Post: #1
Title: (1-2-) القوى المدنية بين حوار البرهان والموقف الخجول من تحالف تأسيس من سؤال من يحكم؟ إلى سؤال "أي
Author: خالد كودي
Date: 09-06-2026, 10:13 PM
10:13 PM September, 06 2026 سودانيز اون لاين خالد كودي-USA مكتبتى رابط مختصر
(1-2-) القوى المدنية بين حوار البرهان والموقف الخجول من تحالف تأسيس من سؤال "من يحكم؟" إلى سؤال "أي دولة"؟
6/9/2026 خالد كودي، بوسطن
القوى المدنية وتحول طبيعة الصراع تدخل قوى النخب المدنية السودانية واحدة من أصعب مراحلها منذ سقوط نظام عمر البشير. فالتحدي الذي تواجهه لم يعد محصوراً في الحرب بين القوات المسلحة و"الدعم السريع/ وقوات تأسيس"، ولا في البحث عن تسوية تعيد المدنيين إلى السلطة، بل في تحول أعمق في طبيعة الصراع نفسه. فمع استمرار الحرب وتبلور المعسكرات ومشروعاتها السياسية، يتراجع تدريجياً سؤال: من يحكم السودان؟ ليحل محله سؤال أكثر تأسيساً: أي سودان نريد، وعلى أي مبادئ، وبأي مؤسسات؟ وهنا تجد قطاعات واسعة من قوى النخب المدنية نفسها بين مطرقة حوار البرهان وسندان موقفها المتردد من تحالف "تأسيس". فمن جهة، تخشى أن ينجح حوار البرهان في بلورة كتلة سياسية أكثر تماسكاً حول الجيش، تضم قوى مدنية محافظة وإسلاميين ومدنيين مستفيدين من استمرار بنية السودان القديم وامتيازاته. ومن جهة أخرى، تتعامل مع "تأسيس" بحذر وارتباك، وأحياناً بحسابات سياسية انتهازية مرتبطة بالمواقع والمصالح، رغم أنه يطرح مشروعاً معلناً لإعادة تأسيس الدولة على العلمانية والديمقراطية واللامركزية والمواطنة المتساوية والمحاسبة والعدالة التاريخية، وبناء جيش قومي مهني جديد. ولذلك فالمأزق ليس مجرد أزمة تحالفات أو اختيار بين معسكرين، بل أزمة تحديد موقف من مشروع الدولة نفسها. فمع تبلور المشاريع المتنافسة، يصبح من الصعب الاستمرار في الاحتماء بصفة "القوى المدنية/ او المناهضة للحرب..." من دون الإجابة عن الأسئلة التأسيسية: ما طبيعة الدولة؟ ما علاقتها بالدين؟ كيف توزع السلطة والثروة؟ ما موقع الأقاليم؟ وما طبيعة الجيش والمؤسسات الأمنية التي تحمي النظام الدستوري الجديد؟
لماذا اندلعت الحروب أصلاً؟ لفهم هذا المأزق ينبغي العودة إلى السؤال الذي كثيراً ما تؤجله السياسة السودانية: لماذا ظل السودان ينتج الحروب؟ والتكرار، يعلم الشطار: حرب أبريل 2023، مهما بلغت فداحتها، ليست بداية الأزمة السودانية، بل حلقة جديدة في تاريخ أطول شمل حروب الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور، وما صاحبها من قتل ونزوح وتهجير وتدمير للمجتمعات. ولذلك لا يمكن تفسير هذا التاريخ باعتباره مجرد سلسلة من أخطاء الحكام أو الانقلابات أو الصراعات الشخصية على السلطة. التفسير الأعمق يقود إلى بنية الدولة نفسها: مركزية السلطة والثروة، والاختلال التاريخي في توزيع التنمية والموارد، وأزمة تعريف الهوية الوطنية، وعدم الاعتراف المتكافئ بالتعدد الثقافي والديني، والتفاوت في الوصول إلى التعليم والخدمة المدنية ومؤسسات القرار، واستخدام الجيش والأجهزة الأمنية لإدارة الصراعات السياسية وعلاقة المركز بالأقاليم. ومن هنا يصبح السؤال عن الحرب سؤالاً عن الدولة: فإذا كانت الحروب تتكرر باختلاف الحكومات والأنظمة، فمن البديهي لا تكمن المشكلة فيمن يحكم الدولة فقط، وإنما أيضاً في الدولة التي يتنافس الجميع على حكمها. وهذا ما يجعل الصراع الراهن يتجاوز ثنائية "مدني/عسكري" إلى مواجهة أعمق بين رؤى مختلفة لطبيعة السودان الذي ينبغي أن يخرج من الحرب وهنا تصبح مقولة جون قرنق حول "مشكلة السودان" أكثر أهمية من سؤال الجنوب وحده: المشكلة ليست في الأطراف التي تتمرد على الدولة فحسب، وإنما أيضاً في الدولة التي ظلت تنتج أسباب التمرد. وبالمعنى الذي نجده عند فرانتز فانون لا يكفي أن تتغير الوجوه التي تدير مؤسسات ما بعد الاستعمار إذا ظلت البنية التي توزع السلطة والامتياز والاعتراف على حالها. ولهذا فإن النزاع السوداني ليس، في جوهره، مجرد خلاف بين مدنيين وعسكريين؛ إنه أيضاً صراع حول تعريف الدولة، ومصادر شرعيتها، وتوزيع السلطة والثروة، والعلاقة بين الدين والدولة، والمحاسبة والعدالة التاريخية، وطبيعة الجيش، وموقع الأقاليم، ومن يملك الحق في تعريف الهوية الوطنية.
