Post: #1
Title: ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد
Author: عبدالله الفكي البشير
Date: 09-02-2026, 08:21 AM
08:21 AM September, 02 2026 سودانيز اون لاين عبدالله الفكي البشير-كندا مكتبتى رابط مختصر
ضعف الكتابات السودانية عن فكر محمود محمد طه- كتاب: الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة (2025)، لأمين حامد زين العابدين نموذجًا (9-9)- جزء (5 ج- 5 ج)
بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
الأحكام التقريرية للدكتور أمين في مواجهة شهادات بعض دارسي فكر محمود محمد طه
نواصل في هذه الحلقة استعراض شهادات عدد من المفكرين والباحثين الذين درسوا فكر محمود محمد طه، وهي شهادات تكشف تباينًا واضحًا مع الأحكام التقريرية التي أطلقها الدكتور أمين في كتابه الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة. فبينما وصف الدكتور أمين فكر طه بالنزعة «التوفيقية والتلفيقية»، رأى فيه دارسون آخرون فكرًا أصيلًا وإسهامًا جادًا في إعادة قراءة الإسلام وربطه بقيم الحرية والحداثة والديمقراطية والاشتراكية والتسامح والسلام، والاستجابة لتحديات العصر واحتياجات الإنسان المعاصر. بل ذهب المفكر التونسي يوسف الصديق إلى اعتباره منقذًا للمسلمين وللإنسانية جمعاء.
ستيف هوارد: الحرية في الإسلام مطلقة، ولكل فرد الحق في تحقيقها، لكنها حقٌّ يقترن بواجب قدّم البروفيسور ستيف هوارد Steve Howard، أستاذ مناهج البحث والتقييم في مجال التنمية، والاتصال من أجل التنمية، والدراسات الأفريقية، ودراسات الإعلام العالمي والإسلامي بجامعة أوهايو في الولايات المتحدة، عددًا من الدراسات حول فكر محمود محمد طه وسيرته، وحول الحركة الجمهورية التي قادها طه، ممثلةً في الإخوان الجمهوريين، من تلاميذه وتلميذاته. بدأ هوارد دراساته عن محمود محمد طه بعد أن التقى به وأصبح تلميذًا له، وعاش بين تلاميذه من الإخوان الجمهوريين. وكانت من أولى دراسته، دراسة بعنوان "محمود محمد طه: معلّم سوداني استثنائي"، ونُشرت عام 1987. ثم توالت دراساته وأوراقه، فشارك عام 2000 بورقة بعنوان "بناتي مؤلفاتي: محمود محمد طه والأخوات الجمهوريات" في المؤتمر الدولي الخامس للدراسات السودانية بجامعة درم في المملكة المتحدة. كما قدم عام 2001 ورقة بعنوان "أنا أفريقي: محمود محمد طه والإخوان الجمهوريون" في مؤتمر الإسلام وأفريقيا بجامعة ولاية نيويورك في بينغهامتون. وفي العام 2002 شارك بورقة بعنوان "القيادة التحويلية في الإسلام: محمود محمد طه وإمكانات الإيمان" في الجامعة الإسلامية في إندونيسيا، ثم نشر في خريف عام 2003 ورقة بعنوان "تحويل المجتمع الإسلامي: محمود محمد طه والإخوان الجمهوريون" في مجلة الدراسات الإسلامية. وفي ديسمبر 2006 نشر دراسة بعنوان "محمود محمد طه والجمهوريات: حركة من أجل المرأة في السودان المسلم" في مجلة أحفاد، جامعة الأحفاد، أم درمان، السودان، المجلد 23، العدد 2، إلى جانب دراسات وأوراق أخرى. كما قدّم هوارد عددًا من المحاضرات حول فكر محمود محمد طه وسيرته، من بينها محاضرة "محمود محمد طه: سيرة حياة"، وشارك في لقاءات إعلامية، منها برنامج "حكاية غاندي السودان محمود محمد طه" على قناة الحرة في 23 يناير 2018. كذلك نظم وأشرف على عدد من اللقاءات والمؤتمرات التي تناولت فكر محمود محمد طه وسيرته، ومن أبرزها مؤتمر جامعة أوهايو لإحياء الذكرى المئوية لميلاد محمود محمد طه، بعنوان "المسلمون التقدميون في مائة عام"، الذي عُقد بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الأستاذ محمود محمد طه (1909–2009) والذكرى الرابعة والعشرين لاستشهاده، في جامعة أوهايو بأثينا يومي 17 و18 يناير 2009. وفي عام 2016 أصدر هوارد كتابه Modern Muslims: A Sudan Memoir، أي "المسلمون المعاصرون: مذكرات عن السودان". يروي فيه رحلته في التعرف إلى الإسلام وإلى المفكر محمود محمد طه وتلاميذه "الإخوان الجمهوريون"، وإلى التصوف، وإلى تاريخ السودان وثقافته. وإلى جانب كونه قصة للتحول الفكري والروحي، يقدم الكتاب منظورًا من الداخل لحركة إسلامية حداثية سلمية، تدعو إلى السلام والمحبة، ازدهرت فترةً ثم تعرضت لقمع وحشي. وقد عايش هوارد جانبًا مهمًا من تلك الأحداث؛ فعندما دخل الإخوان الجمهوريون في مواجهة مع الرئيس السوداني آنذاك، جعفر نميري، كان هوارد شاهدًا قريبًا على الخيارات الصعبة التي تواجه المجتمعات وهي تحاول إصلاح دينها وممارسة عقيدتها وفكرها بحرية. ويكتسب الكتاب أهميته، كما يشير ناشره، من كونه يقدم رؤى تساعد على فهم الإسلام الحديث، والتاريخ الأفريقي، والجغرافيا السياسية المعاصرة. ومن أحدث دراسات هوارد، وهي قيد النشر، دراسة بعنوان: Lovers of Freedom: The Liberatory Praxis of Mahmoud Mohamed Taha, Paulo Freire, and Frantz Fanon "عشاق الحرية: الممارسة التحررية عند محمود محمد طه وباولو فريري وفرانتس فانون". يسعى هوارد في هذه الدراسة، كما يوضح، إلى الاستفادة من نموذج الريادة الفكرية لدى الفيلسوف والناقد الاجتماعي الأمريكي كورنيل ويست، لإبراز بُعد آخر من إسهامات الأستاذ محمود محمد طه في القرن العشرين، يتمثل في منهجه في التربية التحررية. وكان كورنيل ويست محاضرًا رئيسيًا في مؤتمر جامعة أوهايو الذي عُقد عام 2009 لإحياء الذكرى المئوية لميلاد محمود محمد طه، بعنوان "المسلمون التقدميون في مائة عام". وببلاغته المعهودة، كما يصفه هوارد، وضع ويست الأستاذ محمود محمد طه في مصاف غاندي، ومارتن لوثر كينغ، ونيلسون مانديلا. ويجمع هؤلاء الأربعة، إلى جانب كونهم خطباء مفوهين ربطوا معاناتهم بغايات سامية، تعرضهم للسجن ظلمًا على أيدي السلطات. ومع أن حديث ويست عن محمود محمد طه بوصفه أحد رواد القرن العشرين كان، بحسب هوارد، مؤثرًا ومُرضيًا للحضور، فإنه لم يقدم إطارًا تحليليًا لأعمال هؤلاء الرواد. إلا أن حديثه أسهم في تعريف المشاركين بالأهمية البالغة لحياة محمود محمد طه، إلى جانب ما كانوا يعرفونه مسبقًا عن إنجازات كينغ ومانديلا وغاندي. ولتسليط الضوء بصورة أفضل على الدور الحيوي الذي أداه محمود محمد طه في مناهضة الاستعمار في السودان، وعلى منهجه في التربية التحررية والتغيير الاجتماعي، يرى هوارد أن من المفيد