أم دولة بنت خوجلي... حكاية إمرأة لا تُنسى كتبه أنور السادات الطيب قسم الله المهل

أم دولة بنت خوجلي... حكاية إمرأة لا تُنسى كتبه أنور السادات الطيب قسم الله المهل


09-06-2026, 12:30 PM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788694220&rn=0


Post: #1
Title: أم دولة بنت خوجلي... حكاية إمرأة لا تُنسى كتبه أنور السادات الطيب قسم الله المهل
Author: أنور السادات الطيب قسم الله المهل
Date: 09-06-2026, 12:30 PM

12:30 PM September, 06 2026

سودانيز اون لاين
أنور السادات الطيب قسم الله المهل-Sudan
مكتبتى
رابط مختصر





أنور الطيب
"أنا واللهِ أصلحُ للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيهُ تيها"- ولادة بنت المستكفي

كان لبيتنا العتيق في حلفاية الملوك عبقٌ خاص من الذكريات الجميلة في زمن لم يكن الناس فيه يتفاخرون بفخامة البنيان بقدر ما كانوا يحرصون على السترة، والحياة الكريمة، ومخافة الله.لم يكن الجيران مجرد جيران؛ كانوا أهلًا وأحبة وأصدقاء. كانت الأبواب مشرعة، لا تكاد تُغلق، وفي كثير من الأحيان كنّا ننسى أن لبيوتنا أبوابًا أصلًا؛ فالبيوت امتداد لبعضها، والنّاس أقرب إلى بعضهم من الجدران التي تفصل بينهم.
في طفولتنا الباكرة في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات من القرن المنصرم ، لم نكن نعرف البيوت بأسماء أصحابها من الرجال، وإنما بأسماء النساء ، ربما كان ذلك انعكاسًا لإرتباطنا في تلك السن بأمهاتنا وجداتنا، والنساء وقتها كنّ عنوان كل بيت ودفئة وذاكرته، أما الرجال فيحملون أسماء العائلة خارج البيت. لا أظن سمعت صبيا ينادونه بإسم أبيه في فريق قدّام ،وكأنّما نحن في يوم القيامة كل منّا يدعى بإسم والدته ،فالإمام ود هدية، وعصام ود حنينة، ونفيسة بنت مريومة، وهارون ود شمة، ويس ود خضرة، وعمر ود أم دولة، وحمد ود نعيمة، وعماد ود هميمة ، وجعفر ود النخيل ، وأحمد ود صالحة وهكذا ، كما أنّنا كنّا لا نتحرج من هذه التسميات في طفولتنا؛ كانت هي الطريقة الطبيعية التي نعرف بها بعضنا بعضًا، أو على الأقل التي يناودوننا بها نساء الحي ، ومما لا أنساه أنّ عمّنا الصديق عبد الواحد كان له قدرة فائقة في معرفة نسب أبناء الحلفاية وبناتها إعتمادا على أسماء أمهاتهم واشتهر بذلك بشكل مبالغ فيه وكان من ضمن المصادر الأساسية للبروفسير عون الشريف قاسم في كتابة نسب أبناء الحلفاية وبناتها في كتابه الشهير" حلفاية الملوك التأريخ والبشر ".
