسة في فضاءات أخرى ذات عوائد مادية أكبر. 2. التضييق السلطوي وتجاذب الحواضن السياسية لم تكن التجربة بمعزل عن الاستقطاب والتضييق السياسي والمؤسسي الذي يحيط بالعمل الفني ذي الطابع التجديدي في السودان: المحاربة بسبب التصنيف والمقر: لأن معظم الجهود التجديدية تخرج من رحم اليسار الذي يملك الإلهام والمساندة المعنوية دون التمويل — وهو ما قد يكون زاداً خيراً ومنبعاً معيناً — ولأن الجماعة تأسست وانطلقت من المركز الثقافي الفرنسي وتأثرت بالورش والعروض الأجنبية المتقدمة، كان ذلك كافياً لتصنيفها من قبل جهات سلطوية وتكبيلها بمختلف الطرق والوسائل. حتى إن أحد الأساتذة بكلية الموسيقى والدراما واجهني وقتها أمام جموع من الطلاب باحتجاج صريح، مدّعياً أنني "عضو في الحزب الشيوعي الفرنسي"، وإلا لما فُتحت لي أبواب المركز الفرنسي لتقديم العروض وتصميم الورش! استقطاب الحواضن السياسية: حتى الحواضن السياسية الموالية لخط التغيير — وهي كثيرة — لم تكن محايدة تماماً؛ إذ مارست التنازع والتجاذب لسحب الكوادر التي استطاعت الوقوف على قدميها واكتسبت استقلاليتها وقدراتها القيادية، وذلك للاستفادة منها في ميادينها الخاصة ولتقود المشهد وفق موجّهاتها ورؤاها الحزبية (وإن كان لا غضاضة في ذلك من منظورهم). ومع ذلك، لا تعتبر الجماعة هؤلاء الكوادر خسارة دائمة، وتجزم بأنهم سيعودون يوماً بعد أن يدركوا أن الجماعة هي رافعتهم الفكرية والإبداعية الأولى. 3. ظاهرة "الانتماء المصلحي" واستغلال الموارد تمثلت إحدى العقبات الهيكلية في عدم استيعاب أو تبني غالبية المنتسبين للفكرة الجوهرية للجماعة ولرؤيتها التأسيسية الشاملة. وبدلاً من أن يكون الانتماء إيماناً بالمشروع الجماعي والتدافع فيه، تحولت الجماعة في نظر الكثيرين إلى "بيئة خدمية وتدريبية": الانتفاع الذاتي: دخل العديد من الأعضاء للاستفادة الشخصية (سواء لتطوير مهارات التمثيل، أو الكتابة، أو اختبار أعمالهم الخاصة). استنزاف الموارد دون مقابل تنظيمي: ووِفق التوصيف الاقتصادي، فقد وفرت الجماعة منصات مجانية للتدريب، وإجراء البحوث، واختبار الأداء الميداني، فاستغلها المنتسبون كمحطة لتطوير الذات ثم المغادرة دون تقديم المقابل الفكري والتنظيمي الذي يضمن استدامة الجماعة. 4. اختلال التوازن بين التلقي والعطاء والتحول نحو الأطفال تحولت العلاقة بين الجماعة وعضويتها إلى علاقة من طرف واحد: جماعة تُعطي وتُدرّب وتوفر الفضاء، وعضوية تستهلك هذه الفرص لتلبية تطلعاتها الفردية ثم تغادر. هذا الخلل أدى إلى إرهاق القائمين على المشروع (القلة المفكرة والمنفذة) وأحدث فراغاً كبيراً. ولسد هذه الفجوة الهيكلية، ولتجاوز إشكال التوفر على ممثلين يمتلكون قدرات جسدية عالية وأدوات نظرية متجاوزة لحرق المراحل، اتجهت الجماعة إلى تكثيف العمل مع الأطفال والناشئة. ورغم أن تجربتنا في مسرح الأطفال كانت سابقة لتأسيس الجماعة وتبلور رؤيتها، إلا أن تكثيف هذا التوجه داخل مشروع الجماعة كان بمثابة استجابة واعية لسد الفجوة التنظيمية، وإعادة بناء جيل جديد يتربى على فكر الجماعة وأدواتها منذ البداية ليكون تعويضاً حقيقياً يحقق استدامة المشروع. 