قراءة أعمال محمود محمد طه في ضوء أعمال بعض أهم معاصريه في إطار الفكر الثوري في القرن العشرين، ولا سيما فرانتس فانون وباولو فريري. ففانون، الطبيب النفسي المارتينيكي ذو الأصل الجزائري، مؤلف كتابي "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» (1952) و"معذبو الأرض" (1961)، وفريري، عالم التربية البرازيلي ومؤلف "تربية المضطهدين" (1968)، تزامنا تقريبًا مع محمود محمد طه في الكتابة والتثقيف والعمل على إيجاد الحلول، وركزوا على توفير أساليب تفكير مناهضة للاستعمار للأفراد الذين يعيشون تحت نير الاستعمار. وفي تجارب هؤلاء المفكرين التحرريين الثلاثة، نجد دعوة واضحة إلى العمل الجماعي وإلى قدرة الإنسان على المشاركة الفاعلة في تغيير نفسه وواقعه. ويفصل هوارد في إسهامات محمود محمد طه وباولو فريري وفرانتس فانون في مجال التربية التحررية في القرن العشرين. ويوضح أن محمود محمد طه ركز بدرجة كبيرة على توسيع قدرة أتباعه على التفكير والتأمل في العالم من حولهم، وصولًا إلى ما أسماه "الحرية الفردية المطلقة". فالحرية في الإسلام، كما يرى طه، مطلقة، ولكل فرد الحق في تحقيقها، بغض النظر عن الدين أو العرق. غير أن هذا الحق يتوافق مع واجب، ولا يتحقق إلا من خلال الاستخدام السليم للحرية، أي حسن التصرف في ممارستها. ويربط هوارد ذلك برؤية طه لطبيعة الإنسان والإسلام، إذ يقول إن المطلق، أو اللانهائي، هو الصفة الأساسية في الإسلام، لأن الإسلام ينظر إلى الفرد باعتباره قادرًا على التطور اللامحدود؛ فهو ينتقل من المحدود إلى المطلق، ومن النقص إلى الكمال. كما ناقش هوارد مسألة إغفال محمود محمد طه، إلى حد كبير، من قائمة الشخصيات التي أسهمت في الجهود الرامية إلى جعل الحرية الإنسانية محورًا للعلاقات العالمية. ويرى في ذلك فجوة في الأدبيات المتعلقة بالشخصيات التي قدمت إسهامات مهمة في التطور الروحي للإنسانية. ولهذا حاول، كما يقول، أن يقدم في دراسته بعض التوجيهات والأفكار للمساعدة في سد هذه الفجوة. ويخلص هوارد إلى أن "هؤلاء الرجال الثلاثة لهم مآثرهم، فهم كانوا يأتون في حياتهم اليومية ما يدعون من آرائهم الفلسفية". ويرى أن الاعتراف بمحمود محمد طه بوصفه واحدًا من رواد المشروع الفكري في القرن العشرين الهادف إلى تأكيد الحرية الإنسانية، من شأنه أن يوفر للغرب طريقة جديدة لفهم الإمكانات الكامنة في التجربة الإسلامية، وأن يضيف عمل الأستاذ محمود إلى مدونة الفكر والخيال ما بعد الاستعماري. كما يرى أن محاولة فهم إسهام محمود محمد طه في بناء مدونة أصيلة لفكر ما بعد الاستعمار يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة لفهم العناصر الروحية للحرية الإنسانية؛ وهي عناصر ربما لم نمتلك، حتى الآن، المعرفة الكافية لاستكشافها. ويشير ستيف هوارد إلى أنه استند في دراسته إلى قراءة أعمال المفكرين الثلاثة، وإلى تجربته الحياتية بوصفه تلميذًا لكل من محمود محمد طه وباولو فريري، فضلًا عن اعتماده على كتاباته السابقة حول الشخصيات الثلاث للمقارنة بينها وتحليل إسهاماتها في التربية التحررية والفكر المناهض للاستعمار.
