الحلقة الأخيرة في مسلسل الجيش والدعم السريع: معالم الطريق تتكشف كتبه يحيى أبنعوف

الحلقة الأخيرة في مسلسل الجيش والدعم السريع: معالم الطريق تتكشف كتبه يحيى أبنعوف


09-05-2026, 00:06 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788563214&rn=0


Post: #1
Title: الحلقة الأخيرة في مسلسل الجيش والدعم السريع: معالم الطريق تتكشف كتبه يحيى أبنعوف
Author: يحيى ابنعوف
Date: 09-05-2026, 00:06 AM

00:06 AM September, 04 2026

سودانيز اون لاين
يحيى ابنعوف-كندا
مكتبتى
رابط مختصر






​بقلم: يحيى أبنعوف
​يبدو أننا نلج المدار الأخير لسيناريو "حرب السودان"؛ ذلك المسلسل الدمويّ المُهندس بعناية في أروقة جهاز أمن الدولة، وبتدبيرٍ خبيث من قوى المصالح الدولية الطامعة في ثروات أرضنا وشعبنا.
​تتكشف الفصول الأولى لهذه المأساة الوطنية عن تكتيكٍ عسكريٍّ وسياسي مرسوم بدقة متناهية؛ إذ بدأت اللعبة بانسحاباتٍ وانشقاقاتٍ مُفتعلة داخل صفوف الجيش، أُخليت بموجبها المدن والأقاليم لتفتح الباب عريضاً أمام تمدد قوات الدعم السريع وسيطرتها على مفاصل البلاد. ودفع المدنيون العُزل الفاتورة الأقسى قتلاً، ونهباً، واغتصاباً منهجيّاً، وتهجيراً قسرياً، وحصاراً خانقاً أطبق على العاصمة الخرطوم ومعظم مدن وأقاليم السودان في الغرب والشرق والشمال والجنوب. وتسببت هذه الفظائع الشاملة في جرف البنية التحتية، وتفشي المجاعة، وتشريد الملايين بين نزوحٍ ولجوء.
​واليوم، تدور الدائرة ويستكمل المسرح فصلاً آخر من ذات المخطط؛ حيث ينعكس المشهد تماماً بانسحاباتٍ وانشقاقاتٍ جديدة في صفوف الدعم السريع، وعودةٍ للارتماء في "حضن الجيش"، ليكتمل تبادل الأدوار في لعبةٍ أمنيةٍ قديمة يرتدي فيها عناصر الدعم السريع تارةً أزياء جهاز الأمن، وتارةً أزياء الشرطة والجيش، تماماً كما فُعل في الماضي لتصفية الثوار وتكميم ألسنة الحقيقة.
​ثمة حقائق نأبى مواجهتها رغم ساطوع برهانها؛ نغرس رؤوسنا في الرمال فراراً من وجه الحقيقة الفاضحة، لتغيب عنا لعقود. وهنا ينبثق السؤال الملحّ الأول: أين كان البرهان وجيشه عندما كانت قوات الدعم السريع تستبيح منازل المواطنين بالنهب والقتل والاغتصاب؟ إذا كان الهدف المُعلن للجيش هو حماية المواطن، فلماذا أُسقط المواطن عمداً من معادلة الحماية ليكون الضحية الأولى؟ وإذا كان هدف الدعم السريع هو الاستيلاء على السلطة، فلماذا لم يُعلن "البيان الأول" ويشكل حكومته الإدارية بعد أن قبض على القصر الجمهوري، والإذاعة، والقيادة العامة، ومفاصل الدولة في شرارة الحرب الأولى؟ لماذا دخل الخرطوم ابتداءً؟ وكيف انسحب منها ومن أقاليم أخرى؟ ولماذا هذا الإصرار على مواصلة الاستباحة ودكّ ما تبقى من جسد الوطن؟
​تتسع دوائر الأسئلة: لقد كان الجيش يمتلك كافة القدرات الجوية واللوجستية منذ اليوم الأول لرصد ودك أرتال العربات والمدرعات القادمة عبر الحدود من ليبيا وتشاد، لكنه آثر التعامي والصمت المريب! إن هذا التغاضي التعمدي في بداية الحرب، ثم الاستفاقة المفاجئة لقصف تلك الإمدادات اليوم، ليس سوى برهانٍ قاطع على مؤامرةٍ متفق عليها بين الطرفين؛ لإدارة توقيتات التصعيد، واستنزاف القوى، وتمهيد المسرح للسيناريو النهائي.
​إن الحقيقة المرة التي تبدت من تحت ركام هذا الخراب، هي أن الطرفين يلتقيان في غايةٍ واحدة: الانتقام من الشعب السوداني، وإنهاده، وتصفية ثورة ديسمبر المجيدة. فالحركة الإسلامية ليست طرفاً محايداً أو غائباً، بل هي العقل المدبر والروح الموجهة القابعة في عمق أحشاء التشكيلين معاً؛ إذ تتغلغل كوادرها وتتوزع مفاصلها داخل المؤسسة العسكرية وداخل تنظيم الدعم السريع على حدٍّ سواء. ولم تكن هذه الحرب العبثية وليدة المصادفة، بل خطة صاغتها "الثورة المضادة" برعاية هذا الامتداد التنظيمي المزدوج وقيادة جهاز الأمن كملفٍ أخير لتركيع هذا الشعب الأبيّ، وإيصاله إلى أقصى درجات اليأس ليقبل بالأسوأ شريطة الأمان.
