الحوار حين يكون بنية لا خطاباً رد على مقال «الحوار وغياب الرؤية الوطنية» للأستاذة أمل أحمد تبيدي

الحوار حين يكون بنية لا خطاباً رد على مقال «الحوار وغياب الرؤية الوطنية» للأستاذة أمل أحمد تبيدي


09-03-2026, 06:53 AM


  » http://sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=505&msg=1788414789&rn=0


Post: #1
Title: الحوار حين يكون بنية لا خطاباً رد على مقال «الحوار وغياب الرؤية الوطنية» للأستاذة أمل أحمد تبيدي
Author: د. علي عبدالله الخليفة طه
Date: 09-03-2026, 06:53 AM

06:53 AM September, 03 2026

سودانيز اون لاين
د. علي عبدالله الخليفة طه-UK
مكتبتى
رابط مختصر



استكمالاً لا مصادمة
الحوار حين يكون بنية لا خطاباً
رد على مقال «الحوار وغياب الرؤية الوطنية»
للأستاذة أمل أحمد تبيدي
د. علي عبدالله الخليفة طه

مدخل: تقدير الطرح

تطرح الأستاذة أمل أحمد تبيدي في مقالها تشخيصاً صادقاً وجريئاً لأزمة الحوار السوداني، ينطلق من ملاحظة دقيقة: أن منابر الحوار التي تعاقبت لم تفشل لغياب الرغبة في الاجتماع، بل لغياب الثقة والمصداقية اللتين تجعلان من أي اجتماع حواراً حقيقياً لا مجرد تقاسم مواقع. هذا التمييز بين الحوار كطقس شكلي والحوار كقيمة تبني الاجتماع الوطني هو نقطة انطلاق نتفق معها في جوهرها، ونرى أنها تستحق أن تُستكمل ببناء مؤسسي يحوّلها من نداء أخلاقي إلى آلية عمل.

مواطن الاتفاق العميق

تصيب الكاتبة حين تصف من «يهرولون» نحو منابر الحوار بأنهم في الغالب أصحاب مصالح شخصية «صنعتهم الصدفة»، لا رؤية إصلاحية لهم ولا برامج، وأن هدف كثير من هذه المنابر كان تقسيم السلطة بين حاملي السلاح لا بناء الدولة. هذا التوصيف يطابق تماماً ما رصدته وثيقة «ميثاق النجاة» بوصفه أزمة الشرعية التفاوضية: شرعية تُمنح لمن يملك القوة أو السلاح لا لمن يملك الكفاءة أو التمثيل، فتتحول موائد الحوار إلى قاعات لقسمة الغنيمة السياسية بدل أن تكون منصات لبناء التوافق.
كذلك تصيب الكاتبة في إشارتها إلى «الارتباط بمكونات قبلية وجهوية» بوصفه معيقاً كبيراً يهزم الروح الوطنية. هذه الملاحظة تتقاطع مباشرة مع أحد الأعمدة التي بُني عليها الميثاق: أن الانتماءات الجهوية والقبلية لا تُعالَج بالخطاب الوطني وحده، بل تحتاج إلى إطار تمثيلي يعترف بها ويستوعبها بنيوياً بدل أن يتجاهلها أو يخوّنها.
«لن ينجح الحوار طالما الاحتقان متزايد والأحقاد ترتفع وتيرتها، والجهلاء والمتسلقون يسيطرون على المشهد السياسي» — من المقال

من التشخيص الأخلاقي إلى الحل البنيوي: أين يكمن الفارق؟

الفارق بين قراءتنا وقراءة الكاتبة الكريمة ليس في التشخيص، بل في مستوى العلاج المقترح. يبقى المقال، بحكم طبيعته المقالية، عند مستوى الدعوة الأخلاقية: أن يتحقق «الوعي السياسي» وأن يتخلى المتحاورون عن الأحقاد وينضج «النضج السياسي». وهذه دعوة نبيلة لا خلاف عليها، لكن التجربة السودانية أثبتت مراراً أن النية الحسنة وحدها، مهما تكررت الدعوة إليها، لا تصمد أمام من لا مصلحة له في الثقة، أو من لا يُحاسَب إن خانها. المشكلة إذن ليست فقط في غياب النية الصادقة، بل في غياب البنية التي تجعل الصدق مُجدياً والخيانة مكلفة.
هنا يقترح الميثاق ثلاث آليات محددة تجيب مباشرة على النقاط التي أثارها المقال:
١. الشرعية الوظيفية الصاعدة بدل الحوار كحدث طارئ
بدل أن يكون الحوار مؤتمراً عابراً تجتمع فيه النخب لتوزيع المقاعد، يقترح الميثاق أن تُبنى الشرعية تصاعدياً من القواعد المحلية والمهنية والمجتمعية، عبر إنجاز فعلي وخدمة ملموسة، بحيث تُكتسب الثقة بالتراكم لا بالتصريح. هذا يفكك مباشرة ظاهرة «المتسلقين» و«صناعة الصدفة» التي رصدتها الكاتبة، لأن من يفتقر إلى قاعدة وإنجاز حقيقيين لا يجد له موطئ قدم في هذه الشرعية مهما أُتقن الخطاب.
٢. الركيزة الرابعة: من «الانتماء الضيق» إلى التمثيل المتوازن
لمعالجة ما تصفه الكاتبة بخطر الارتباطات القبلية والجهوية، يقترح الميثاق تمثيلاً إقليمياً موزوناً على أساس ستة أقاليم بصلاحيات متساوية، لا يُلغي الهوية الجهوية بل يستوعبها في إطار وطني جامع، بحيث لا يحتاج أي إقليم أو مكون إلى التمترس خلف انتماء ضيق دفاعاً عن مصالحه، لأن له مقعداً مضموناً بنيوياً لا متوسَّلاً.
٣. الجدار المؤسسي والعدالة الانتقالية: كلفة لخيانة الثقة
يعالج الميثاق غياب المصداقية عبر الفصل البنيوي بين الطبقة السياسية المتصارعة والطبقة التنفيذية-المدنية الكفوءة (الجدار المؤسسي)، بحيث لا تتوقف الخدمات والمؤسسات على تقلبات الحوار السياسي، إلى جانب منظومة عدالة انتقالية ثلاثية المستويات — من مصالحات محلية إلى لجنة حقيقة وتعويضات إلى دائرة قضائية للجرائم الكبرى بلا عفو — تجعل خيانة الثقة الوطنية فعلاً ذا كلفة محاسبية، لا مجرد وصمة أخلاقية تتبخر مع الزمن.

خاتمة

تكتب الأستاذة أمل أحمد تبيدي: «نتحاور ونتفاكر من أجل وطن معافى من كافة الأمراض»، وهذه غاية لا يختلف عليها اثنان. غير أن المسافة بين تشخيص الداء ووصف الدواء هي بالضبط المساحة التي يحاول «ميثاق النجاة» أن يشغلها: ليس بديلاً عن الدعوة إلى النضج السياسي والثقة المتبادلة، بل استكمالاً لها ببنية مؤسسية تجعل الثقة قابلة للتحقق لا مجرد أمنية تتكرر في كل منبر حوار جديد. فحين تصبح الشرعية صاعدة، والتمثيل متوازناً، والمحاسبة قائمة، يتحول الحوار من فعل نخبوي هش إلى نهج دولة راسخ ، وهذا بعينه ما تدعو إليه الكاتبة حين تصف الحوار بأنه «قيمة إنسانية تبني العلاقات».
والله ولي التوفيق.