تأثير المفكر محمود محمد طه في المفكرين
"إن المثقف عبر عملية المعارضة والروح النقدية يمكن أن يزيل النفاق ويكشف الزيف ويهيئ الأرض للتغيير". شيلي واليا، جامعة البنجاب، باكستان
تناولت البروفيسور بيَّه سلطاني، أستاذة أصول الدين بجامعة الزيتونة في تونس، موضوع "سؤال التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: مقاربة محمود محمد طه نموذجاً"، في محاضرة قدمتها في فضاء جامعة الزيتونة بتاريخ 7 يونيو 2024. وقد تحدثت قائلة: "فقد أمكن للمفكر محمود طه أن يحيي كذات معنوية مؤثرة. ظهر ذلك في مستويات عدة: إبطال حكم الإعدام، والتحول عن سردية التبديع والتكفير لدى الأفراد والمؤسسات الدينية التي تورطت في قرار الإعدام. وتنامي الاهتمام الفكري والتأليف العلمي حول الرؤية تأصيلاً لها وشرحاً وبياناً لجدواها في حل أزمة الجمود الفكري". ويكشف هذا التقدير عن أن تأثير محمود محمد طه لم يتوقف عند حدود تجربته التاريخية، وإنما امتد إلى أجيال لاحقة من الباحثين والمفكرين المهتمين بقضايا التجديد الديني والإصلاح الفكري. فمع مرور الزمن، انتقلت أفكاره من دائرة الجدل المباشر حول طرحه إلى مجال البحث الأكاديمي والنقد الفكري، وأصبحت أطروحاته موضوعاً للدراسة والمناقشة وإعادة القراءة في سياقات عربية وإسلامية مختلفة. كما أن استمرار حضور الفكرة الجمهورية في النقاشات المعاصرة يعكس قدرة الطرح على إثارة أسئلة متجددة حول علاقة النص بالواقع، والدين بالحرية، والتشريع بالتطور التاريخي. ومن هنا يمكن القول إن أحد أبرز وجوه تأثير محمود محمد طه يتمثل في تحوله من شخصية تاريخية إلى موضوع فكري مفتوح، تتعدد حوله القراءات وتتجدد الأسئلة. وهذا الحضور المتواصل يؤكد أن الأفكار لا تنتهي بالضرورة مهما تجاهلها البعض أو سعوا لتغييبها، وإنما تبدأ مرحلة جديدة من حياتها الفكرية عندما تصبح قابلة للنقد والتفسير وإعادة الاكتشاف من أجيال جديدة.
تأثير المفكر محمود محمد طه في المفكرين منصور خالد والإشارة لتأثير محمود محمد طه في الصادق المهدي وحسن الترابي
"الكثير من الناس تأثر بالأستاذ محمود، فلننظر إلى الأفكار الجديدة للصادق المهدي وللترابي ولينظروا إلى أفكار الأستاذ محمود لنرى مدى التأثير". الدكتور منصور خالد (1931- 2020)، السودان
لم يقتصر تأثير فكر محمود محمد طه على تلميذاته وتلاميذه المباشرين، وإنما امتد إلى عدد كبير من المثقفين والمفكرين السودانيين وغير السودانيين، الذين عاصروا طرحه أو تعاملوا مع بعض قضاياه وأطروحاته. وقد أشار الدكتور منصور خالد (1931–2020) إلى هذا التأثير بوضوح، حين قال: "الكثير من الناس تأثر بالأستاذ محمود، فلننظر إلى الأفكار الجديدة للصادق المهدي وللترابي، ولينظروا إلى أفكار الأستاذ محمود لنرى مدى التأثير". وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن أحد أبرز المثقفين والسياسيين السودانيين، الذي كان قريبًا من المشهد الفكري والسياسي السوداني، وعاصر عددًا من أبرز رموزه. وقد أشار منصور خالد بصورة خاصة إلى السيد الصادق المهدي (1935–2020) والدكتور حسن الترابي (1932–2016)، داعيًا إلى النظر في أفكارهما الجديدة ومقارنتها بأفكار محمود محمد طه للكشف عن أوجه التأثير والتداخل بينها. ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن كل فكرة عند الصادق المهدي أو حسن الترابي يمكن ردها إلى طه، وإنما المقصود هو أن شهادة منصور خالد تفتح بابًا مهمًا للبحث في انتقال الأفكار وتأثيرها وتداولها داخل النخبة الفكرية والسياسية السودانية. ومن ثم، فإن دراسة هذا التأثير تحتاج إلى مقارنة النصوص والمراحل الزمنية وتطور المفاهيم، وهو ما سنعود إليه بالتفصيل ضمن دراسة مستقلة بعنوان: تأثير محمود محمد طه في المفكرين.