كان لبيتنا باب يؤدي شمالًا إلى فريق حاج أحمد، عبر منزل محمد علي العمدة، زوج آمنة بنت الشوش، ومن الناحية الغربية كان الطريق يقود إلى ديوان شيخ مصطفى الملثم، حيث كانت تقام أفراح فريق حاج أحمد وأتراحه ،أما من الناحية الجنوبية، فكان يطل على شارع متوسط الإتساع، تنتشر على جانبيه مجموعة من البيوت، تبدأ ببيت الحاجة هدية، زوج محمد أحمد الإمام، وأم الإمام وخوجلي وفتحي وسيد والأمين، ثم بيت حنينة أم محمد وأستاذة زبيدة وعائشة وعصام.ومن هناك كان يمتد زقاق ضيق يقود إلى بيت أم دولة؛ على أحد جانبيه بيت حنينة، وعلى الجانب الآخر بيت نفيسة بنت مريومة. رغم ضيق هذا الزقاق، لكنه كان يتّسع للجميع؛ للمارة والأطفال والجيران،بل يتسع لأحاديثهم وضحكاتهم وذكرياتهم ،كان دائم الحركة، ويبدو في ذاكرة طفولتنا أوسع من الدنيا كلها. وما إن تعبر ذلك الزقاق حتى تجد نفسك في بيت كبيروفخيم وحوش واسع ، كانت الحيشان يومها هي قلب البيوت ومجالس أهلها؛ فيها يلتقي الناس ويتسامرون، وفيها تدور معظم تفاصيل الحياة اليومية، ولا أذكر أنّنا كنّا ندخل الغرف الداخلية للبيوت إلا في ساعات النهار شديدة الحر أو في أوقات البرد القارس.
أما حوش أم دولة، فقد كان في مخيلتي مملكة قائمة بذاتها، تقوم على أمرها امرأة عظيمة، تحسبها كنداكة من كنداكات الزمن السحيق ، وإلى وقت قريب لم أكن أعرف أنّ اسم أم دولة الحقيقي هو فاطمة ، فقد طغى اسم الشهرة على اسمها حتى كاد يختفي وراءه، وأصبح اسم "أم دولة" هو الاسم الذي يعرفها به أهلها وجيرانها وكل من عرفها. كانت صلتي بأم دولة وأهل بيتها من خلال صديق الطفولة البريئة والصبا الباكر يس أحمد خوجلي ، كان يس شخصًا وفيًا، مخلصًا، مؤدبًا وحنونًا، ولعله ورث شيئًا من هذه الصفات عن عمته أم دولة. ويس هو ابن العم أحمد خوجلي كاتب العرضحالات المشهور في محكمة بحري ومن منّا لا يعرف أحمد خوجلي بسمته وشخصه وطيبته ، ومما أذكره عنه أنني رافقت إحدى قريباتي لمحكمة بحري لإستخراج شهادة طلاق ،وكانت متحرجة من إخراجها ،فذهبنا للعم أحمد خوجلي لمساعدتنا في إستخراجها ، وعند تحرير الطلب كانت تكرر في كل مرة للعم أحمد خوجلي والله يا عم أحمد لولا حاجتي للأرض السكنية لما طلبت ورقة الطلاق ، فلما كررتها أكثر من مرة ، هنا توقف العم أحمد عن الكتابة وقال لها : " يا بنتي الأراضي التطير ، طلعي الورقة دي عشان تشوفي ليك عريس ينفعك إنت لسة في شبابك" ، وواصل كتابة العرضحال ونجحنا في إخراج القسيمة، هكذا كانت الأبوة والأمومة في الحلفاية فالكل يشعر أنّه مسؤول عنك ويقدم لك نصحا لو انتبهت إليه ربما يغير حياتك إلى الأبد .
ومن أكثر ما بقي في ذاكرتي عن أم دولة ما حكاه لي يس عن وفائها العجيب ، فقد تكبدت أم دولة مشقة السفر إلى الأبيّض بصحبته لأداء واجب عزاء لنسيبة من نسيباتها، وفاءً لها ومواساةً في مصابها ، كانت الرحلة في ذلك الزمان بالقطار، واستغرقت قرابة الأسبوع من الخرطوم إلى الأبيض، ثم لم تعد أم دولة سريعًا؛ بل بقيت هناك نحو شهر كامل، جبرًا لخاطر نسيبتها ووقوفًا إلى جانبها ،أي وفاء هذا؟ لا أظن أنّ مثل هذا الوفاء يأتي إلا من إنسان يحمل قلبًا سليمًا وروحًا نبيلة، ويعتبر الوقوف مع الناس في شدائدهم دينًا لا يتأخر عن أدائه .