​ويتجلى بُعدٌ آخر أكثر خطورة في هذا السيناريو، يتمثل في القمع الممنهج للقوى السياسية والحزبية والمدنية، وإبعادها القسري عن صياغة مستقبل البلاد أو مشاركة الشعب السوداني في تقرير مصيره ودولته. إن المؤتمر المزمع الذي يدعون إليه اليوم، واللقاءات والتفاهمات التي يحشدون لها تحت شعارات السلام والتسوية، ما هي إلا مسرحية خبيثة أخرجتها الحركة الإسلامية المتغلغلة في الجانبين لشرعنة حكم الدعم السريع وسلطة البرهان، وإعطاء غطاء سياسي وقانوني لفرض أمر واقع يُمكّن طرفي النزاع من مناصفة السلطة والنفوذ.
​أما كفاكم دماءً؟ أربعة وخمسون عاماً من بحور الدم والحركة "اللاإسلامية" تسبح في أشلاء الأبرياء في كل ربوع الوطن. لقد أدارت هذه السلطة البلاد طوال العقود الماضية بعقلية "فرق تسد"، وبذر النعرات القبلية، وتوزيع السلاح لتأجيج الغبن الاجتماعي، ضماناً لبقائها في السلطة ونهب ثروات البلاد. لقد فقدنا نحو 900 ألف شهيد نتيجة القصف والاشتباكات، وتجاوز عدد المأزومين بالنزوح واللجوء 12.1 مليون انسان؛ إنها سلسلة مأساوية صُنعت بسبق إصرار.
​اليوم، يدنو المسلسل من حلقته الأخيرة، حيث يُساق الشعب ليختار بين "المرّ والأمرّ منه" تجنباً للأسوأ. وبعد كل هذا الدمار، يرفعون شعار "العودة لحضن الوطن" تحت لافتة عفا الله عما سلف.. ولكن، هل يعفو الدم؟ وهل تدمّل التسويات السياسية جراح وطنٍ يَنزف؟ إن المؤشرات والاتفاقات السرية بين البرهان وحميدتي –بإشراف التمدد الإسلاموي في كلا المعسكرين– تبدو وكأنها توزيع لأوراق اللعبة، ليغدو الوطن كـ "جيم كشتينة"، حيث تلوح في الأفق دعوات الحوار والمؤتمرات المشبوهة ليس لتأسيس دولة ديمقراطية، بل لشرعنة سلطة الأمر الواقع، وشرعنة تقرير المصير، وتقسيم البلاد رسمياً. وهذه هي الكارثة الكبرى التي لن تهدأ معها الحرب ولن يتحقق معها استقرار.
​وأمام هذه اللحظة التاريخية الفارقة، فإنني أتوجه بالنداء المباشر والصريح إلى كافة القوى السياسية، والحزبية، والنقابية، ولجان المقاومة، والفعاليات الوطنية الحية والفاعلة؛ بأن يستنهضوا هممهم ويتصدوا بقوة وحزم لهذا المشروع التدميري والمخطط الخبيث المرسوم بين طرفي الحرب. إن المسؤولية التاريخية تحتم على الجبهة الوطنية العريضة إسقاط كافة محاولات التزييف، والوقوف سداً منيعاً ضد تقاسم السلطة وشرعنة التقسيم، واستعادة زمام المبادرة لبناء سودان الحرية، والسلام، والعدالة، والسيادة الوطنية الوطنية المستقلة.
​وعند قراءة المقال في ضوء المعطيات الميدانية والسياسية، تبرز الركائز الأساسية للمخطط العسكري والسياسي الداعي لتقسيم البلاد؛ حيث يتجلى التكتيك العسكري المزدوج في انسحاب الجيش أولاً لتمكين الدعم السريع، ثم انسحاب الدعم السريع لاحقاً للارتماء في حضن الجيش، بهدف إدارة المشهد الميداني وتداول السيطرة لإكمال فصول مخطط التقسيم وفق جدول زمني محدد. يرافق ذلك ترك منازل ومدن المواطنين في الخرطوم وكافة الولايات مكشوفة للاستباحة والنهب، لتجريد الشارع من القدرة على المقاومة وإيصاله للقبول بأي تسوية أو تقسيم قادم. كما يظهر امتناع الجيش عن ضرب أرتال الإمداد الحدودية في بداية الحرب ثم قصفها لاحقاً لإطالة أمد الحرب وإدارة توازن القوى الميداني، بالتزامن مع شمولية الانتهاكات واستهداف جميع الأقاليم بالقتل والتدمير لتفكيك النسيج الاجتماعي القومي. ثم يكتمل المخطط بقمع الأحزاب والقوى السياسية وإغلاق الفضاء المدني، ليُختتم المسرح برعاية الحركة الإسلامية المتغلغلة في التنظيمين عبر تبني مؤتمرات وتطوير تسويات شكليّة تشرعن سلطة البرهان والدعم السريع، وتوفر الإطار القانوني لإعلان تقرير المصير وتقسيم السودان إلى كيانات مفككة.
​تتجلى خطورة هذا السيناريو في تحويل الحرب من صراع على السلطة المركزية إلى عملية إعادة تشكيل جغرافية وسياسية لتأسيس كيانات إقليمية منفصلة بحكم الأمر الواقع، مما يدفع السودان نحو انقسام أشد دموية وتفتيتاً، وهو ما يتطلب مواجهة وطنـية شامـلة تُجهض المخطط في مهدِه وتصون وحدة التراب السوداني.