الامتيازات التي لا تظهر في الخطاب السياسي: حين نتحدث عن "امتيازات السودان القديم" لا ينبغي ترك المصطلح مجرداً. المقصود منظومة تاريخية من المزايا المتراكمة: تركيز مؤسسات القرار في المركز؛ والتفاوت في نصيب الأقاليم من التنمية والبنية التحتية والتعليم؛ والنفوذ غير المتكافئ داخل الخدمة المدنية والمؤسسات العسكرية والأمنية والدبلوماسية؛ والتحكم في الموارد والأرض؛ واحتكار تعريف الهوية والثقافة الوطنية؛ والقدرة على تحويل القرب من مركز الدولة إلى رأس مال سياسي واقتصادي وثقافي. وهنا يفيد بيير بورديو. فالامتياز لا يعمل دائماً في صورة ثروة مادية مباشرة، بل يتحول أيضاً إلى رأس مال ثقافي ورمزي وشبكات اجتماعية تجعل بعض الفئات أكثر قدرة على الوصول إلى الجامعات والإعلام والدبلوماسية والمنظمات الدولية ومواقع صناعة القرار، ثم تجعل هذا التفوق التاريخي يبدو طبيعياً أو قائماً على الكفاءة الفردية وحدها. وهذا يفسر جانباً من صعوبة تقبل بعض النخب لفكرة إعادة تأسيس الدولة. فتغيير الحكومة أو توسيع المشاركة السياسية يمكن استيعابه داخل النظام القديم؛ أما إعادة توزيع السلطة والموارد والاعتراف، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والهامش، فتعني المساس بالبنية التي أنتجت الامتياز نفسه.
مطرقة حوار البرهان: من الحصار إلى المنافسة على الشرعية السياسية: من هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى حوار البرهان باعتباره مجرد مبادرة داخلية محدودة. فقد انتقل خلال فترة قصيرة من مشاورات داخل معسكر الجيش إلى مسار اكتسب اهتماماً محلياً وإقليمياً ودولياً، وهو تطور يضغط مباشرة على القوى المدنية المناهضة للبرهان التي بنت جانباً من استراتيجيتها على افتراض أن السلطة العسكرية أصبحت معزولة سياسياً، وأن المجال المدني والعلاقات الخارجية يمثلان أحد أهم مصادر تفوقها. وقد زاد هذا التحول مع ترحيب الاتحاد الأفريقي بمبادرة الحوار السوداني–السوداني، مع تأكيده ضرورة شمول القوى المدنية والسياسية والمجتمعية وربطه بالجهود الإقليمية الأوسع. كما أن الخماسية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وإيغاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ظلت منخرطة في البحث عن عملية سياسية سودانية، بينما حافظت بعض دول الرباعية، وخاصة مصر والسعودية، على مستويات مختلفة من التواصل والتعامل مع حكومة بورتسودان. ولا يعني ذلك أن هذه الأطراف منحت حوار البرهان شرعية وطنية، لكنه يعني أن فرضية الحصار الإقليمي والدولي الكامل لم تعد دقيقة بالقدر الذي افترضته القوى المدنية المنظمة. وهنا تظهر "مطرقة" حوار البرهان. فالمشكلة بالنسبة إلى القوى المدنية هذه لم تعد احتمال أن يمنح الحوار السلطة العسكرية غطاءً سياسياً فقط، بل أن يبدأ في منافستها داخل المساحة التي اعتبرتها أحد أهم مواردها: المجال المدني والسياسي وشبكات الاعتراف الإقليمي والدولي. فإذا استقطب الحوار أحزاباً وسياسيين وأكاديميين ومنظمات مجتمع وشخصيات غير عسكرية، وحصل في الوقت نفسه على قدر من التعامل الإقليمي والدولي، يصبح من الصعب اختزال المشهد في "سلطة عسكرية معزولة" في مواجهة "قوى مدنية تحتكر الشرعية السياسية"... لكن الوظيفة الأعمق لهذا الحوار