2-2- القوى المدنية بين حوار البرهان والموقف الخجول من تحالف تأسيس من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال "أي

2-2- القوى المدنية بين حوار البرهان والموقف الخجول من تحالف تأسيس من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال "أي


09-07-2026, 08:54 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788810937&rn=0


Post: #1
Title: 2-2- القوى المدنية بين حوار البرهان والموقف الخجول من تحالف تأسيس من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال "أي
Author: خالد كودي
Date: 09-07-2026, 08:54 PM

08:54 PM September, 07 2026

سودانيز اون لاين
خالد كودي-USA
مكتبتى
رابط مختصر




2-2- القوى المدنية بين حوار البرهان والموقف الخجول من تحالف تأسيس
من سؤال "من يحكم؟" إلى سؤال "أي دولة"؟

7/9/2026 خالد كودي، بوسطن

أزمة القوى المدنية: علاقات واسعة بلا مشروع سياسي متكامل:
قد تملك قطاعات من القوى المدنية المعارضة للبرهان موارد سياسية معتبرة: كوادر متعلمة، وخبرات مهنية وسياسية، وشبكات إعلامية، وحضوراً في منظمات المجتمع المدني، وعلاقات واسعة بالمجتمع الدولي والمانحين والمؤسسات الإقليمية والدولية. وهذه موارد مهمة، لكنها لا تعوض محدودية القواعد الاجتماعية المنظمة وضعف القدرة على التعبئة والفعل داخل السودان.
وهنا يكمن أحد أوهام المرحلة: الاعتقاد بأن العلاقات الدولية والاعتراف الخارجي يمكن أن يتحولا تلقائياً إلى قوة سياسية في الداخل. فالمجتمع الدولي يستطيع فتح المنابر، وتسهيل التفاوض، وممارسة الضغط، لكنه لا يستطيع أن يصنع لحزب قاعدة اجتماعية لا يمتلكها، أو أن يمنح تحالفاً قدرة على فرض رؤية لا تسندها قوة اجتماعية وتنظيمية فاعلة.
وهذا ينسجم مع ماكس فيبر الذي يربط السياسة بالقدرة المنظمة على تحويل الإرادة إلى فعل، ومع أنطونيو غرامشي
الذي يرى أن النفوذ المستدام يحتاج إلى بناء كتلة اجتماعية قادرة على إنتاج التنظيم والقبول. لكن مأزق هذه القوى أعمق من ضعف أدواتها التنظيمية؛ إذ إن كثيراً منها لا يقدم حتى الآن مشروعاً سياسياً متكاملاً للدولة يتناسب مع عمق الأزمة السودانية.
وتكشف تجربة صمود وقبلها تقدم، وقوى إعلان المبادئ، والقوى المناهضة للحرب، والكثير من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشبكات النسوية والشبابية، هذا المأزق. فقد أنتجت اجتماعات ومشاورات ووثائق متعددة، وامتلكت حضوراً ملحوظاً في المنابر الإقليمية والدولية، لكنها لم تحسم السؤال المركزي: ما الدولة التي تريد بناءها، وما مشروعها السياسي في مواجهة المشاريع الأخرى المتبلورة على الأرض وذات التاثير؟
فالوقوف ضد الحرب موقف أخلاقي وسياسي ضروري، لكنه ليس مشروعاً للدولة. والمطالبة بالحكم المدني لا تجيب، بذاتها، عن قضايا العلمانية، والمواطنة المتساوية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والأرض والثروة، وطبيعة الجيش والأجهزة الأمنية، وإعادة توزيع السلطة والموارد، والضمانات الدستورية للمجتمعات المهمشة تاريخياً.
وهنا تتضاعف الأزمة: ضعف نسبي في القاعدة الاجتماعية المنظمة يقابله غياب أو غموض في المشروع السياسي التأسيسي. ولذلك ستجد هذه القوى نفسها، مع تبلور المشاريع المتنافسة، مضطرة إلى الانتقال من تعريف نفسها بما ترفضه — الحرب والعسكر والإسلاميين — إلى تحديد ما الذي تريد تأسيسه، وعلى أي مبادئ، وبأي مؤسسات.

