Post: #1
Title: استكمالاً لا مصادمة من «الأوغاد لا يهدأون» إلى الجدار المؤسسي وشرعية النفير قراءة في مقال الأستاذ ع
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 09-07-2026, 03:15 PM
03:15 PM September, 07 2026 سودانيز اون لاين د. علي عبدالله الخليفة طه-UK مكتبتى رابط مختصر
استكمالاً لا مصادمة من «الأوغاد لا يهدأون» إلى الجدار المؤسسي وشرعية النفير قراءة في مقال الأستاذ علاء خيراوي في ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة
د. علي عبدالله الخليفة طه
تمهيد: في محل الاتفاق
يضع الأستاذ علاء خيراوي، في مقاله «الأوغاد لا يهدأون»، إصبعه على جرح حقيقي في المشهد السوداني: أن قوى الثورة المضادة لم تكف يوماً عن العمل، بينما ظل بعض أصحاب الثورة ينتظرون دعوة إلى مائدة يصنعها خصومهم. هذا التشخيص يلتقي في جوهره مع الفرضية التأسيسية لميثاق النجاة وبناء الدولة: أن مشكلة المدنيين ليست غياب القوة الاجتماعية، بل تبعثرها وغياب الهندسة المؤسسية التي تجمعها في مركز ثقل قادر على الفعل. كما يلتقي المقال مع الميثاق التقاءً حرفياً في نقطة جوهرية أخرى: استبعاد شبكات حزب المؤتمر الوطني المنحل استبعاداً جذرياً من أي تسوية انتقالية قادمة، بوصف ذلك شرطاً لا يقبل المساومة لا تفصيلاً تفاوضياً. غير أن المقال، في احتفائه المشروع بضرورة «مركز ثقل مدني واحد»، يتوقف عند حدود الدعوة السياسية ولا يتقدم إلى مستوى الهندسة المؤسسية التي تجعل هذا المركز قابلاً للحياة، وتحميه من مصير التحالفات المدنية السابقة التي تبعثرت لأسباب بنيوية لا أخلاقية. وهنا بالتحديد يقدّم الميثاق أدوات تكميلية لا مصادمة لتشخيص خيراوي، بل استكمالاً لمشروعه الفكري نفسه.
من «مركز الثقل» إلى الجدار المؤسسي
يدعو خيراوي إلى «جبهة وطنية مدنية عريضة» حول حد أدنى غير قابل للمساومة، لا تحالفاً جديداً يُضاف إلى عشرات التحالفات ولا مؤتمراً تتوزع فيه المقاعد. لكن السؤال الذي يتركه المقال معلقاً هو: ما الذي يمنع هذه الجبهة، عند لحظة الاختبار الأولى، من الانزلاق إلى صراع المقاعد نفسه الذي عصف بتجربة «قوى الحرية والتغيير»؟ التاريخ القريب يقول إن حسن النية في «الحد الأدنى» لا يكفي حين تغيب البنية التي تحول دون ابتلاع السياسة الحزبية للعمل الجماهيري. يجيب الميثاق على هذا السؤال ببنية محددة هي الجدار المؤسسي: فصل صارم بين طبقتين، طبقة سياسية تفاوضية تُدير الملفات الدستورية والحكومية، وطبقة تنفيذية مدنية هي «النفير» تدير الحشد الجماهيري والعمل الميداني، بحيث لا تتحول الثانية إلى أداة في يد الصراعات الحزبية للأولى، ولا تُستنزف طاقة الشارع في معارك المقاعد التي حذر منها خيراوي نفسه. هذا الجدار ليس حلاً إدارياً شكلياً، بل هو الضمانة البنيوية التي تجعل «الحد الأدنى» قابلاً للصمود بعد أول خلاف سياسي، لا مجرد شعار يتبخر معه.
من الحد الأدنى إلى الشرعية الوظيفية الصاعدة
يطرح المقال حداً أدنى سياسياً واضحاً: وقف الحرب، ورفض حكم الجيش والمليشيا، ورفض عودة نظام الإنقاذ، وجيش وطني واحد، وانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي كامل. هذه أهداف صحيحة، لكنها تظل، كما صاغها المقال، إعلاناً سياسياً لا آلية بناء. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف تنتقل هذه الأهداف من بيان نخبوي إلى سلطة فعلية على الأرض، دون أن تتكرر مأساة اتفاقات النخب الهشة التي تنهار عند أول أزمة؟ يقدّم الميثاق هنا مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة: شرعية لا تُمنح من قمة التوافق السياسي نازلة إلى القاعدة، بل تُبنى تصاعدياً من الأداء الوظيفي الفعلي في الوحدات المحلية، فالإقليمية، فالمركزية. بهذا المعنى، يصبح «الحد الأدنى» الذي يطرحه خيراوي نقطة انطلاق لا نقطة وصول، تُختبر شرعيته يومياً بقدرته على تقديم الخدمة والحماية والعدالة، لا بمجرد التوقيع عليه في وثيقة.