في تقديري قد تكون تنظيم معسكر السودان القديم نفسه. فقد يجمع حوار البرهان قوى تختلف في مواقعها ومصالحها، لكنها تتفق بدرجات متفاوتة على أن المشكلة الأساسية تكمن في إدارة الدولة أكثر مما تكمن في بنيتها: جيش قائم يعاد إصلاحه أو هيكلته، ومركز سياسي يحتفظ بموقعه مع توسيع المشاركة داخله، ومؤسسات قديمة يجري تحسين أدائها، من دون إعادة تأسيس جذرية لعلاقة السلطة والثروة والهوية والأقاليم بالدولة. وكل هذا في مناطق سيطرة الجيش فقط. وقد يجد الإسلاميون، بدرجات مختلفة، موقعهم داخل هذا المعسكر أو في محيطه. فالعلاقة بين بعض شبكاتهم ومعسكر الجيش أعمق من أن يحسمها إعلان سياسي بالإقصاء. وقد يؤدي الحوار، في النهاية، إلى فرز سياسي أوضح يجمع القوى التي ترى إمكانية إصلاح السودان القديم من داخله في مواجهة القوى التي تطرح إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة. ومع ذلك، فإن الاهتمام الإقليمي والدولي لا يمنح حوار البرهان حق تمثيل السودان كله. فالترحيب بالحوار أو التعامل معه من أيا كان لا يعني الاعتراف بنتائجه بوصفها عقداً وطنياً. وأقصى ما سيحققه، إذا نجح، هو تحويل معسكر سياسي واجتماعي متشظٍ إلى طرف أكثر تنظيماً ووضوحاً وقابلية للتفاوض؛ أي إنتاج شرعية تفاوضية نسبية داخل معسكره وفي بعض الدوائر الخارجية، لا شرعية تأسيسية تخوله تقرير مستقبل السودان نيابة عن بقية القوى والمجتمعات. وهنا يصبح التحدي أمام القوى المدنية أكثر جدية: لم يعد كافياً الرهان على عزل البرهان أو احتكار الاعتراف الخارجي. فإذا أصبح ينازعها حتى في المجال المدني والسياسي، فعليها أن تثبت وزنها من خلال مشروع واضح للدولة، وقاعدة اجتماعية منظمة، وقدرة فعلية على التأثير داخل السودان.
وسندان الموقف من "تأسيس": لماذا يبدو موقع "تأسيس" السياسي أكثر تماسكاً؟ على الجانب الآخر يقف تحالف "تأسيس" في موقع مختلف عن كثير من القوى المدنية التقليدية. فهو لا يستند فقط إلى شبكة علاقات أو حضور خارجي، بل يجمع بين مشروع سياسي معلن، وقوى سياسية ومدنية ومسلحة، وقواعد اجتماعية ومناطق نفوذ. ووفق رؤيته المعلنة، يطرح إعادة تأسيس الدولة على قاعدة العلمانية والديمقراطية واللامركزية والمواطنة المتساوية والعدالة، مع بناء جيش قومي مهني جديد. ولذلك لا يُفهم موقعه من خلال القوة العسكرية وحدها، بل من خلال اقترانها بتصور محدد لطبيعة الدولة التي يريد إنشاءها. وهنا تكمن إحدى نقاط ضعفه وقوته في الوقت نفسه. فتحالفه مع قوى مسلحة، وفي مقدمتها الدعم السريع، قد يفتح المجال لأسئلة خطيرة ومشروعة حول الانتهاكات والمحاسبة والعلاقة بين المشروع السياسي والقوة العسكرية. وهذه قضايا لا يجوز تجاوزها، ولا ينبغي أن يمنح الانتماء إلى أي مشروع سياسي حصانة من المسؤولية القانونية والأخلاقية. لكن اختزال "تأسيس" كله في أحد مكوناته المسلحة، وفي قضية واحدة دون سياقها يحجب سؤالاً سياسياً أوسع: ما المشروع الذي يطرحه التحالف للدولة، وما قاعدته الاجتماعية والسياسية، وما طبيعة السياق التاريخي الذي نشأت فيه قواه المسلحة؟ فالعنف السياسي في السودان لم يبدأ في أبريل 2023. فقد استخدمت الدولة، عبر عقود، الجيش والميليشيات والأجهزة الأمنية في إدارة علاقتها بالمناطق المهمشة، وقمع التمردات والحركات المسلحة والاجتماعية. وبلغ ذلك مستوى أكثر تنظيماً وأيديولوجية في عهد الإنقاذ، الذي خاض حروباً ذات تعبئة اثنية ودينية وأنشأ واستخدم تشكيلات وميليشيات متعددة، من بينها القوى التي تطورت لاحقاً إلى الدعم السريع نفسها. وفي هذا السياق التاريخي لا يمكن قراءة كل حمل للسلاح خارج الدولة بالطريقة نفسها. فقد ارتبط السلاح عند بعض الحركات بمسارات الثورة والمقاومة والدفاع عن النفس والمجتمعات في مواجهة نظام فاشي احتكر أدوات القوة وفرض العمل المسلح باعتباره أحد شروط الصراع السياسي. وهذا لا يبرر الانتهاكات ولا يعفي أي طرف من المحاسبة؛ لكنه يمنع أيضاً اختزال الصراع في معادلة تجعل المؤسسة المسلحة التابعة للدولة شرعية بطبيعتها، وكل سلاح نشأ في مواجهتها غير سياسي أو غير مدني بطبيعته. ومن هذه الزاوية تبدو "تأسيس" في موقع متقدم وأقوى كثيراً من القوى المدنية المعارضة للبرهان. فحكومة البرهان تستند أساساً إلى مؤسسة عسكرية وبنية دولة قديمة وتسعى إلى توسيع شرعيتها السياسية من خلال الحوار والتحالفات المدنية، بينما تعتمد قوى مدنية أخرى بدرجة كبيرة على العلاقات الدولية والمنابر وخطاب وقف الحرب، من دون أن تقدم بالوضوح نفسه تصوراً متكاملاً للدولة البديلة. أما "تأسيس" فيجمع، ويسعى إلى الجمع، بين المشروع السياسي والتنظيم والقوة الاجتماعية والوجود الميداني؛ وهي عناصر تمنحه وزناً معتبرا لا يمكن تجاهله في أي عملية تفاوضية مستقبلية. لكن معضلة القوى المدنية التقليدية مع "تأسيس" أعمق من خلافها مع الدعم السريع أو موقفها من العمل المسلح كما تدعي عناصرها. فهي تواجه مشروعاً جاء بدرجة كبيرة من خارج المركز السياسي والثقافي الذي اعتاد تعريف "المشكلة السودانية" وتحديد حدود الحل الممكن. وهنا تصبح المسألة سياسية ومعرفية معاً. لقد بين ادوارد سعيد أن السلطة لا تعمل فقط عبر المؤسسات والقوة، بل أيضاً عبر سلطة التمثيل: من يملك حق تعريف الآخر، وتفسير تجربته، والتحدث باسمه. والسؤال السوداني هنا مباشر: هل تظل نخب المركز هي التي تفسر مطالب الهامش وتحدد له كيف ينالها، وباي أدوات، وما هو واقعي وما هو مستحيل، أم يصبح للمجتمعات المهمشة نفسها الحق في إنتاج مشروع للدولة ومطالبة المركز بتحديد موقفه منه؟ ولهذا لا يكون التحدي الذي يطرحه "تأسيس" ومشروع السودان الجديد على النخب المدنية في مبادئه وحدها، بل في انتقال سلطة إنتاج المشروع الوطني وادواته نفسها. فالهامش لم يعد يطالب فقط بحصة أكبر داخل الدولة القديمة، بل أصبح مبادراً في صياغة تصور للدولة البديلة. وهذه النقلة تضع القوى المدنية التقليدية أمام اختبار صعب: إما أن تقدم مشروعاً موازياً ومتكاملاً لإعادة تأسيس السودان، أو أن تظل محصورة بين الاعتراض على البرهان والتحفظ على "تأسيس"، من دون امتلاك قوة اجتماعية أو رؤية سياسية تستطيع أن تشكل قطباً ثالثاً فعلياً وذي حضور على الارض. ومن هنا تأتي أفضلية موقع "تأسيس": ليس لأنه خارج النقد أو المحاسبة، ولا لأن القوة المسلحة تمنحه شرعية بذاتها، وإنما لأنه يدخل الصراع بمشروع معلن للدولة، وقاعدة سياسية واجتماعية وميدانية تستطيع حمل هذا المشروع والتفاوض باسمه. يتبع في الجزء الثاني...
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
|
|