محمود شعراني: حاج حمد أقتبس حرفياً ونصياً من أفكار الأستاذ محمود محمد طه إبراهيم محمد زين: أطروحة طه حاضرة في نص العالمية الثانية، أخذت منها وتبنت بعض خلاصتها العلمية
"إذا كنت لا تستطيع رفع الظلم، فأخبر عنه الجميع على الأقل" علي شريعتي (1933- 1977)
من النماذج التي أثير حولها جدل مباشر في هذا السياق المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد (1941–2004). فقد أشار عدد من الباحثين إلى تأثره بأفكار محمود محمد طه، بل ذهب بعضهم إلى الحديث عن اقتباس مباشر وإعادة إنتاج لبعض أفكار طه. وقد سبق أن خصصت لحاج حمد فصلًا في كتابي: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، حمل عنوان: "الأستاذ محمود محمد طه والمفكرون الإسلاميون: محمد أبو القاسم حاج حمد". وكان ذلك الفصل بمثابة مدخل أول إلى هذه القضية، مع وعد بالعودة إليها بمزيد من التفصيل والتوثيق. وقد استمر العمل على هذا الموضوع لأكثر من ثلاثين عامًا، بالنظر إلى ما يتطلبه من تتبع للنصوص ومقارنتها ورصد تطور الأفكار والمفاهيم لدى حاج حمد ومقارنتها بما سبق أن طرحه محمود محمد طه. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن ملاحظة هذا التأثير لم تبدأ بي، وإنما سبقني إليها عدد من الباحثين والأساتذة الذين تناولوا القضية بصورة مباشرة. ففي مقال للدكتور محمود شعراني (1946–2021)، أشار إلى أن "حاج حمد اقتبس حرفيًا ونصيًا من أفكار الأستاذ محمود محمد طه". كما كتب البروفيسور إبراهيم محمد زين أن "أطروحة محمود محمد طه حاضرة في نص العالمية الثانية، فقد أخذت منها كثيرًا من المعالم، وتبنت بعض خلاصتها العلمية، ... دون أن يعطيه ميزة الذكر بالاسم أو التنويه لمؤلفاته". ولم تظل هذه القضية محصورة في كتابات الباحثين، وإنما أثيرت في أكثر من مناسبة وفي أكثر من بلد؛ فقد نوقشت في الأردن والمغرب وماليزيا في خريف عام 1994، كما أثيرت في ندوة عقدت في القاهرة في مارس 1992، شارك فيها أكثر من خمسة عشر مفكرًا وعالمًا ومتخصصًا. وذهب بعض المشاركين فيها إلى أن حاج حمد اقتبس بصورة حرفية ونصية من أفكار محمود محمد طه. ولعل من اللافت أن حاج حمد، وبعد النقد المشار إليه أعلاه، خصص في الطبعة الثانية من كتابه: العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، الصادرة عام 1996، محورًا بعنوان: "شبهات التداخل ما بين العالمية الإسلامية الثانية والرسالة الثانية من الإسلام". ويكشف إدراج هذا المحور عن أن مسألة العلاقة بين طرحه وطرح محمود محمد طه لم تكن غائبة عن النقاش الفكري حول كتابه، بل كانت قضية تستدعي منه معالجة مباشرة. وهنا تبرز أهمية التمييز بين التأثر الفكري المشروع وبين الاقتباس غير المنسوب وإعادة إنتاج الأفكار دون الإحالة إلى أصحابها. فالتأثر بالمفكرين أمر طبيعي في تاريخ الفكر، ولا ينتقص من قيمة المفكر أن يستفيد من سابقيه، وإنما تكمن المسألة في كيفية التعامل مع الأفكار المستفادة: هل تُنسب إلى مصادرها، ويُشار إلى أصحابها، وتُحدد حدود الاستفادة منها، أم يعاد تقديمها باعتبارها إنتاجًا أصيلًا دون بيان صلتها بمصادرها السابقة؟ لقد عبّر المفكر الإيراني على شريعتي (1933–1977) عن المسؤولية الأخلاقية تجاه الظلم بعبارته الموجزة والعميقة أعلاه. وفي هذا السياق، فإن إثارة قضية التأثير الفكري لا ينبغي أن تكون غايتها التشهير أو الانتقاص من أي مفكر، وإنما إظهار الوقائع كما هي، ووضع النصوص أمام القارئ، وتمكينه من الحكم بنفسه على أوجه التشابه والتأثر والاقتباس. وسيأتي تناول قضية العلاقة بين محمود محمد طه ومحمد أبو القاسم حاج حمد بصورة مفصلة وموثقة، من خلال النصوص والمصادر والمقارنات المباشرة، في الكتاب الموعود: تأثير محمود محمد طه في المفكرين: محمد أبو القاسم حاج حمد، بما يتيح للقراء الوقوف على طبيعة هذا التأثير وحدوده، وما إذا كان الأمر يتعلق بالتأثر الفكري، أو بإعادة إنتاج بعض الأفكار، أو بالاقتباس النصي، أو بمزيج من هذه المستويات.