وماذا عن "قوى التغيير الجذري"؟
حتى القوى التي تصف نفسها بـ"التغيير الجذري" ليست خارج هذه المعضلة. فالتسمية وحدها لا تجعل المشروع جذرياً؛ إذ يبقى السؤال: أين تقع الجذرية، وما الذي تسعى إلى تغييره؟
هل تعني تغيير الحكومة أو الطبقة التي تدير الدولة القائمة، أم تمتد إلى إعادة تأسيس الدولة نفسها: هويتها ومركزيتها، وعلاقة الدين بالدولة، وتوزيع السلطة والأرض والموارد، والعلاقة بين المركز والمجتمعات المهمشة، وطبيعة الجيش والأجهزة الأمنية؟
وهنا تظهر مفارقة مهمة: يمكن لليسار أن يكون جذرياً في قضايا السلطة والاقتصاد والطبقات، لكنه في السودان، يظل محافظاً في تصوره للدولة والمسألة القومية وعلاقة المركز بالهامش. وهذا قريب مما حذر منه فانون: أن تتبنى النخب الوطنية لغة التحرر، بينما ترث مؤسسات الدولة الاستعمارية ومنطقها المركزي بدلاً من إعادة بنائها.
لذلك لا يُقاس "التغيير الجذري" بحدة الخطاب، بل بمدى استعداده لمساءلة بنية السودان القديم نفسها وتفكيك علاقات الامتياز التي أعادت إنتاجها.

المشكلة ليست أن تختار القوى المدنية تحالف "تأسيس"
ليس المطلوب من القوى المدنية أن تنضم تنظيمياً إلى "تأسيس"، ولا أن تتخلى عن نقد الدعم السريع أو أي قوة مسلحة داخله. كما أن تبني مشروع السودان الجديد لا يمنح أي طرف حصانة من المساءلة عن الانتهاكات. فالمحاسبة يجب أن تظل مبدأً ثابتاً لا يتغير بتغير التحالفات.
المطلوب أكثر عمقاً: أن تحدد هذه القوى موقفها من المشاريع المطروحة للدولة، قضيةً قضيةً...
ما موقفها من العلمانية؟ ومن المواطنة المتساوية باعتبارها حقاً لا منحة من الأغلبية؟ ومن اللامركزية وإعادة توزيع السلطة والموارد؟ ومن العدالة التاريخية؟ ومن إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتأسيس جيش قومي مهني جديد بدلاً من الاكتفاء بإصلاح البنية القائمة؟ ومن المحاسبة بلا استثناء؟ ومن حق تقرير المصير بوصفه ضمانة أخيرة، في مشروع السودان الجديد، إذا فشل العقد الوطني في حماية المساواة؟
يمكن لقوة مدنية أن تتفق مع "تأسيس" في العلمانية وتختلف معه في ترتيبات الحكم، أو تتفق معه في بناء الجيش الجديد وتختلف في تقرير المصير، أو تقدم مشروعاً ثالثاً متكاملاً. لكن ما يصعب الدفاع عنه هو الوقوف خارج جميع المشاريع، ثم المطالبة في الوقت نفسه بحق قيادة العملية السياسية باسم "القوى المدنية".

