​نقد نقد: المسرح الوطني.. حضور الاحتفالي والدعاية وتغييب الفكري كتبه ​يوسف أرسطو

​نقد نقد: المسرح الوطني.. حضور الاحتفالي والدعاية وتغييب الفكري كتبه ​يوسف أرسطو


09-06-2026, 11:50 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788691837&rn=0


Post: #1
Title: ​نقد نقد: المسرح الوطني.. حضور الاحتفالي والدعاية وتغييب الفكري كتبه ​يوسف أرسطو
Author: يوسف ارسطو
Date: 09-06-2026, 11:50 AM

11:50 AM September, 06 2026

سودانيز اون لاين
يوسف ارسطو-السودان
مكتبتى
رابط مختصر





​توطئة:
النقد ليس مجرد إبداء رأي شخصي أو هجوم على الآخرين؛ النقد في جوهره هو عملية تحليلية وفكرية واعية تهدف إلى فهم الأعمال والأفكار والظواهر، وتقييمها، والكشف عن نقاط القوة والضعف فيها بناءً على معايير موضوعية. ومن هذا الباب كتبتُ عن "المسرح الوطني" أكثر من مقال أحسبها نقداً بناءً.
​واليوم، أعيد تناول أحد تلك المقالات لمزيد من النقد والمراجعة بمناسبة عودة المهرجان في دورة تنشيطية تمهد لعودته بصورته المعروفة. نرحب بدايةً بعودة المهرجان وبأي فعل يحرك ساكن الدراما والمشهد الثقافي؛ ففي ذلك مَحمَدة كبيرة نحتاجها ليقول الفن قوله بوسيلته وأدواته.
​أما المقال الذي أحسبه نقداً، فقد كتبته ونشرته في العام السابق عبر منصتي بالفيسبوك، بطابعها الخفيف والمناسب للتداول الفوري. وكان الدافع وراءه خبرٌ زاع في الأسافير -في خضم وعنفوان الحرب- مفاده أن دار الوثائق حُرقت ودُمرت وفُقد ما فيها. حينها جال بخاطري: ماذا عن تراثنا المسرحي الضئيل؟ وهل ما كُتب في مهرجان البقعة محفوظ كما كنا نسمع؟ وإذا كان محفوظاً فلماذا لم يُنشر؟ ولماذا لا نملك دار نشر خاصة بالمسرح والدراما أم أن الأمر لا يستحق؟ ومن هنا جاء المقال:
​نص المقال الأصلي: (المسرح الوطني: حضور الاحتفالي والدعاية وتغييب الفكري)
​لا يختلف اثنان في السودان على أن مشروع المسرح الوطني -لصاحبه الأستاذ علي مهدي نوري ورهطه- يُعد من أكبر المشروعات المسرحية في السودان وشرق إفريقيا، بل وربما تجاوز تجارب عديد المسارح الوطنية عربياً وإفريقياً. يعود ذلك إلى تنظيمه إحدى وعشرين دورة من نشاطه الأهم: "مهرجان البقعة"، الذي بدأ بالعاصمة القومية الخرطوم ثم اتسعت دوائره لتشمل مدن الولايات مثل الأبيض، بورتسودان، مدني، وكسلا، ليتطور بعد ذلك بمشاركات عربية وإفريقية وأوروبية، بل وحتى من أمريكا. هذا جهد كبير لنفر وليس لدولة، ويستحق كل التقدير والاحترام لما بُذل فيه.
​نشير إلى أن المهرجان كان في غاية الأبهة والفخامة والبرستيج، وذلك لتوفره على سلطة ونفوذ يتجاوزان إمكانيات وزارة الثقافة وإدارة الفنون -وهي أعلى المؤسسات الوطنية المسؤولة عن هذه التظاهرات. وربما لأن المؤسسة الرسمية استُصغرت وهُمشت من قِبل مشروع المسرح الوطني، كان المهرجان -رغم زخمه وأدواره الدعائية لرعاته داخلياً وخارجياً- مثار عدم رضا وبغض إداري لدى تلك الجهات الرسمية، لكونه استحوذ على هذا الدور وهو ليس هيئة وطنية رسمية.
​أما فيما يتعلق بالعروض، فقد طور المشروع خبرات عشرات الفنيين عبر ما يُعرف بـ "الورشة المركزية"، كما أقام عدداً مقدراً من الورش المسرحية، ومثلها "خيمة النقد" و"الملتقى الفكري"، إلى جانب وجود كتاب (شخصية المهرجان)، والإصدارة الخاصة بالمهرجان، وبعض الخيام ذات الطابع التوثيقي.