السيد كمال الحيدري: من هنا جاءت نظرية محمد شحرور
"إن الإٍسلام يا سيدي حق، وأن هذا العالم خلق بالحق، وبني على حق، وسينتهي أمره إلى الحق، في آخر المطاف، وكل باطل مهما أزدهر وأينع فهو إلى زوال مثله مثل الزبد الذي يذهب جفاء". محمود محمد طه، 1958
كان سماحة السيد كمال الحيدري، المرجع الديني العراقي، من بين الذين أشاروا إلى أثر فكر محمود محمد طه في المفكر السوري محمد شحرور (1938–2019)، ولا سيما في الفكرة التأسيسية المتعلقة بمدى قابلية الأحكام التي طُبقت في القرن السابع للتطبيق في العصر الحديث. ويرى الحيدري أن هذه الفكرة تجد أصلها الواضح في أطروحة طه حول الرسالتين، وبصفة خاصة في التمييز بين الآيات المكية والآيات المدنية وعلاقتهما بالتطور التاريخي للمجتمع. وقد عبّر الحيدري عن ذلك بصورة مباشرة، قائلًا: "والنظرية أين موجودة؟ موجودة في الرسالة الثانية من الإسلام، كل النظرية يطرحها هنا"، ثم أوضح أن طه يرى أن الرسالة الأصلية تتمثل في الآيات المكية، وأن الآيات المدنية ارتبطت بظروف القرن السابع، ومن ثم لا تكون قابلة للتطبيق في عصر آخر بالصورة نفسها. ويضيف الحيدري: "ومن هنا جاءت نظرية محمد شحرور في هذا المجال، بأنه أساسًا النسخة المطبقة في القرن السابع غير قابلة للتطبيق في زماننا هذا" (2 فبراير 2017). وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها لا تكتفي بإثبات وجود تشابه عام بين طه وشحرور، وإنما تشير إلى صلة فكرية محددة تتعلق بتاريخية التشريع وإعادة قراءة النص الديني في ضوء تطور الزمان والمجتمع. وهي مسألة تمثل أحد المحاور المركزية في طرح محمود محمد طه، وتكشف، في الوقت نفسه، عن ضرورة دراسة انتقال الأفكار وتحوّلها بين المفكرين، بدل الاكتفاء بإثبات التشابه في النتائج.
حيدر حب الله: وجدنا انعكاسات فهم طه للشريعة عند كثير من الكُتاب والمفكرين مثل نصر حامد أبو زيد
"الفكرة الجمهورية باستمرار منتصرة كل صباح جديد، وقريبة للناس كل صباح جديد". محمود محمد طه، 23 ديسمبر 1975
ويأتي الشيخ الدكتور حيدر حب الله، الأستاذ في الحوزة العلمية بمدينة قم وأستاذ جامعة الأديان والمذاهب في إيران، ضمن المهتمين بدراسة فكر محمود محمد طه؛ فقد قدم محاضرات تناول فيها الرسالة الثانية من الإسلام، ونشر هذه المحاضرات في صورة مقالات ودراسات. وفي سياق حديثه عن طه، أشار حب الله إلى أن مشروعه يقدم فهمًا تاريخيًا للشريعة، وأنه وجد انعكاسات لهذا الفهم لدى عدد من الكتاب والمفكرين العرب اللاحقين. ويقول: "وقد وجدنا انعكاسات هذا الفهم في كثير من الكتاب والمفكرين العرب اللاحقين، ربما يكون هو ملهمًا لهم في كثير من المواضع، انعكاس ليس نفس النظرية، انعكاس الفكرة، روح الفكرة بطريقة ما، مثل نصر حامد أبو زيد وغيره" (12 نوفمبر 2022). وتكشف شهادة حب الله عن مستوى آخر من مستويات التأثير؛ فهي لا تدعي بالضرورة انتقال نظرية طه كاملة إلى مفكرين لاحقين، وإنما تتحدث عن انعكاس الفكرة وروحها في بعض كتاباتهم. وهذا التفريق مهم منهجيًا؛ لأن التأثير الفكري قد يكون مباشرًا من خلال الاقتباس أو الإحالة، وقد يكون غير مباشر من خلال انتقال المفاهيم والأسئلة والرؤى الأساسية إلى فضاء فكري أوسع. وتأتي هذه الشهادات لتؤكد الحاجة إلى دراسة أثر محمود محمد طه في الفكر العربي والإسلامي الحديث، ليس فقط من خلال من أعلنوا تأثرهم به، وإنما أيضًا من خلال مقارنة النصوص وتتبع المفاهيم التي انتقلت أو أعيد إنتاجها في مشاريع فكرية لاحقة. وقد ظللنا نعمل على هذا الموضوع منذ سنوات، وسيأتي ضمن دراسة أوسع بعنوان: تأثير المفكر محمود محمد طه في المفكرين، تتناول، إلى جانب محمد شحرور ونصر حامد أبو زيد، محمد أبو القاسم حاج حمد وغيرهم، مع محاولة توثيق أوجه التأثير والاختلاف من خلال النصوص والمصادر. تكشف شهادتا سماحة السيد كمال الحيدري والشيخ الدكتور حيدر حب الله عن حضور واضح لبعض أفكار محمود محمد طه في مشاريع فكرية عربية لاحقة، ولا سيما في مسألة تاريخية التشريع وإعادة فهم الشريعة. ويفتح هذا بابًا مهمًا لدراسة التأثير الفكري وتتبّع انتقال الأفكار. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مجرد ملاحظة التشابه إلى المقارنة النصية والتاريخية الدقيقة، للكشف عن طبيعة هذا التأثير وحدوده.