كانت أم دولة امرأة من طراز خاص؛ لها هيبة لا تحتاج إلى إعلان، وقلب طيب يعرفه كل من عاشرها، وصوت مميز لا تخطئه الأذن ، كانت من النساء اللاتي يكفي حضورهن ليعرف النّاس أنّهنّ في المكان ، ولا تكاد صورة أم دولة تفارق ذهني وهي تخرج من بيتها في طلعتها الصباحية إلى السوق ، إذ كانت ترتدي ثوبها السوداني الأنيق، الأبيض أو الأقرب إلى البياض، فيزيدها وقارًا وأناقة ، وتضع نظارتها التي كانت تمنح وجهها شيئًا من الجدية والتميّز ، تمشي مستقيمة القامة، هادئة الخطوة، واثقة المشية، وتحمل غالبًا قُفّتها المصنوعة من سعف النخيل؛ متوسطة الحجم، نظيفة ومرتبة، تضع فيها ما تشتريه من السوق، لكن مشوار أم دولة للسوق لم يكن مجرد رحلة لقضاء حاجة ، كان طريقًا يوميًا يمر على الناس ويصل البيوت ببعضها ،كانت تخرج من بيتها إلى الزقاق الضيق، يحيط بها بيت حنينة من ناحية وبيت مريومة أم الأستاذة الفاضلة نفيسة محمد أحمد من الناحية الأخرى ، وما إن تخرج من الزقاق حتى تواجه بيوت حبوباتنا فاطمة بنت ضيف الله وبناتها آمنة وأم هانئ، بنات سماحة، وحبوبتنا آمنة بنت عبد الله، ثم تمر شمالًا على الحاجة هدية ، وربما لا يستغرق ذلك أكثر من نصف ساعة، أو أقل قليلًا، لكنها كانت نصف ساعة مليئة بالسلام والحديث والمودة والابتسام .
كان حوش فاطمة بنت ضيف الله من الحيشان التي تتسع للجميع كذلك ، لا يشعر الداخل إليه أنّه غريب، ولا يحتاج الزائر إلى موعد ، وفي أحد جوانبه كانت تقف شجرة لالوب طويلة وارفة مثمرة، تجاور منزل صديق تمساح ، وكانت الطيور تتخذ من أغصانها مأوى في الصباح والمساء، فتضج الشجرة بأصواتها، وتختلط زقزقتها خاصة عند تباشير المساء بأحاديث النساء وحركة البيت، وكانت فاطمة بنت ضيف الله كريمة بطبعها، لا يكاد يدخل بيتها زائر إلا ويشرب من قهوتها ،وكانت القهوة عندها حاضرة صباحًا وظهرًا ومساءً؛ لم تكن مجرد مشروب، وإنما كانت طقسًا من طقوس الترحيب، وعلامة على كرم البيت وأهله، فصناعة القهوة كانت عملا فخيما عند فاطمة بنت ضيف الله ، يبدأ بتجهيز البن وتنظيفه ، ثم قليه على النّار ، ثم شمّ الدخان الصاعد من البن بواسطة الجميع وربما تمرر عليهم المقلاة لتكتمل عملية الشم ، ومن ثم تبدأ عملية طحن البن في الغالب في فُندُك "هاون" من حديد وكان هذا الجانب الذي نطرب له كأطفال ، إذ لم يكن سحن البن سحنا عاديا ، خاصة إن كان من يقوم بعملية السحن أم هانيء بنت سماحة ،فهو سيمفونية نستمتع بها ، مع كل ثلاث طرقات تتغير النغمة وكأنما اسمعها في أذني الآن "دَقْ دَقْ دَقْ… كَشْكِشْ؛ دَقْ دَقْ دَقْ… كَشْكِشْ ، فيعمل البن عمل الكشكوش في تكملة الموسيقي ، ومن