​في "خيمة النقد"، ساهم المشروع في تقديم وتطوير خريجي مدرسة النقد، وقُدّم ما يتجاوز المائتين من الدراسات التطبيقية على العروض، وحظيت بحوارات ونقاشات مثمرة، تتوازى مع ما قُدّم في "الملتقى الفكري".
​لكن رغم ضخامة المجهود والإمكانات والرعاية السيادية، أُهملت الجوانب الفكرية قصداً؛ حيث لم يهتم المشروع بنشر مئات الدراسات التي قُدّمت في النقد التطبيقي والملتقى الفكري. الخوف كل الخوف أن تضيع جل تلك الجهود أو يُقصد إتلافها، وهو ما يعد في حد ذاته سابقة كبيرة تستحق المساءلة والمحاسبة. وإن لم يكن الأمر كذلك، فالمشروع برمته يصبح استغلالاً للمسرح بذريعة الدعاية والترويج لشخوص أو مشروعات في هذا المحفل.. وإلا، فليبرروا لنا إهمال البُعد الفكري مع توفر ظروف النشر والتكسب منه! (انتهى المقال)
​قراءة نقدية لمضمون المقال (نقد النقد):
​عند إعادة قراءة هذا المقال، نجد أنه يتجاوز انطباعية الطرح ليقدم تشخيصاً موضوعياً لتجربة مهرجان البقعة والمسرح الوطني، ويمكن تكثيف أبعاده النقدية في المحاور التالية:
​التوازنات وإحقاق الحق: لم يغفل المقال الجهد الاستثنائي للقيادة التنفيذية للمشروع (الأستاذ علي مهدي ورفاقه)، إذ أبرز اتساع الجغرافيا المسرحية من العاصمة إلى الولايات (الأبيض، بورتسودان، مدني، كسلا)، وصولاً إلى البُعد الدولي.
​التشخيص المؤسسي والسياسي: أشار المقال بوضوح إلى معضلة تقاطع السلطة والسيطرة، وكيف استطاع مشروع أهلي/فردي يتكئ على نفوذ عالي المستوى أن يتجاوز أجهزة الدولة الرسمية (وزارة الثقافة وإدارة الفنون)، مما خلق حالة من الجفاء المؤسسي والغبن الإداري بين المبادرة الخاصة والمؤسسة الحكومية.
​تثمين المنجز العملي: أشاد النص بالأدوار الإيجابية الملموسة، مثل تأهيل الكوادر الفنية عبر الورشة المركزية، وتنشيط حركة النقد التطبيقي عبر "خيمة النقد" التي خرجت مئات الدراسات وقدمت أجيالاً من النقاد.
​جوهر الأزمة (غياب التوثيق والنشر الفكري): تتجسد القيمة الحقيقية للمقال في وضع اليد على الإشكالية المركزية: التناقض الصارخ بين المظهر الاحتفالي والجوهر المعرفي.
​إهدار الحمولة الفكرية: إن تقديم أكثر من مائتي دراسة تطبيقية في خيمة النقد وأوراق الملتقى الفكري دون طباعتها ونشرها وتعميمها على المكتبات والباحثين، يعكس تعاملاً استهلاكياً مع المادة العلمية؛ إذ تُستغل لتأثيث الفعالية شكلياً ثم تُترك للاندثار.
​الاستغلال الأيديولوجي والدعائي: يطرح المقال تساؤلاً مشروعاً وحاداً: إذا كانت الإمكانات والرعاية السيادية والرعاة متوفرين بكثرة، فما السر في إهمال النشر؟ إن الاكتفاء بـ "الشو الإعلامي" وترويج الرعاة والأشخاص دون تخليد الإنتاج المعرفي يحول المهرجان من مشروع تأسيسي ثقيل إلى مجرد مظاهرة احتفالية عابرة.
​خاتمة:
يمثل المقال دعوة جادة للمساءلة الثقافية والأخلاقية، حيث يضع أصبعه على جرح غائر في التجربة المسرحية السودانية: غياب توثيق التجربة الفكرية والارتهان للاحتفالية الشفاهية الزائلة. إن طباعة تلك المئات من الدراسات والملتقيات الفكرية كانت كفيلة بتأسيس مكتبة مسرحية سودانية مرجعية للباحثين والدارسين والناشئة، والشباب وإهمالها -سواء كان تقصيراً أم زهدًا في الفكر- يعد خسارة كبيرة للتاريخ المسرحي السوداني.