أصالة أفكار محمود محمد طه: عمليات النهب والقرصنة والانتحال
"في السنوات التي أعقبت ميتته النّبيلة، تمّ تبنّي أفكاره من قبل المفكّرين المسلمين على امتداد العالم كما من قبل المفكّرين السّودانيّين بوجهٍ خاصّ دونما أيّ اعترافٍ منهم جميعاً بهذا. ويكمن السّخف في هذا أنّ أغلب الذين سلخوا أعمارهم في محاربة أفكاره كانوا أيضاً ضمن من مارسوا هذه القرصنة الفكريّة". الدكتور محمد جلال هاشم
أسوأ من كل ما سبق أننا رصدنا حالات واضحة من الاستيلاء والانتحال والقرصنة الفكرية في التعامل مع أفكار وكتابات محمود محمد طه، وصلت في بعض النماذج إلى النقل بالنص والحرف، دون تغيير حتى في عناوين الفصول أو عناوين المحاور والموضوعات الجانبية. ومن المؤسف أن بعض هذه الحالات صدرت عن كتاب ومثقفين من مصر، الأمر الذي يجعل القضية، متى ثبتت بالمقارنة النصية والتوثيقية، تتجاوز مجرد التشابه في الأفكار إلى مسألة علمية وأخلاقية تستحق التوقف والتحقيق. ومن أبرز النماذج التي رصدناها كتاب: محمود محمد طه، مشكلة الشرق الأوسط: تحليل سياسي-استقراء تاريخي-حل علمي، (1967)، الذي انتحله الدكتور يوسف حسن يوسف (مصر) وأعاد نشر مادته تحت اسمه بعنوان: التحليل السياسي لمشكلات الشرق الأوسط، عن مركز الكتاب الأكاديمي، عمّان، 2017. أما النموذج الثاني، فيتمثل في الاستيلاء الجزئي على مادة كتاب محمود محمد طه: رسالة الصلاة، (1966)، إذ أُدرجت أجزاء منه، بالنص والحرف، ضمن كتاب الأستاذ أمير تاج الدين: الحاسة السادسة، الصادر عن دار كنوز للنشر، القاهرة، 2008. وتكشف هذه النماذج، وفق ما نراه ثابتًا بالمقارنة النصية والتوثيقية، عن مفارقة لافتة؛ فمن جهة، تتعدد الشهادات التي تؤكد أصالة أفكار محمود محمد طه وثراء طرحه، ومن جهة أخرى تظهر محاولات لإعادة تقديم بعض أفكاره تحت أسماء أخرى. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين التأثر الفكري المشروع وبين الاستيلاء على جهد فكري وإعادة تقديمه دون نسبته إلى صاحبه. ولأن إثبات مثل هذه الوقائع يتطلب عرض النصوص الأصلية والمنقولة ومقارنتها تفصيليًا، فإن المجال هنا لا يتسع لتناولها بالقدر الذي تستحقه. وقد ظللت على مدى سنوات أرصد هذه الحالات وأجمع مادتها وأقارن بين النصوص والمصادر، تمهيدًا لتقديم دراسة مستقلة تكشف ما أمكن رصده وتوثيقه منها. وسيكون هذا العمل، بإذن الله، في كتاب مستقل بعنوان: نهب أفكار محمود محمد طه، يتناول هذه الظاهرة بالتوثيق والمقارنة، ويضع النصوص أمام القارئ حتى يكون الحكم قائمًا على الدليل والمقارنة المباشرة، بعيدًا عن الانطباعات والأحكام المسبقة.
