Post: #1
Title: لغات منطقة البحر الأحمر: الروابط التاريخية والسمات اللغوية(3) كتبه د. حسن علي أدروب
Author: د.حسن علي أدروب
Date: 09-05-2026, 00:10 AM
00:10 AM September, 04 2026 سودانيز اون لاين د.حسن علي أدروب-عمان مكتبتى رابط مختصر
د. حسن علي أدروب 3 سبتمبر 2026 Inline image أتقدم بوافر الشكر والتقدير للزملاء والطلاب والباحثين في مجال اللغة الذين تواصلوا معي للتعليق على المقالين الأول والثاني، وطرحوا العديد من التساؤلات والملاحظات التي شجعتني على المضي قدمًا في البحث عن أصول بعض المفردات، ومحاولة ربطها بالسياق الأوسع للغات الأفروآسيوية، ومن بينها العربية والبجاوية. وقد اتخذ هذا البحث منحًى تاريخيًا ومجتمعيًا يفتح آفاقًا جديدة للتفكير، ويشبع فضول الباحثين عن الحقيقة اللغوية والتاريخية. وبعد نشر مقال الأمس، انهالت عليّ العديد من التساؤلات من جهات مختلفة، وجميعها تمثل مجالات تستحق البحث والتحقق. وإذا كان البشر جميعًا ينحدرون من أصل واحد، فإن فرص المقارنة والتقارب بينهم قد تكون أوسع بكثير من مظاهر التشظي والانكفاء كلٌّ في مجاله. ومن هنا تأتي هذه الدعوة إلى الجميع للإدلاء بدلوهم والمشاركة في هذا الحوار، لتكون فرصة لتلاقح الأفكار ولمّ الشمل، على الأقل في المجال اللغوي.
لا شك أن المقالين السابقين سعيا إلى التأكيد على أن اللغات الأفروآسيوية جديرة بمزيد من البحث والدراسة، ومن بينها البجاوية والعربية، اللتان تتقاطعان في عدد من السمات اللغوية، ومن أبرزها بنية الجذور الفعلية. ويلاحظ أن نسبة كبيرة من هذه الجذور تتكون من ثلاثة أصوات، مع قابليتها لإضافة عناصر صرفية مختلفة، سواء في صورة سوابق أو لواحق أثناء التصريف، وكذلك في التمييز بين التذكير والتأنيث.
كما تتفق اللغتان، العربية والبجاوية، في ظاهرة التغيير الداخلي في بنية الكلمة، وهي ظاهرة تستحق دراسة مستقلة، وسوف نتناولها بمزيد من التفصيل في مقالات قادمة.
في إطار حديثنا عن بعض المفردات التي قد تحمل أكثر من دلالة أو تستخدم في سياقات متعددة، توصلت، من خلال مسودة للباحث أدروب عبدالله، إلى بعض الملاحظات حول أصول عدد من المفردات التي قد تكون ذات جذور كوشية، وهو ما يبدو من بعض خصائصها البنيوية. وفي المقابل، فإن بعض المفردات ذات الأصل السامي قد تكون قديمة في اللغات التي تنتمي إليها، أو تكون قد انتقلت من لغة إلى أخرى بفعل التواصل التاريخي والجغرافي بين المجتمعات.
ومن المفردات التي أثارها الزميل عماد اهتمامه بكلمة «مِريا» في اللغة البجاوية، والتي تستخدم بمعنى «مبروك»، وغالبًا ما تأتي في صيغة خطابية عند تقديم التهنئة في مناسبات مثل الزواج، أو إنجاب طفل، أو غير ذلك من المناسبات السعيدة.
وتظهر هذه الكلمة في البجاوية بعدة صيغ بحسب المخاطَب والسياق. فتقال للمذكر بصيغة «مِريا»، وللمؤنث بصيغة «مِريِ». كما يمكن استخدامها عند مخاطبة الجمع بصيغة «مِرينا» للمذكر والمؤنث. وتظهر كذلك صيغ للنفي بإضافة عناصر صرفية، مثل «با مَريا» أو «بي مَري»، بحسب السياق والصيغة المستخدمة.
واللافت أن هذا البناء لا يقتصر على معنى التهنئة؛ إذ تظهر صيغ صوتية قريبة منه في التعبير عن معنى العثور أو الحصول على شيء. فعلى سبيل المثال، تأتي (أمْرِ) بمعنى (وجدته) عند الحديث عن المذكر، بينما تأتي (تِمْر) بمعنى (وجدتها) عند الحديث عن المؤنث، بإضافة الزيادة المرتبطة بالتأنيث، كما ناقشنا في المقال السابق. أما في صيغة الجمع فتظهر صيغ مثل (أمرينا) و(تمرينا) للمذكر والمؤنث على التوالي، مع إضافة اللاحقة (نا).
وتظهر كذلك صيغ نفي مختلفة، مثل (مِراب كاكِ) و(مِرات كاك)، للدلالة على معنى «لم أجدها» في سياقات مختلفة، حيث تظهر عناصر صرفية خاصة بالنفي والتأنيث تختلف عن الصيغ الأكثر شيوعًا. وعند التعبير عن شخص غائب، نجد مثلًا (مِرات كِتِّ) للمؤنث، بمعنى (لم تجدها)، أو (مِراب كِيكِ)، بمعنى (لم يجدها) في صيغة المفرد الغائب.