بعدها تغلى القهوة وتصفى وتقدم على مراحل ، البكري والتني والتلتاوي ، أما الأطفال فلا يسمح لهم إلا شراب البركة وهي المرحلة الآخيرة التي تكون فيها القهوة مخففة إلى درجة عالية. لم يكن يهمنا من القهوة سوى الموسيقى الناشئة عن طحن البن وشراب البركة في آخر المطاف . وكذلك كانت هنالك كثير من الحكاوي بواسطة حبوباتنا فاطمة بنت ضيف الله وبناتها وبنات بناتها ونكون محظوظين إذا جلست أم دولة لشرب القهوة ، فمعها تأتي الحكايات والأخبار والنوادر، ويعلو صوتها المميز، وتتحرك الذاكرة من قصة إلى أخرى، فتضحك مرة، وتعلّق مرة، وتترك في المجلس شيئًا من حضورها حتى بعد أن تغادر ، ثم تواصل أم دولة طريقها إلى السوق، كان طريقها المعتاد يمر من جهة أولاد الخليل جنوبًا وأم الرضا شمالًا، ثم يتجه عبر بيوت أولاد كرم الله، وصولًا إلى السوق الذي يبدأ عندنا من سوق القش، ودكان عبد الله ود حمد وأخته بخيتة، وطاحونة أولاد إدريس، وفرن البخيت ود شاور، ثم يمتد إلى سوق الخضار والجزارة وغيرها من معالم السوق،كانت أم دولة تشتري لحمتها في الغالب من أولاد علي عبد الخير وكانو يشتهرون بالدعابة والروح اللطيفة وشاركهم في هذه الدعابة السر عبد العال كذلك . قد يصحب أم الدولة للسوق أحد خدامها وأذكر منهم لوكا في الأيام العادية أما في الإجازات والعطل قد يصحبها أبناء أخيها يس أحمد خوجلي والرّيح عمر خوجلي.أمّا الطريق إلى السوق فكان مليئا بالشخصيات والتي لا يمكن أن تمر عليها أم دولة دون أن تكون لها معها كلمة أو وقفة أو سؤال عن حال.
أذكر بت أبو الرُّضا، جدة عبد الفراج ووهبي وشاكر وإن كنت في صغري أنطقها أبو الرُّضا، كان لها قدرة فول مميزة تشكل مصدرا لفطور أهل الحي قاطبة، كما أنها تتميز بتقديم سندوتشات الفول بطريقة يحبها الأطفال وتكون وجبتهم المدرسية في الغالب. كانت بت أبو الرُّضا إمرأة ذات شخصية قوية ولها قدرة عجيبة على ترويض الأطفال المشاغبين والمتمردين فكانت الأمهات يكفيهن ذكر إسمها ليغير الطفل عادته السيئة أو ليتوقف عن البكاء ، وما أظن أنّ طفلًا كان يمر بذلك الشارع وهو يبكي إلا ويسرع إلى كفكفة دموعه، خشية أن تراه بت أبو الرُّضا! ومع ذلك، كانت وراء تلك الصرامة امرأة ذات قلب كبير وحنون، تكسب رزقها من حلال يدها ، وربما كان الجمع بين الشدة والحنان هو ما جعل صورتها تبقى في ذاكرة من عرفها ،ثم تأتي بخيته بنت حمد صباحي، امرأة عصامية أخرى، كانت تأكل من عرق جبينها وتسترزق من بيع الخضار. وكانت لها عبارة ترددها دائمًا: «من القُّوة إلى الهُّوة»، كانت تقولها وكأنها تلخص بها شيئًا من فلسفة الحياة، حتى أصبح قولها نفسه جزءًا من حكايتها.