من "مدني وعسكري" إلى "قديم وجديد":
هذه هي النقلة التي لم تستوعبها بعد قطاعات من النخب، احزابها وكياناتها المدنية. فالاستقطاب الذي حكم مرحلة ما بعد انتفاضة ديسمبر بُني بدرجة كبيرة على ثنائية: مدني في مواجهة عسكري.
أما الصراع الذي يتشكل اليوم فيدفع إلى سؤال مختلف: أي دولة في مواجهة أي دولة؟
وهذا تحول بالغ الأهمية. فالمدني قد يكون أكثر محافظة على بنية السودان القديم من عسكري، والمسلح قد يحمل مشروعاً دستورياً أكثر جذرية من حزب مدني. وفي المقابل، لا يجعل حمل السلاح أي مشروع تقدمياً أو ديمقراطياً، تماماً كما لا تجعل الملابس المدنية صاحبها ديمقراطياً. المعيار الحقيقي هو المشروع الذي يحمله الفاعل للدولة، لا صفته المدنية أو العسكرية وحدها.
وهنا تقترب المسالة من مفهوم جون رولز للعدالة باعتبارها الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية، ومن رونالد دوركين
في النظر إلى الحقوق بوصفها قيوداً على إرادة الأغلبية. فإذا كانت المواطنة المتساوية قابلة للتأجيل باسم التوافق، والعلمانية قابلة للمساومة باسم "خصوصية المجتمع"، والعدالة التاريخية مؤجلة باسم الواقعية، وإعادة بناء الجيش مؤجلة باسم الاستقرار، فقد تصبح الديمقراطية مجرد آلية لإعادة توزيع السلطة داخل البنية القديمة.

لماذا يصعب على النخب هضم التغيير القادم من الهامش؟
هنا توجد طبقة أعمق من المشكلة.
ليس صعباً على النخب المركزية عبر احزابها وكياناتها المدنية أن تتحدث عن العدالة للمهمشين ما دامت هي التي تحدد معنى العدالة وحدودها وإيقاعها. تبدأ الصعوبة عندما تتحول المجتمعات المهمشة من موضوع للسياسة إلى فاعل ينتج السياسة؛ ومن جماعات تطالب المركز بالحقوق إلى قوى تنتج تصوراً للدولة وتطلب من المركز أن يحدد موقفه منه.
وهذا انقلاب في علاقة القوة والمعرفة.
لقد شرح غرامشي كيف تتحول رؤية الجماعة المهيمنة إلى "حس مشترك" يبدو طبيعياً ومحايداً. وعندما تظهر قوة من الأطراف وتقول إن ما اعتُبر طبيعياً ليس سوى ترتيب تاريخي للسلطة، فإنها لا تنازع المركز على الحكومة فحسب؛ بل تنازعه على حق تعريف السودان نفسه.
ومن هنا يمكن فهم جانب من الموقف المتردد تجاه مشروع السودان الجديد. فقبول العلمانية واللامركزية والعدالة التاريخية والجيش الجديد ليس مجرد قبول بمجموعة مواد دستورية او تاسيسية؛ إنه يعني الاعتراف بأن الدولة التي أدارتها النخب منذ الاستقلال تحتاج إلى إعادة تأسيس، وأن المعرفة السياسية القادرة على تصور السودان الجديد يمكن أن تأتي من كاودا أو النيل الأزرق أو دارفور، لا من الخرطوم وحدها.
وهذه، بالنسبة إلى بنية سياسية وثقافية اعتادت المركزية، ثورة في الوعي قبل أن تكون ثورة في المؤسسات.

دروس من تجارب أخرى:
التاريخ المقارن يقدم دروساً مهمة. فلم يكن إنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا مجرد استبدال حكومة بيضاء بحكومة سوداء، بل إعادة تعريف للمواطنة والدستور والدولة. وفي الولايات المتحدة لم تكن حركة الحقوق المدنية مطالبة فقط بإدخال عدد أكبر من السود إلى المؤسسات القائمة، بل بإخضاع تلك المؤسسات نفسها لمبدأ المساواة الدستورية. وفي أوروبا بعد الفاشية لم يكن إجراء الانتخابات كافياً؛ كان ضرورياً أيضاً بناء مؤسسات وضمانات دستورية تمنع استخدام الدولة والديمقراطية نفسها لتدمير الحقوق.
والدرس المشترك هنا أن تغيير من يدير الدولة لا يكفي إذا بقيت القواعد التي تنتج عدم المساواة على حالها.