إضافة إلى ذلك، وجدت كلمة «مِريا» موثقة ضمن بعض الأغاني الشعبية البجاوية، ومن بينها أغنية (إدوبا)، وهي من الأغاني المرتبطة بالعرس، حيث يتمنى الشاعر للعريس المال الوفير والذرية والنجاح في حياته الزوجية. فالمفردة وردت (أومْراي) للدلالة على البركة والزواج الناجح، وما يصاحبه من المال والولد والرخاء.
ومن هنا يبرز سؤال آخر يستحق البحث: هل يمكن أن تكون هناك علاقة بين كلمة (مَرأ) في البجاوية، التي تعني (واسع)، وبين (مِريا) التي تستخدم في سياق التهنئة والدعاء بالخير والوفرة؟ فعلى سبيل المثال، يقال في البجاوية (مَرأ وِيا) بمعنى (شتاء طويل)، كما ترد عبارة (مَرأ رِزق) للدلالة على (رزق واسع). وهنا نلاحظ تقاربًا دلاليًا وصوتيًا يستحق الدراسة، وإن كان إثبات العلاقة الاشتقاقية بين هذه الألفاظ يحتاج إلى مزيد من الأدلة والمقارنات اللغوية.
ومن المثير للاهتمام أن نجد في العربية لفظ (مري) مستخدمًا في سياقات ترتبط بوفرة الخير والعطاء. ومن خلال البحث في موقع مجمع اللغة العربية بالقاهرة https://www.arabicacademy.gov.eg/ar ، وجدت أن لفظ (مري) يرد بمعانٍ من بينها (الناقة الغزيرة اللبن)، وكذلك (العرق الذي يمتلئ ويدر باللبن)، كما يرد بمعنى مرتبط (بالسحاب الماطر وما يحمله من خير.
وهنا تظهر مساحة أخرى للمقارنة. ففي البيئات الصحراوية والرعوية، كان اللبن والماشية والمطر من أهم مظاهر الحياة والرخاء. ولذلك ليس مستغربًا أن ترتبط بعض الألفاظ التي تحمل معاني الخير والوفرة والنماء بهذه العناصر الأساسية في حياة المجتمعات القديمة. ومن هذه الزاوية، يمكن أن نطرح فرضية مفادها أن استخدام (مِريا) في البجاوية بوصفها تعبيرًا عن التهنئة والدعاء بالخير والبركة قد يكون مرتبطًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذا الحقل الدلالي القديم الذي يجمع بين الوفرة، والتدفق، والنماء.
والمشترك الدلالي الذي يمكن ملاحظته بين بعض هذه الاستعمالات هو مفهوم الدرور والتدفق. فالعربية تربط اللفظ في بعض استعمالاته بتدفق اللبن والمطر والخير الحسي، بينما يمكن أن تُفهم البجاوية (مِريا) من زاوية تدفق الخير الاجتماعي والنماء البشري، خصوصًا في سياقات الزواج والإنجاب والرزق.
وهذا النوع من الترابط بين اللغة والبيئة ليس غريبًا؛ إذ كثيرًا ما ارتبطت المفردات المحمودة في المجتمعات الرعوية والزراعية بمظاهر البقاء والنماء، مثل الماء واللبن والمطر والماشية والنسل. ولعل اسم (مَاري) والذي يعني (ولد البقرة الوحشية البيضاء الملساء) يكون مرتبطاً بها.
وعليه، فإن التشابه بين هذه المفردات لا ينبغي أن يُعد وحده دليلًا قاطعًا على وحدة الأصل، لكنه يمثل قرينة لغوية ودلالية تستحق الدراسة والمقارنة. فقد يكون التشابه ناتجًا عن أصل لغوي مشترك، أو عن تواصل تاريخي بين اللغات، أو عن تطور دلالي متوازٍ فرضته البيئة المشتركة وظروف الحياة المتقاربة.
وهنا تكمن أهمية دراسة لغات منطقة البحر الأحمر ضمن فضائها التاريخي والجغرافي، بدل النظر إليها بوصفها لغات منفصلة تمامًا عن بعضها. فالتواصل بين المجتمعات على جانبي البحر الأحمر قديم، ومن الطبيعي أن يترك هذا التواصل آثاره في المفردات والأصوات والتراكيب والدلالات.
ومن خلال مشاركات الباحثين وإثراء النقاش حول المقالين السابقين، اتسع مجال البحث اليوم ليتركز على مفردة واحدة شائعة في البجاوية، مع محاولة تتبع دلالاتها ومقارنتها بما قد يقابلها في العربية. وقد تعمدت هنا التركيز على لفظة (مِريا) في نطاق ضيق، لا باعتبار أن المسألة قد حُسمت، وإنما باعتبارها فرضية بحثية مفتوحة يمكن للمتخصصين والناطقين باللغة البجاوية والباحثين في اللغات الأفروآسيوية مناقشتها وتأكيدها أو نقدها.
ولذلك، فإنني على استعداد لسماع آراء الخبراء والباحثين، وخاصة المتحدثين الأصليين بالبجاوية والمتخصصين في اللغويات التاريخية والمقارنة، لأن مثل هذه الدراسات لا تكتمل إلا بتضافر المعرفة المحلية مع المنهج العلمي.
|
|