هكذا لم يكن الطريق إلى السوق طريقًا عابرًا بالنسبة إلى أم دولة؛ كان عالمًا اجتماعيًا كاملًا، كل بيت فيه وجه تعرفه، وكل وجه وراءه حكاية، وكل لقاء يحمل سلامًا أو سؤالًا أو ابتسامة ،ولعل هذا يفسر شيئًا من المحبة التي كان الناس يكنُّونها لها فقد كانت أم دولة تعرف الناس وتعرف تفاصيل حياتهم، لكنها في المقابل كانت تمنحهم شيئًا من نفسها، لم تكن علاقاتها بالناس قائمة على المجاملة العابرة، بل على الوفاء والسؤال والمشاركة ، كيف لا وهي ابنة بيت صوفي محب للرسول وأهل الله، ويعظم أمر السلوك تعظيما راقيا ،وانعكس ذلك على معاملتها لمن حولها ، إذ كانت تعاملهم بكرامة، ولا ترى قيمة الإنسان في مهنته أو مكانته الاجتماعية ، وحتى الذين يعملون في بيتها كانوا يجدون منها معاملة طيبة تشعرهم بأنهم من أهل الدار، وأذكرمنهم لوكا، وكان جنوبيًا طويل القامة، قوي الشخصية، يتصرف أحيانًا وكأنه صاحب البيت لا خادمه، وكنّا أنا ويس نخشاه في كثير من المرات ، ليس لأنه كان يؤذينا، وإنما لأنّ حضوره كان قويًا، وصوته وهيبته يفرضان نفسيهما علينا، ولنا معه كثير من المواقف الطريفة ، خاصة عندما نأتي أنا والأخ يس من المدرسة عائدين ، كانت هنالك عادة ما يسمى بالتصبيرة وهي وجبة تسبق وجبة الغداء للطلاب العائدين من المدارس ، فكانت هذه التصبيرة إما أن تكون مع أم دولة أو مع والدتي ليلى خالد الميز ، لم تكن القيمة في الطعام ولكن في من يقدم لك هذا الطعام بمحبة ورفق ، وحين أفكر في الأمر الآن، أجد أنّ قوة شخصية لوكا نفسها كانت دليلًا على حسن معاملة أهل البيت له؛ فقد كان يشعر بالأمان والانتماء إلى درجة جعلته يتصرف كواحد من أصحاب الدار دون ترد ، ولا أدري أين رمى الزمن بلوكا اليوم.

وفي منزل حنينة كان هناك خادم آخر اسمه جيمس، وكان هو الآخر يعامل معاملة حسنة، ويلعب مع أبناء الحي كأنه واحد منهم ، ونحن أطفال، لم يكن يخطر ببالنا أنّ لوكا أو جيمس "غرباء"؛ كانا جزءًا من المشهد الذي ألفناه، ومن الوجوه التي شكلت طفولتنا،
وربما كان هذا من أجمل ما في ذلك الزمن ، إذ أنّ الإنسان كان يُعرف بإنسانيته قبل وظيفته.
كان الأطفال غالبا ما يلعبون الكرة ، البلي ، الجري أو الألعاب الآخرى في الشارع الذي يمتد من الجمعية التعاونية من بيت حاجة هدية إلى بيت شمّة بنت الكباشي ، أومن بيت خضرة إلى بيت محمد صباحي ، أوفي الفسحة التي أمام بيت بهانة أم آدم حامد ، أو من أمام بيت أم دولة الناحية الشرقية إلى المزيرة عند دكان كبير ، كانت تلك الشوارع والفسحات تضج بالأطفال والصبية وحركتهم الدؤوبة في العصريات وممّا أذكره وأنا في الصف الثاني الإبتدائي في أنّ أحدهم نهرني ومنعني من لعب الكرة معهم لصغر سنّي ،أظن أنّه مدثر حسن الجعلي الذي كان يكبرني سنا عليه رحمة الله فركضت مسرعا إلى خالتي نوال التي كانت دائما ما تدافع عنّي ، فجاءت محمّلة بقليل من الطوب وكثير من الغضب وطردت كل من في الميدان ، فركضوا جميعا خائفين من بطشتها وهنا خرج جيمس من بيت حنينة وأراد أن يطيب بخاطر نوال ويعرف أصل المشكلة فقال لها بلهجة ملكونة : نوال ماَلك بفتح اللام بدلا من كسرها ، وهنا ضحك الجميع على نوال وأصبحوا يعيرونها كل فترة نوال مالَك ، كان لأم دولة وجميع أمهاتنا دورا إيجابيا في تنظيم لعب الأطفال وحمايتهم ومراقبتهم من كل سوء ، كان الشارع مكانا آمنا في وجود أمهاتنا فيه ومراقبتهم لنا ، أو على الأقل الإطمئنان على من يلعبون معنا .