5. الصراع الأيديولوجي، الانشقاقات، وسياق التشرذم العام ولدت الجماعة في حمم بركانية من الصراعات المحتدمة بين الأيديولوجيا التي تحاول تثبيت السلطة القائمة، واليوتوبيا التي تغذي رؤى التجديد ناشدة التغيير. ولقد سعت الجماعة لتمكين عضويتها من امتلاك مسارات نقدية خاصة تُبعدها عن الانجراف الأيديولوجي، والمحافظة على مسافة واحدة من الجميع لتبني نفسها وفق شروط العلم واشتراطات البحث غير الموجَّه إلا لخدمة الإنسانية والمجتمع والوطن؛ مما جعل الجماعة وعضويتها محل تنازع مستمر، ومبعثاً لتهشيم كل عنصر ضعيف وواهن فيها. كما أن الانشقاقات والتحرشات الهيكلية نهشت جسد الجماعة حتى أضحت كيانين في فترة ما؛ فظهرت "الطليعة المسرحية" إلى جانب "الجماعة"، وكان جل أعضائهما ينتمون للأصل. ورغم أن الجماعة بررت ذلك حينها من باب "توسيع الماعون"، إلا أنه كان شكلاً من أشكال التشرذم والتفتيت الذي ساهم في تشتيت الجهود وإرباك مسار الجماعة لفترة من الزمن. ومع ذلك، فنحن نعتقد أن هذا التفرد حق مشروع؛ فمن حق كل من امتلك الأدوات أن يبرز ما يميزه، وإن كان الأفضل لو صُبّ ذلك التدفق داخل التجربة وباسمها. لقد استوعبت الجماعة أن إعادة التأسيس قد تتطلب رفد المشهد بالمدربين والممارسين، وفي هذا السعي الذي استمر لسنوات، برز خمسة من أعضاء الجماعة كأهم النقاد في المشهد الثقافي؛ وهم ممن تدربوا طويلاً في تجربتنا وكانوا من المؤسسين، وهو ما يصب في جوهر أهداف الجماعة برفد الساحة بكوادر مقتدرة. بل إن من صمد وبرز منهم هم من مُنحوا مساحات أكبر داخل الجماعة، ورغم أن طابع انتماءاتهم الجديدة كان ذا بعد احتياجي ومادي فرضته ظروفهم الحياتية، إلا أن أثرهم ظل ممتداً، حتى إن بعضهم أسس مراكز بحثية بأسماء مستقلة ذات أغراض مشابهة. ولعل عدم تسجيل الجماعة رسمياً كان من العوامل المشجعة على ذلك، وهو أمر نرجعه إلى أن عضوية الجماعة كانت مفتوحة لكل راغب في الإضافة والتأثير. إن ما حدث للجماعة هو جزء من سنن الحياة وسياقها العام في السودان؛ إذ تمثل الانشقاقات والتقسيمات سمة بارزة في معظم مؤسساتنا ومنظماتنا، حتى الأحزاب الكبيرة انقسمت إلى عدة كيانات تحت وطأة هذه العوامل. ولعلنا نحتاج إلى دراسة عميقة لاستيعاب ظاهرة التشرذم والتفتت هذه رغم الاتفاق على الرؤى الكلية. خلاصة التوثيق إن نكسة التجربة لم تكن بسبب عجز في الفكرة أو ضعف في الرؤية النظرية، بل كانت نتاج تضافر الضغوط المعيشية الحادة التي دفعت المبدعين لنشاطات أخرى، والتضييق السلطوي والتجاذب السياسي، إلى جانب الانتماء المصلحي الذي جعل من الجماعة محطة للتزود بالمهارات الفردية بدلاً من اعتبارها مشروعاً تجديدياً مستداماً. لكن الأهم اليوم هو أن الجماعة قد بدأت في تجميع أطرافها وتلملم جراحها، وتتحوط للمضي قدماً في مشروعها؛ وهو مشروع كل حادب وناظر لوطن رؤوم، يكسوه الجمال والخير، ويحرسه العدل.
|
|