العدالة المؤجلة ومأزق القوى المدنية السودانية:
حذر مارتن لوثر كنج في "رسالة من سجن برمنغهام"، من خطاب "الوقت غير المناسب" الذي يطالب المظلوم بالصبر وانتظار لحظة أكثر ملاءمة لنيل حقوقه. وكان جوهر نقده أن المشكلة ليست في الزمن نفسه، بل فيمن يملك سلطة تحديد متى يصبح العدل ممكناً ومناسباً. فالحقوق التي تؤجل باستمرار باسم الاستقرار والتدرج والتوافق قد تتحول عملياً إلى حقوق معلقة، بينما تستمر الامتيازات القائمة بلا انتظار.
وهذه الفكرة شديدة الصلة بمأزق قطاعات من القوى المدنية السودانية. فمن الذي يُطلب منه دائماً أن ينتظر؟ لا يُطلب من المستفيد من مركزية الدولة أن يؤجل امتيازاته، ولا من المؤسسة العسكرية أن تنتظر قبل ممارسة سلطتها، ولا من البنية القديمة للدولة أن تتوقف حتى يتحقق "التوافق". الذي يُطلب منه الانتظار، في الغالب، هو صاحب الحق: انتظروا العلمانية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإصلاح المؤسسة العسكرية، ومعالجة قضايا الأرض والهوية، حتى يصبح المجتمع "مستعداً" أو يتحقق "الإجماع"...
وهنا تكمن المشكلة في خطاب بعض القوى المدنية: فهي تعارض الحرب والاستبداد والحكم العسكري، لكنها تتردد أمام الأسئلة التأسيسية التي أنتجت الصراع تاريخياً. وبذلك قد يتحول شعار "إنهاء الحرب أولاً، ثم مناقشة القضايا الكبرى لاحقاً"، من حيث النتيجة، إلى وسيلة لإعادة إنتاج الدولة نفسها التي ولّدت الحروب!!
فالتأجيل، عندما يترك توزيع السلطة والثروة والاعتراف والامتيازات على حاله، ليس موقفاً محايداً؛ بل قد يصبح انحيازاً عملياً لاستمرار الوضع القائم- انه الاحتيال. وهذه هي قوة سؤال مارتن لوثر كينغ في السياق السوداني: ليس فقط متى تتحقق العدالة، بل من يدفع ثمن انتظارها؟

اللحظة التاريخية للقوى المدنية:
لهذا فإن مأزق القوى المدنية ليس مجرد اختيار تكتيكي بين البرهان ومايمثل وتأسيس بمشروع السودان الجديد، بل لحظة سياسية تاريخية تتطلب تحديد موقف من طبيعة الدولة نفسها. فإذا نجح حوار البرهان في تنظيم معسكر الجيش والقوى المحافظة والإسلاميين أو قطاعات منهم حول مشروع لإصلاح السودان القديم، واستمر "تأسيس" في تطوير مؤسساته وبلورة مشروعه لإعادة تأسيس الدولة، فسوف تضيق المساحة أمام القوى التي تريد البقاء في منطقة سياسية رمادية من دون تقديم مشروع واضح.
وعندها لن يكون السؤال الحقيقي: هل أنتم مع البرهان أم مع "تأسيس"؟ بل: ما مشروعكم أنتم للسودان؟
ما الذي تريدون الاحتفاظ به من الدولة القديمة، وما الذي أنتم مستعدون لتغييره جذرياً؟ هل المطلوب إصلاح الجيش القائم أم بناء جيش قومي مهني جديد؟ هل اللامركزية مجرد توزيع إداري للصلاحيات أم إعادة حقيقية للسلطة والموارد؟ هل العدالة محاسبة على جرائم الحرب الراهنة فقط، أم عدالة تاريخية تشمل الأرض والتهميش والحروب السابقة وبنية الامتياز؟ وهل العلمانية والمواطنة المتساوية مبادئ تأسيسية، أم قضايا قابلة للتأجيل والتفاوض؟
هذه الأسئلة، لا مجرد الموقف من أطراف الحرب، هي التي ستحدد المواقع السياسية الجديدة.