في العصريات يصبح الحوش في بيت أم دولة جنّة يلوذ بها الأطفال والكبار , و ما أن تخف حرارة النّهار وتميل الشمس إلى المغيب، حتى يُرش الحوش بالماء وتُفرش الأرض، فتتغير رائحة المكان وتختلط بعبق أشجار الحناء التي كانت تنتشر في معظم البيوت ، تهب النسائم ويهدأ ضجيج النهار ويبدأ فصلا جديدا من اليوم ، فتجلس أم دولو مع أخواتها بنت المنى وسيدة، وتستريح من رهق النّهار، أمّا نحن الأطفال نلعب ونركض، ثم نعود إلى الحوش،ونستمع إلى الألغاز والأحاجي وكانت أم دولة لا تعزل نفسها عن عالم الأطفال؛ تشاركنا أحيانًا، وتسألنا، وتضحك معنا، وربما طرحت علينا أحجية من أحاجي زمانن فننشغل جميعًا بمحاولة حلها؛ واحد يقدم إجابة بعيدة، وآخر يصر على رأيه، والثالث يضحك من إجابة الجميع، ثم تظهر الإجابة الصحيحة، فنشعر وكأننا حققنا فتحًا عظيمًا.
كان البيت مملوءًا بالحياة في الصباح أيضًا ، كنت أنا وأخي يس، ونحن يومها في الصف الثاني الابتدائي، ننتظر بعضنا بعضًا عند نواحي الجمعية التعاونية التي كان موقعها في الركن الغربي من منزل محمد أحمد الإمام، زوج هدية أم الإمام، وخوجلي وفتحو وسيد والأستاذ الأمين ، كانت تفاصيل الصباح تمر أمامنا في مشاهد يومية لا تكاد تتغير كثيرا، نرى عمرود أم دولة ينتظر عربة الجيش التي تقله إلى عمله، فقد كان وقتها ضابطًا في الجيش السوداني. وما كان يميزه عندي، أكثر من أي شيء آخر، صوته الجهور وضحكته المجلجلة ، كان يمرعلى ديواننا في الصباح، غالبا من الشباك، فيُصبح على من فيه، ومنهم آبائي إبراهيم الميز وخالد الميز ووالدي الطيب وكل من يكون في الديوان، فيعرف الجميع أن عمر قد مر من هنا، كانت تلك البيوت، في حقيقتها، أكثر من مساكن، كانت فضاءات للحياة والتكافل والضحك و عيادة المرضى والمناسبات والزيارات.
كانت لأم دولة علاقة خاصة بأخواتها، بنت المنى وسيدة؛ فقد كنّ توائم روحها، كما كانت هذه العلاقة بنفس القوة بأخويها أحمد خوجلي وعمر خوجلي. أمّا الريح ويس، فكنا نظنهما أبناء أم دولة نفسها، من شدة قربهما منها وملازمتهما لها، حتى لم يخطر ببالنا أنهما في الأصل ابنا أخويها.وكانت أم دولة، إلى جانب حنانها وقربها منهما، شديدة الحرص على تعليمهما، ولا سيما يس ، فقد اهتمت بنفسها بتسجيله في مدرسة حلفاية الملوك الابتدائية، ولم تكتفِ بذلك، بل أوصت عليه الأستاذ فيصل النّو، طالبةً منه أن يتابعه عن كثب، وأن يحرص على مراقبته، خاصةً فيما يتعلق بكثرة اللعب، حرصًا منها على أن ينصرف إلى دراسته ويأخذ تعليمه مأخذ الجد وهذا دليل على تعظيم دور التعليم عند أم دولة .