الجيش الواحد لا يُبنى بالشعار: اقتصاد البوابات
يطالب المقال بـ«جيش وطني مهني واحد» يحمي الدولة ولا يحكمها، وهو مطلب لا خلاف حوله. غير أن المقال لا يتوقف عند العائق المادي الحقيقي أمام هذا المطلب: اقتصاد الحرب الذي يُبقي المليشيات والشبكات الموازية قائمة بمعزل عن أي اتفاق سياسي، لأن مصالح مسلحة فعلية تُبنى على شبكات جباية ونقاط تفتيش وتهريب توفر تمويلاً مستقلاً عن الدولة. هذه بالضبط الفجوة السادسة في الميثاق، أو ما يُعرف باقتصاد البوابات: تفكيك شبكات الجباية المسلحة على نقاط العبور والحدود ودمج عوائدها في اقتصاد الدولة الرسمي، بوصف ذلك الشرط المادي الذي لا غنى عنه لأي حديث جاد عن جيش وطني موحد. فمن دون تجفيف هذا الاقتصاد الموازي، يظل شعار «الجيش الواحد» تصريحاً نوايا لا مساراً قابلاً للتنفيذ.
العدالة «دون انتقام»: من الشعار إلى المسار
يتقاطع المقال مع الميثاق في نقطة حساسة: الإصرار على استبعاد شبكات نظام الإنقاذ استبعاداً جذرياً، مع الحديث في الوقت نفسه عن «عدالة دون انتقام». غير أن الجمع بين هذين المطلبين يحتاج مساراً قضائياً محدد المعالم، لا موازنة خطابية بين شعارين قد يبدوان متعارضين. يوفر الميثاق هذا المسار عبر العدالة الانتقالية الثلاثية: مجالس مصالحة محلية للجرائم الأقل جسامة وقضايا التماسك المجتمعي، فلجنة حقيقة وتعويض تُوثق الانتهاكات وتجبر الضرر، فدائرة قضائية متخصصة بالجرائم الكبرى لا يشملها أي عفو. بهذا التدرج، يتحول الاستبعاد الجذري لشبكات النظام السابق من موقف أخلاقي عام إلى إجراء قضائي محدد، ويصبح «دون انتقام» ضمانة إجرائية لا تنازلاً عن المحاسبة.
الدبلوماسية بلا وثيقة تحمل: مبادرة الجسر الانتقالي
يصيب المقال في دعوته إلى دبلوماسية مدنية أفريقية وأمريكية دائمة ومحترفة، لا تنتظر استدعاء المبعوثين الدوليين. لكنه يترك هذه الدبلوماسية تدافع عن مبادئ عامة ، لا حل عسكري، انتقال مدني، دون أن تحمل معها وثيقة تفاوضية جاهزة يمكن عرضها في أديس أبابا وواشنطن وبروكسل كبديل عملي، لا مجرد اعتراض على الأمر الواقع. مبادرة الجسر الانتقالي في الميثاق مصممة لتكون هذه الوثيقة تحديداً: إطار تفاوضي مكتوب وقابل للتقديم، يترجم شعارات «الحكم المدني» و«الجيش الوطني» إلى بنود وترتيبات تنفيذية محددة زمنياً، بحيث يذهب الوفد المدني إلى العاصمة الأجنبية ومعه مشروع دولة لا مجرد شكوى من مشروع الخصم، على النحو الذي أشار إليه خيراوي نفسه حين قال إن من لا يشرح قضيته سيجد خصمه يشرحها نيابة عنه.
الحشد الجماهيري المنظم: النفير الوطني الكبير
يستدعي المقال، في ختامه، أدوات المقاومة المدنية الكلاسيكية: التنظيم النقابي، والعمل الجماهيري السلمي، والإضراب، والعصيان المدني «عندما تتوافر شروطهما». هذا التحفظ الأخير هو موضع الفجوة: فمن الذي يقرر توافر الشروط؟ ومن الذي يحمي هذا الحشد من الاستقطاب الحزبي الذي حذر منه المقال نفسه في سياق آخر؟ النفير الوطني الكبير في الميثاق هو الإطار التنظيمي الذي يجيب على هذا السؤال: طبقة مدنية-تنفيذية منظمة، محمية بالجدار المؤسسي عن الصراع الحزبي، مهمتها تحويل الطاقة الاجتماعية الهائلة التي وصفها خيراوي ، النقابات ولجان المقاومة والمزارعين والعمال والمهاجرين ، من احتمال كامن إلى قوة منظمة قادرة على الحسم في اللحظة المناسبة، لا أن تُستدعى ارتجالاً عند كل أزمة.
خاتمة: استكمالاً لا مصادمة
مقال «الأوغاد لا يهدأون» يشخّص بدقة عالية طبيعة المعركة: أن الخصم منظم ومستمر، وأن المدنيين يملكون قوة اجتماعية هائلة معطلة بغياب الهندسة التي تجمعها. وميثاق النجاة وبناء الدولة، بمكوناته الستة – الجدار المؤسسي، الشرعية الوظيفية الصاعدة، اقتصاد البوابات، العدالة الانتقالية الثلاثية، مبادرة الجسر الانتقالي، والنفير الوطني الكبير، لا يقدّم بديلاً عن هذا التشخيص، بل يقدّم الهندسة المؤسسية التي تحوّله من مطالب سياسية صحيحة إلى دولة قابلة للبناء فعلاً. فالسؤال الذي أنهى به خيراوي مقاله ، ماذا سيفعل السودانيون لاستعادة زمام المبادرة؟ لا يُستكمل الجواب عليه إلا حين تتحول اللحظة السياسية إلى بنية مؤسسية تصمد بعد زوال حماسة اللحظة نفسها.
|
|