لا توجد منطقة ثالثة اسمها "المدنية" خارج سؤال الدولة:
يمكن للقوى المدنية أن تستفيد من علاقاتها الدولية، ومن شرعية الدعوة إلى وقف الحرب، ومن حضورها في المنابر الإقليمية والدولية وحصولها علي المنح هنا وهناك. لكن هذه الموارد لا تستطيع أن تعوض إلى ما لا نهاية ضعف القاعدة الاجتماعية المنظمة أو غياب المشروع السياسي المتكامل. فالمجتمع الدولي يستطيع تسهيل المفاوضات وممارسة الضغط وفتح المنابر، لكنه لا يستطيع أن يمنح مشروعاً سياسياً جذوراً اجتماعية لا يمتلكها. والمؤتمرات تستطيع إنتاج المبادرات والبيانات، لكنها لا تستطيع وحدها تغيير موازين القوة داخل السودان.
وصفة "مدني" لا تحل هذه المعضلة. فهي تميز الفاعل المدني عن المؤسسة العسكرية، لكنها لا تخبرنا أي دولة يريد هذا المدني. فالمدني قد يكون علمانياً أو مؤيداً للدولة الدينية، مركزياً أو لامركزياً، مدافعاً عن بنية السودان القديم أو داعياً إلى إعادة تأسيسها. ولذلك فإن "المدنية" صفة لموقع الفاعل، وليست في ذاتها مشروعاً للدولة.
ولا يعني ذلك أن على القوى المدنية أن تذوب في معسكر البرهان أو في "تأسيس". فمن حقها أن تستقل عنهما، وأن تختلف معهما، وأن تبني مشروعاً ثالثاً إذا امتلكت رؤيته وقاعدته الاجتماعية وأدواته السياسية. لكن لا يمكنها أن تعتبر نفسها مركزاً ثالثاً يمتلك شرعية وطنية تلقائية لمجرد أنه مدني. فالشرعية السياسية، في السياق السوداني الراهن، لا تقوم على الخطاب أو الاعتراف الخارجي وحدهما، بل تحتاج إلى مشروع واضح للدولة، وقاعدة اجتماعية، وتنظيم فاعل، وقدرة على التأثير والتنفيذ، وحضور وسيطرة فعلية على الأرض. فالحرب جعلت السيطرة الميدانية مورداً مهماً من موارد القوة السياسية والتفاوضية، إلى جانب القدرة على تقديم إجابات واضحة عن أسئلة تأسيس الدولة ومستقبلها.
فالصراع السوداني ينتقل، شيئاً فشيئاً، من سؤال من يحكم الدولة؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ما الدولة التي ينبغي أن توجد أصلاً؟
وهنا تكمن المعضلة الأعمق لنخب المركز. فالتغيير هذه المرة لا يأتي بالضرورة من المؤسسات والنخب التي اعتادت احتكار تعريف المشكلة السودانية وصياغة حلولها، بل يأتي أيضاً من مجتمعات ظلت طويلاً في هامش الدولة. وهذه المجتمعات لم تعد تطالب فقط بحصة أكبر داخل البناء القديم، بل تطرح سؤالاً يمس البناء نفسه: طبيعة الدولة، وهويتها، وتوزيع السلطة والثروة فيها، وعلاقة الدين بالدولة، وبنية الجيش، ومعنى المواطنة، والعدالة.

ولهذا يتبلور السؤال التاريخي الذي لم يعد ممكناً تجاوزه: هل الأزمة في السودان القديم لأنه يحتاج إلى إصلاح، أم في بنيته نفسها بما يستوجب إعادة تأسيس الدولة وبناء سودان جديد؟
وحين ينتقل الصراع إلى هذا المستوى، تفقد ثنائية "مدني/عسكري" قدرتها على تفسير المشهد. فصفة «مدني» تحدد موقع الفاعل خارج المؤسسة العسكرية، لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم: أي دولة يريد هذا المدني، وأي مشروع يسعى إلى تأسيسه؟

النضال مستمر والنصر اكيد.
(أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)