كان بيت أم دولة ليس بيتا عاديا من فريق قدام ، كان بيتا يسع الجميع الأهل والجيران والأحباب مع نافذة معتبرة للأطفال ولكن وراء كل هذا الجمال والحضن الدافئ لبيت أم دولة كان هناك قصة إمرآة واجهت إمتحانا قاسيا في ريعان شبابها ، فقد توفى زوجها عبد الرحيم أبوبكر"الناظر"، الموظف الكبير في الدولة في حادث حركة أليم ناحية بابور الحكومة ، الحد الفاصل بين الحلفاية وشمبات ، فإذا بها تجد نفسها أمام مسؤولية كبيرة وهمّ ثقيل ، فقدت زوجها ومازال أبناؤها وبناتها في مراحل تعليمهم المختلفة فأضحت هي المسؤولة عن تدبير شؤؤن بيتها وتنشئة أبنائها وبناتها ، غير أنّ المحن لا تكشف دائما ضعف الإنسان ، بل أحيانا كثيرة تفتح طاقات واسعة لمقدرته وقوته وصموده التي ماكان ليتعرف عليها وكما يقال في أنّ المنح تأتي من المحن وهذا ما حدث لأم دولة ، فقد جعلتها المصيبة أكثر صلابة، وأشد عزمًا، وأقدر على حمل المسؤولية. لم تجعل من فقد زوجها نهاية لحياتها، ولم تسمح للحزن أن يبتلع مستقبل أبنائها ، حملت ما عليها، ومضت، كانت لهم أمًا وأبًا، وسندًا ومرجعًا، حتى شب أبناؤها وبناتها وبدأ كل واحد منهم يشق طريقه، وكان نجاحهم خير شهادة على نجاحها، فقد أصبح الخبير خوجلي علمًا في الاقتصاد، وتبوأ مراكز مرموقة في السودان وغرب أفريقيا وموظفا كبيرا بالصندوق العربي للإنماء بالكويت، أما عمر فقد التحق بالكلية الحربية وتدرج فيها حتى أصبح من أعلامها وأساتذتها، وارتبط اسمه بالتدريب والتعليم العسكري في جبيت وغيرها ، وعندما تقاعد من الجيش واصل مسيرته كرجل أعمال له صيته داخل وخارج السودان، أما فوزية أو كما يحلو لنا أن نسميها أمّنا فوزية، كان لها دور مهم في رعاية الأطفال وتنشئتهم ، بينما ارتقت نادية وكوثر في مدارج العمل المصرفي، ونالتا مكانة طيبة في البنوك السودانية.وعندما ننظر إلى هذه المسيرة اليوم، يصبح من الصعب ألا نرى وراءها تلك المرأة التي حملت عبء البيت في أصعب مراحله. وصدق الشاعر حين قال :
الأم مـدرسـة إذا أعـددتـهـا أعددت شعبـا طيـب الأعـراق
الأم روض إن تعهـده الحـيـا بالـري أورق أيـمـا إيــراق
الأم أستـاذ الأساتـذة الألــى شغلت مآثرهـم مـدى الآفـاق
ولعل أبيات حافظ إبراهيم هي أصدق ما قيل في الأمهات ووتنطبق هذه الأبيات على أم دولة فكانت فعلا مدرسة وأستاذة الأساتذة ،.لم تترك وراءها أبناءً وبناتٍ يحملون أسماءهم ومراكزهم فحسب؛ تركت أثرًا فيهم وفي كل من عاش قريبًا منها ومازال هذا الأثر يمتد ليشمل أحفادها..
وهكذا بقيت أم دولة في ذاكرتي؛ إمرأة جمعت بين الهيبة والحنان، الصرامة والرحمة، و قوة الشخصية ودفء القلب امرأةً صنعت من المحنة منحة ، ومن المسؤولية رسالة، ومن حياتها أثرًا لا يمحوه الزمن. لم تكن مجرد امرأة عابرة ، بل حفرت معاني في القلوب لا يمكن للزمن أن يمحوها ورحلت أم دولة وبقيت سيرتها؛ كأنها آخر ضوءٍ من زمنٍ جميل، كلما أظلمت الذاكرة أضاءته.
تم تكريم أم دولة بتقليدها وسام الجدارة الذي استحقه زوجها، عبد الرحيم أبو بكر" الناظر"، عام 1997، من رئاسة الجمهورية، تقديراً لما قدمه من عطاء وتفانٍ، وتكريماً لمسيرته المشرفة. وقد حملت أم دولة هذا الوسام على صدرها بإعتزاز، ليظل شاهداً على ذلك التكريم الرفيع ومكانة الأسرة وتاريخها في العطاء.