رصد الدراسات العلمية والكتابات عن فكر محمود محمد طه
"حينما صعد محمود محمد طه المشنقة؛ كنا نحن الذين عليها؛ وكان هو نحن .. ولو لم يستقبل الأستاذ الشهيد الموت بتلك الابتسامة الخالدة، وبرباطة الجأش المتناهية، التي أبداها، لخذل فينا اعتزازاً يضرب عمقاً، ورسوخاً في كياننا القومي، ولسخرت منا تربيتنا التليدة (حقي المشنقة والمدفع أب ثكلي)". (25 يونيو 1985).
الشاعر صلاح أحمد إبراهيم (1933-1993)
ومن المهم الإشارة إلى أن فكر محمود محمد طه حظي بدراسات وقراءات متعددة، سودانية وعربية وأجنبية، ولا يتسع هذا الموضع لاستعراضها جميعًا. ومن بين الذين تناولوا فكره، على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور عبدالله بولا (1940- 2018)، (السودان)، والدكتور حيدر إبراهيم، (السودان)، والدكتورة آمال قرامي (تونس)، والدكتور محمد محمود (السودان)، والدكتور فريد العليبي (تونس)، والبروفيسور ستيف هوارد (الولايات المتحدة)، والدكتور ميشيل هوبنك Michel Hoebink (هولندا)، والدكتور باسم المكي (تونس)، والبروفيسور كنزة القاسمي (المغرب)، والأستاذة الدكتورة زهية جويرو (تونس)، والأستاذة ناجية الهادي قشوط، (ليبيا)، وغيرهم/ هن. وقد أصبح الآن الإقبال كبيراً على دراسة فكر محمود محمد طه، الأمر الذي يصعب رصده في هذه المساحة الضيقة. وقد قدمت رصداً أولياً للدراسات التي تمت عن فكره حتى العام 2023، وجاء الرصد ضمن كتابي: محمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام، دار محمد علي للنشر، صفاقس/ مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2024. ويكشف هذا التنوع في الباحثين والباحثات عن أن فكر محمود محمد طه لم يعد موضوعًا محصورًا في الكتابات السودانية أو في الفضاء الإسلامي، وإنما أصبح مجالًا للبحث والدراسة في دوائر أكاديمية وفكرية متعددة في الفضاء الكوكبي. كما أن تزايد الإقبال على دراسة طرحه يعكس استمرار الأسئلة التي أثارها حول الفهم الجديد للإسلام، والأفق الإنساني لطرحه، ورؤيته تجاه الديمقراطية والاشتراكية والحرية والمرأة والمساواة والتشريع والتجديد الديني، والتعليم والتعايش والتسامح وبناء السلام في النفوس وعلى الأرض. وقد قدمتُ رصدًا أوليًا للدراسات التي تناولت فكر محمود محمد طه حتى عام 2023، ضمن كتابي: محمود محمد طه: من أجل فهم جديد للإسلام، دار محمد علي للنشر، صفاقس، ومؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2024. ويظل هذا الرصد مفتوحًا على دراسات جديدة تتزايد عامًا بعد عام، بما يؤكد أن طرح طه لا يزال حاضرًا في النقاش الفكري، وأن الحاجة إلى قراءته قراءة نقدية موثقة تزداد مع اتساع دائرة الاهتمام به. تكشف الشهادات والدراسات التي رُصدت هنا عن حضور فكري متزايد لمحمود محمد طه، وعن اعتراف متنوع بأصالة طرحه وثرائه وثوريته. وفي المقابل، تكشف المقارنات النصية التي نعمل عليها عن حالات تستوجب التوثيق والتحقيق في مسألة الاستيلاء على بعض أفكاره وكتاباته. وبين انتشار الدراسات وتعدد الشهادات واستمرار الجدل حول أصالة الطرح، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى قراءة طه من خلال نصوصه ومصادره، وإنصافًا للطرح الفكري، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، على نحو ما فعل الدكتور أمين حامد زين العابدين. نلتقي مع الحلقة الختامية.
|
|